المستهلكون الألمان الحذرون يشعرون بوطأة التضخم

المستهلكون الألمان الحذرون يشعرون بوطأة التضخم
منطقة تجارية في وسط مدينة فرانكفورت.

في شارع التسوق الرئيس في فرانكفورت، تعمل شاشات عروض عيد الميلاد الأولى بجد لإغراء المارة. لكن المستهلكين الألمان، القلقين بشأن الارتفاع الأخير في معدل التضخم، يتوخون الحذر بشأن إنفاق أموالهم.
قالت ماريا، وهي إخصائية اجتماعية تبلغ من العمر 40 عاما، كانت قد أجلت شراء مجوهرات وإلكترونيات بسبب ارتفاع الأسعار: "لقد شعرت بذلك قليلا. لقد لاحظت عند التسوق مع أمي أن الذهب ارتفع من 1500 يورو إلى أكثر من 1700 يورو (للأونصة) في أسبوع واحد فقط".
وفقا للقياس بالمؤشر المنسق للأسعار الاستهلاكية، ارتفع التضخم في ألمانيا 4.6 في المائة في تشرين الأول (أكتوبر) مقارنة بالعام السابق - وهو أعلى مستوى له منذ ما بعد وقت قصير من إعادة توحيد البلاد قبل ثلاثة عقود. ومن المتوقع على نطاق واسع أن يتجاوز 5 في المائة بحلول كانون الأول (ديسمبر).
تعد الأسعار المتصاعدة موضوعا حساسا في بلد لا يزال نهج الناس فيه تجاه المال يخيم عليه شبح التضخم المفرط في عشرينيات وأربعينيات القرن الماضي، الذي قضى على معظم مدخرات الألمان.
تبرز هذه القضية في جدول أعمال الحكومة المقبلة - التي لا تزال قيد التشكيل بعد انتخابات أيلول (سبتمبر) الماضي - وسط انتقادات لسياسات البنك المركزي الأوروبي النقدية المتساهلة للغاية. قال كارستن برزيسكي، رئيس قسم الأبحاث الكلية في بنك آي إن جي: "إن ألمانيا بلد المدخرين والجدل حول التضخم مرتبط بالنقاش حول شعور الناس بأنهم يتعرضون للسرقة بسبب أسعار الفائدة السلبية. بعض أجزاء البلاد تشك في أن البنك المركزي الأوروبي يريد فقط حماية بلدان جنوب أوروبا المثقلة بالديون وليس البحث عن مصالحها".
بحسب لين، وهي معلمة في مدرسة ابتدائية تبلغ من العمر 33 عاما، في الأغلب ما تتم مناقشة ارتفاع تكلفة الإيجار والطاقة بين الزملاء في مدرستها. قالت: "أحاول التسوق الآن بحذر أكبر"، مضيفة أن ارتفاع تكاليف المعيشة "يجب أن يكون مشكلة بالنسبة للحكومة المقبلة". ألمانيا ليست وحدها في مواجهة التضخم المتصاعد، الذي بلغ أعلى مستوياته في 13 عاما عند 4.1 في المائة عبر منطقة اليورو الأوسع. الأسعار ترتفع بشكل أسرع أيضا حتى في الولايات المتحدة، حيث ارتفعت 6.3 في المائة في تشرين الأول (أكتوبر) مقارنة بالشهر نفسه في العام الماضي، وهي أكبر قفزة في ثلاثة عقود. فبمجرد بدء تطعيم الناس ضد كوفيد - 19 ورفع حالات الإغلاق، انتعش النشاط الاستهلاكي والتجاري وكافحت إمدادات كثير من السلع - من أشباه الموصلات إلى الغاز الطبيعي - لمواكبة الطلب، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار. انتعاش أسعار الطاقة يشكل عاملا رئيسا وراء ارتفاع التضخم. لكن اختناقات الإمداد العالمي تعني أيضا عدم وجود أجزاء كافية - مثل أشباه الموصلات - لإنتاج جميع السلع التي يرغب الناس في شرائها. وقد أدى هذا إلى ارتفاع أسعار المنتجين في المصانع الألمانية 18.4 في المائة في العام المنتهي في تشرين الأول (أكتوبر) - وهو أعلى ارتفاع له منذ عام 1951.
خير مثال على ذلك، الطريقة التي أدى بها النقص في السيارات الجديدة إلى ارتفاع أسعار السيارات القديمة. ففي ألمانيا، ارتفعت أسعار السيارات المستعملة في المتوسط 3666 يورو، أو 18 في المائة، في العام الماضي إلى مستوى قياسي بلغ 24502 يورو في تشرين الأول (أكتوبر)، وفقا لموقع AutoScout24، وهو موقع مبيعات بارز.
صحيفة "بيلد"، الشعبية الأكثر مبيعا في البلاد، حذرت الأسبوع الماضي من أن "الأسعار ترتفع بشكل كبير، وقوتنا الشرائية تتلاشى". اقترحت على القراء الاستثمار في العقارات، أو الأسهم، أو المعادن النفيسة لحماية أموالهم من "السيدة تضخم" - في إشارة إلى كريستين لاجارد، رئيسة البنك المركزي الأوروبي.
تعرضت سياسات البنك المركزي الأخيرة فيما يتعلق بأسعار الفائدة السلبية وشراء كميات هائلة من الديون الحكومية لانتقادات منذ فترة طويلة وتخضع لتحديات قانونية في ألمانيا، حيث حذر المعارضون من أنها تنطوي على خطر إحداث تضخم جامح. والآن مع ارتفاع الأسعار، تتزايد تلك الانتقادات. كتب أوتمار إيسينج، وهو اقتصادي ألماني ومدير تنفيذي السابق للبنك المركزي الأوروبي، في صحيفة "فرانكفورتر ألجماينه تسايتونج" الأسبوع الماضي، أن البنك "يعرض نفسه لمخاطر عالية" بافتراضه أن التضخم سينخفض العام المقبل وأنه سيكون قادرا على مواصلة شراء السندات والحفاظ على أسعار الفائدة منخفضة، على افتراض أن الموظفين سيقبلون ببساطة خسائر الأجور الحقيقية المرتبطة بالتضخم".
لقد كانت هذه الإحباطات عاملا وراء قرار ينس فيدمان الأخير التنحي عن منصب رئيس البنك المركزي الألماني "بوندسبانك" في نهاية كانون الأول (ديسمبر) المقبل، قبل ستة أعوام من انتهاء فترة رئاسته، وحذر موظفيه "بألا يغفلوا عن أخطار التضخم المحتمل". يحتفظ كثير من الألمان بمدخراتهم في ودائع بنكية، حيث لا تدفع لهم أي فائدة تقريبا وتفرض البنوك عليها رسوما بشكل متزايد. وقد أدت الجائحة إلى إبراز هذا الاتجاه فقط: زادت ودائع الأسر الألمانية 214 مليار يورو إلى أكثر من 2.6 تريليون يورو منذ بدء الأزمة في آذار (مارس) 2020.
لكن اقتصاديين يقولون: إن تفسيرا مهما للقلق الألماني بشأن ارتفاع الأسعار ينبع من نهجهم المحافظ تجاه المال، ما يجعلهم أكثر حساسية لتآكل قوتهم الشرائية.
يستثمر نحو 15 في المائة فقط من الألمان بشكل مباشر في سوق الأوراق المالية، مقارنة بنحو 55 في المائة في الولايات المتحدة و33 في المائة في المملكة المتحدة. إضافة إلى ذلك، فإن أقل من نصف الأسر الألمانية تمتلك منازلها - مقارنة بثلثي الأسر في المملكة المتحدة أو الولايات المتحدة وثمانية من كل 10 في إيطاليا. فبينما كانت أسعار الأصول ترتفع، فاتت الفرصة على كثير من الألمان.
السكان الذين يشيخون في البلاد، حيث ارتفع عدد الأشخاص الذين يبلغون من العمر 80 عاما أو أكثر 4.5 في المائة إلى 5.9 مليون العام الماضي، معرضون أيضا للتأثير المدمر للتضخم على المدخرات والمعاشات التقاعدية.
لكن هناك كثيرا من العوامل التي تشير إلى أن التضخم الألماني سيتلاشى العام المقبل. الأول هو أن الانتعاش في الأسعار من التخفيض المؤقت في ضريبة المبيعات في العام الماضي سيزول من بيانات التضخم بحلول كانون الثاني (يناير). وقد يكون للقيود التي تم الإعلان عنها الأسبوع الماضي لاحتواء الارتفاع القياسي في حالات الإصابة بفيروس كورونا تأثير إيجابي على إنفاق المستهلكين والأسعار. وبالفعل انخفضت مبيعات التجزئة الألمانية 2.5 في المائة في أيلول (سبتمبر) عما كانت عليه آب (أغسطس).
علاوة على ذلك، ارتفعت الأجور المتفاوض عليها 1.5 في المائة فقط في الأشهر الستة الأولى من هذا العام مقارنة بالعام السابق. قالت إيزابيل شنابل، وهي خبيرة اقتصادية ألمانية في مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي، الأسبوع الماضي: "إننا لا نرى أي ضغط واسع النطاق للأجور يمكن أن يؤدي إلى دوامة غير مرغوب فيها في الأجور والأسعار".
بل توقع يورج كرامر، كبير الاقتصاديين في كومرتس بنك، ارتفاع الأجور الألمانية 2.5 في المائة العام المقبل، مشيرا إلى التزام الأحزاب السياسية التي تتفاوض لتشكيل حكومة جديدة في برلين، برفع الحد الأدنى للأجور بمقدار الربع إلى 12 يورو في الساعة. قال: "سيؤدي هذا أيضا إلى إجبار كثير من الشركات على رفع أجور الأشخاص القريبة من الحد الأدنى للأجور".
إذا ظل التضخم مرتفعا، سيشتد الجدل السياسي الألماني على الأرجح، كما حذر فولكر ويلاند، وهو أستاذ في جامعة جوته في فرانكفورت ومستشار للحكومة: "إذا مررنا بعام آخر من التضخم 5 في المائة، فسيصبح بالتأكيد موضوع جدل على الساحة السياسية، وسيكون من الصعب على الحكومة (...) عدم التصرف إزاءه".

الأكثر قراءة