المضاربون على ارتفاع السندات الأمريكية يصمدون في وجه التضخم
مجموعة من المضاربين على ارتفاع أسعار السندات يراهنون على أن أكبر سوق للدخل الثابت في العالم ستتجاهل ارتفاع التضخم في الولايات المتحدة إلى أعلى مستوى له في 30 عاما، في حين تؤدي التحولات طويلة الأجل في الاقتصاد الأمريكي إلى استمرار انخفاض العائدات.
أظهرت البيانات أن أسعار السلع الاستهلاكية ارتفعت 6.2 في المائة في العام المنتهي في تشرين الأول (أكتوبر)، وهزت سوق سندات الخزانة الأمريكية لفترة وجيزة في وقت سابق من هذا الشهر. مع ذلك، لا تزال عائدات الديون المستحقة على مدى عقود في المستقبل أقل كثيرا من مستويات الذروة التي بلغتها في 2021، على الرغم من توقعات زيادة نمو الأسعار لفترة طويلة.
بالنسبة إلى بعض المضاربين على ارتفاع أسعار السندات منذ فترة طويلة، عدم مبالاة السوق بارتفاع الأسعار يعد إثباتا لوجهة النظر القائلة إن التضخم لن يترك أثرا دائما في السوق، وإن مشهد ما قبل الجائحة المتمثل في أسعار الفائدة المنخفضة لن يتغير كثيرا عندما ينجلي الغبار عن الانتعاش الاقتصادي.
قال ستيفن ميجور، رئيس قسم أبحاث الدخل الثابت في "إتش إس بي سي"، "ما يهم ليس نشر (إجمالي الناتج المحلي) هذا الأسبوع أو (مؤشر أسعار السلع الاستهلاكية) الأسبوع التالي، أو الاجتماع المقبل لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، بل العوامل الأساسية هي التي تقود المدى الطويل"، مجادلا بأن هذه العوامل الأساسية تتضمن عبء الديون الهائل في أمريكا وشيخوخة السكان.
روبرت تيب، رئيس قسم السندات العالمية في "بي جي آي إم"، يرى أن أسعار السندات الحكومية الأمريكية - التي تتحرك على نحو معاكس لاتجاه العائدات - سيتم دعمها على المدى الطويل من خلال الاتجاهات الديموغرافية والرياح المالية المعاكسة.
الحجة التي طرحها المضاربون على الارتفاع هي أن الأمريكيين الذين يقتربون من التقاعد -جيل كبير وثري- سيتحولون بشكل متزايد إلى استثمارات منخفضة المخاطر توفر تدفقات دخل ثابتة على مدى فترة زمنية طويلة، مثل سندات الخزانة. من المتوقع أن تنمو هذه المجموعة بسرعة في الأعوام المقبلة، مع ارتفاع نسبة الأمريكيين الذين يبلغون من العمر 65 عاما فما فوق من نحو 17 في المائة في 2020 إلى 21 في المائة في 2030، وفقا لتوقعات مكتب الإحصاء الأمريكي.
يجادل بعض محللي السندات بأن عبء الديون الذي راكمته الولايات المتحدة من الإنفاق المالي والإعفاءات الضريبية في الأعوام الأخيرة ـ جزئيا لدعم الاقتصاد الأمريكي خلال الجائحة ـ يمكن أن يحد أيضا من إمكانية الاقتراض في المستقبل، ما يخفض توقعات النمو بشكل أكبر.
وصل الدين الفيدرالي الذي يحتفظ به الجمهور في 2020 إلى 100 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي لأول مرة منذ أعقاب الحرب العالمية الثانية، ومن المتوقع أن يستمر في الارتفاع، حسب تقديرات مكتب الميزانية في الكونجرس.
تعمل هذه الاتجاهات طويلة الأجل على مقاومة ارتفاع معدلات التضخم والنمو الاقتصادي، وكلاهما يرفع عائدات سندات الخزامة الأمريكية لأجل عشرة و20 و30 عاما. كثير من المستثمرين، الذين يراهنون على أن التضخم سيستمر في الارتفاع، يراهنون على سندات الخزانة طويلة الأجل.
بالنسبة إلى المضاربين على انخفاض السندات مثل سونال ديساي، كبيرة مسؤولي الاستثمار في "فرانكلين تيمبليتون"، لا يوجد دليل على أن معدل التضخم سينخفض بشكل كبير. أشارت إلى أن الاحتياطي الفيدرالي سيواصل شراء السندات العام المقبل، وإن كان ذلك بوتيرة أبطأ مما كان في ذروة الجائحة، تماما في الوقت الذي تبدأ فيه الحكومة "عاما آخر من الإنفاق المالي لمبالغ ضخمة أخرى".
لا تزال السياسة العامة توسعية للغاية. قالت ديساي، "هذه الأشياء، معا، تجعلني أعتقد أن التضخم من المرجح أن يبقى لفترة طويلة".
مسألة ارتفاع أسعار السندات لا تتعلق فقط بالاتجاهات طويلة الأجل - يجادل المضاربون بأن النمو والتضخم لن يرتفعا إلى مستويات من شأنها أن تغير مسار تلك التحولات الاقتصادية الواسعة. فيما يتعلق بالتضخم يتوافق المضاربون على ارتفاع السندات مع الاحتياطي الفيدرالي، على الرغم من ارتفاع معدلات التضخم حاليا، إلا أنهم يعتقدون أنها مدفوعة بشكل أساس بقوى مؤقتة مثل اضطرابات سلاسل الإمداد.
يقول بعض المستثمرين الذين يعترفون بالموجات طويلة الأجل، إنهم يعتقدون أن هذه الاتجاهات من غير المرجح أن تكون المحركات الرئيسة للعائدات في العام المقبل.
قال جريجوري وايتلي، مدير محفظة في دبل لاين كابيتال، إن هذه المحركات طويلة الأجل "ستستمر في أن تكون قوة لخفض المعدلات في المستقبل، لكن على المدى القريب، سأعطي قدرا أكبر من الأهمية للعوامل الدورية والفنية التي تؤدي إلى ارتفاع العائدات". تشمل هذه ارتفاع معدلات التضخم أعلى من اتجاه النمو، وزيادة الطلب على سندات الخزانة من معاشات التقاعد الأوروبية واليابانية.
يجادل المضاربون على ارتفاع السندات بأن قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي في وقت سابق من هذا الشهر البدء في التخفيف من برنامج شراء الأصول الذي تبلغ قيمته 120 مليار دولار شهريا، الذي سيسلب من سوق الخزانة أكبر مشتر فيها، من غير المرجح أن يكون له تأثير دائم في عائدات سندات الخزانة، مشيرين إلى عدم وجود أي علاقة طويلة الأمد بين المعروض من السندات وسعرها.
قال ميجور، "قصة المعروض من السندات هي أنه سيتم إصدار مزيد من السندات. زيادة العرض تؤدي إلى وجهة نظر بديهية مفادها بأن العائد يجب أن يرتفع. لا أرى أي دليل تجريبي على حدوث ذلك. بصراحة، أجد أن هذا الرأي لا معنى له".
يشعر مستثمرون آخرون بالارتياح نسبيا بشأن انسحاب الاحتياطي الفيدرالي الوشيك لأنه يتزامن مع تقليص الخزانة الأمريكية - ومصدرو السندات الكبار الآخرون في جميع أنحاء العالم - حجم اقتراضها من المستويات التي وصلت إليها في ذروة الجائحة.
قالت إيزوبيل لي، رئيسة السندات العالمية في "إنسايت إنفستمنت"، "ليس من الواضح بالنسبة لي أن تقليص حجم الاقتراض سيعني بالضرورة زيادة كبيرة في العائدات، لأسباب ليس أقلها أن صافي المعروض في أماكن كثيرة لن يكون في الواقع أكبر مما كان عليه خلال العامين الماضيين على الرغم من حقيقة أن عمليات الشراء ستتوقف".