سوق سندات الخزانة الأمريكية مكان خطر لنسج الأحلام

سوق سندات الخزانة الأمريكية مكان خطر لنسج الأحلام
كان ينظر إلى سوق السندات الحكومية الأمريكية على أنها فئة الأصول الأكثر سيولة وعمقا في العالم."رويترز"

منذ ما يقرب من عامين، ظل سؤال مخيف يطارد وزارة الخزانة الأمريكية والاحتياطي الفيدرالي. لا، السؤال هو ليس إذا ما كان بإمكان الاحتياطي الفيدرالي التخطيط لخروج سلس من التيسير الكمي، ولا ما إذا كانت هذه هي اللحظة المناسبة لتغيير محافظ البنك "والسياسة".
إن السؤال الذي أشير إليه هو ما إذا كانت سوق سندات الخزانة الأمريكية قوية بما يكفي لمعالجة الصدمات التي قد تنشأ عن المشكلتين الأوليتين الآنف ذكرهما. فعلى الرغم من أن سوق السندات الحكومية الأمريكية كان ينظر إليها على أنها فئة الأصول الأكثر سيولة وعمقا في العالم، إلا أن هذا الافتراض المريح قد تحطم في آذار (مارس) 2020.
وعلى وجه الخصوص، عندما استيقظ المستثمرون على وقع المخاطر الاقتصادية المرتبطة بجائحة كوفيد -19، حيث كان البيع هائلا في سندات الخزانة للدرجة التي أدت إلى إيقاف التداول. وقد شكل هذا بدوره تهديدات منهجية كبيرة لدرجة أنه أجبر الاحتياطي الفيدرالي على التدخل فيما وصفه جون ويليامز، رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، بمبالغ "مذهلة" من الدعم بالسيولة، الذي يصل إلى ما يقرب من تريليون دولار يوميا.
لكن لحسن الحظ، أن تدخل بنك الاحتياطي الفيدرالي منع حدوث انهيار كامل. ولكن، كما تشير ورقة بحثية صدرت الأسبوع الماضي عن هيئة تدعى "إنتر أيجنسي وركينغ جروب" حول مراقبة سوق الخزانة، فقد ظهر صدى أكثر اعتدالا لتلك الصدمة مرة أخرى في شباط (فبراير) الماضي. ويمكن أن يحدث بسهولة مرة أخرى قريبا. وبعد كل ما حدث، فإن التضخم يرتفع الآن بطريقة أدت إلى تزايد الدعوات التي تنادي برفع أسعار الفائدة في الولايات المتحدة.
ومع ذلك، يجري استدراج عديد من المستثمرين إلى "أرض الأحلام"، كما قال مؤسس شركة بيمكو بيل جروس لـ"الفاينانشيال تايمز" هذا الأسبوع، لأنهم يفترضون أن أسعار الفائدة طويلة الأجل ستظل منخفضة إلى ما لا نهاية. هذا أمر فيه غرابة، بالنظر إلى توقعات الأسعار والنمو، التي دفعت أسواق الأسهم إلى الأعلى. إذا لم يكن يعني أي شيء آخر، فإنه يشير إلى أن إعادة تسعير السندات قد فات موعد استحقاقها.
هذا يعيدنا إلى المشكلة الرئيسة التي تطارد الاحتياطي الفيدرالي، هل يمكن أن يحدث هذا التعديل دون حدوث تجميد آخر على غرار ما حصل 2020؟ هناك أخبار جيدة وسيئة بهذا الخصوص. فلنبدأ بالخبر الجيد: بعد 20 شهرا طويلا من الصدمة التي حلت بالسوق بسبب كوفيد -19، أصبحت السلطات المالية الآن تفهم المصدر.
يمكن تشبيه المشكلة الأساسية بشخص ما يريد إعادة بناء منزله بعد انتهاء عاصفة مدمرة، لكن ما يتوافر لديه يدعم فقط بناء نصف الأساسات. بشكل أكثر تحديدا، قبل عقد من الزمان، في أعقاب الأزمة المالية 2008، شدد المشرعون على قوانين رأس المال للبنوك بطريقة جعلت الاحتفاظ بكميات هائلة من سندات الخزانة في سجلاتهم أمرا مكلفا للغاية. حيث عززت هذه الخطوة نصف أسس النظام المالي - وقد جعلت البنوك أكثر أمانا - ولكن كانت لها عاقبة غير مقصودة دفعتها إلى الانسحاب من الأدوار التقليدية في صنع السوق.
وقد تزامن ذلك مع زيادة في "شركات التداول الرئيسية" (أو صناديق التداول عالية التردد)، التي انتقلت إلى قطاع سندات الخزانة بنماذجها المحوسبة وتمثل الآن 50 -60 في المائة من النشاط كما أشار إلى ذلك جاري جينسلر، رئيس مفوضية الأوراق المالية والبورصات.
لكن عندما تكون ظروف السوق هادئة، فستوجد شركات التداول الرئيسة أسسا سائلة قوية للتداول. لكن ليس لديهم في الأزمات أي حافز للعب دور صناع للسوق، ومن المرجح أن يهموا بالفرار، وكما تشير ورقة "آي أيه دبليو جي"، عندما قام بعض كبار حاملي سندات الخزانة - لاسيما المستثمرون الأجانب - بتقليص تعرضهم في آذار (مارس) 2020، فإنه ليس بإمكان أي شيء أن يمتص صدمة البيع.
لكن ما جعل الموقف ضارا بشكل مضاعف هو أن بعض صناديق التحوط قد أنشأت مراكز مشتقات ضخمة ومخفية. بعبارة أخرى، إن أسس النظام ذات التنظيم الخفيف خلقت تصدعات كبيرة، على الرغم من أن البنوك كانت آمنة آنذاك.
أما الخبر السيئ فهو أنه لا يوجد حل سهل أو سريع لهذه المشكلات - على الرغم من أن السلطات تتفهمها جيدا. وقد عقد بنك الاحتياطي الفيدرالي هذا الأسبوع مؤتمرا طرح فيه أفكارا لحماية السوق من الصدمات المستقبلية. على سبيل المثال، دعا جينسلر إلى وضع شركات التداول المزعجة تلك علنا داخل الشبكة التنظيمية لهيئة الأوراق المالية والبورصات. كما اقترح أن تتم تصفية سندات الخزانة باستخدام منصة مركزية.
وفي الوقت نفسه، دعا مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي إلى مزيد من الشفافية وطالب المصرفيون في "وول ستريت" - وهو أمر غير مفاجئ - بالتراجع عن قوانين رأس المال.
تبدو بعض هذه الأفكار منطقية. أنا شخصيا سأكون حذرة من أي تخفيف واسع النطاق لإصلاحات ما بعد الأزمة. ولكن سيكون من المفيد إذا تم تعديل القوانين لمساعدة الوسطاء على العمل كصناع سوق في قطاع سندات الخزانة. في الواقع، هذا بالضبط ما قام به بنك الاحتياطي الفيدرالي مؤقتا في 2020. وسيكون من المنطقي أكثر إدخال مزيد من الرقابة على شركات التداول الرئيسة، من خلال دار للمقاصة أو التدقيق التنظيمي "أو كليهما معا".
ومع ذلك، كما هي الحال في الأغلب في واشنطن، فإنه سيكون في غاية السذاجة أن يتوقع تنفيذ مجموعة معقولة تماما من الحلول بسرعة. لقد كان من الواضح أن الشروخ الهيكلية كانت تظهر في سوق سندات الخزانة منذ أن ضرب ما يسمى بالانهيار السريع - أو التجميد - القطاع، لفترة وجيزة، في 2015، إيذانا بـ2020. ومنذ ذلك الحين، قام بنك الاحتياطي الفيدرالي بعمل إصلاحات صغيرة. لكن الأمر استغرق ستة أعوام كاملة للبدء في نقاش جاد حول السياسة. وقد يستغرق الأمر وقتا طويلا مرة أخرى لإجراء تغييرات هيكلية كبيرة فعلا.
ينبغي للمستثمرين استخلاص درسين من هذا كله. أولا، يتعين عليهم الانتباه إلى الشخص الذي سيحل محل راندال كوارلز كرئيس للرقابة المالية في الاحتياطي الفيدرالي، نظرا إلى أن هذه المشكلات ستقع جزئيا على عاتقه "وذلك جنبا إلى جنب مع لجنة الأوراق المالية والبورصات النشطة حديثا". ثانيا، عندما تستيقظ الأسواق من أحلامها وتعيد تسعير سندات الخزانة، فإن هناك فرصة كبيرة لأن نشهد هزة سيئة أخرى للأسواق.
بالطبع، ما لم يستمر الاحتياطي الفيدرالي في العمل كصانع سوق من خلال تقديم الدعم بمبلغ تريليون دولار في اليوم كملاذ أخير. وهذه بالطبع ليست الطريقة التي من المفترض أن يعمل بها تمويل السوق الحرة.

الأكثر قراءة