لا تنخدع بخرافة النمو السكاني السريع .. البشر يتناقصون

لا تنخدع بخرافة النمو السكاني السريع .. البشر يتناقصون

إذا كنت في قمة المناخ "كوب 26" الأسبوع الماضي، ربما تكون قد شاهدت بالونا ضخما على شكل طفل "رغم ضخامته إلا أنه لطيف جدا"، يرتدي قميصا يحمل شعار "عائلات أصغر، كوكب أكثر برودة"، يطوف حول قمة المناخ الدولية.
مجموعة الحملات "بوبيوليشن ماترز" ثبتت البالون لتسليط الضوء على ما تعده مشكلة زيادة سكانية متفاقمة. اذهب إلى موقع المجموعة ويمكنك رؤية الأرقام. يبلغ عدد سكان العالم اليوم نحو 7.7 مليار نسمة. تقول المجموعة "ما زلنا نضيف 80 مليونا كل عام ونتجه إلى عشرة مليارات بحلول منتصف القرن".
مخيف أليس كذلك؟ ربما يكون هذا أيضا مجرد هراء. من أغرب الأشياء في الجدل السكاني ذلك الإصرار المستمر على أننا يجب أن نقلق بشأن الزيادة السريعة في عدد السكان، حتى عندما يشير تحقق سريع من الأرقام إلى العكس تماما: أحد أكبر التحديات التي تواجه البشرية قريبا قد يكون انخفاض عدد السكان.
خفضت الأمم المتحدة بشكل طفيف توقعاتها لذروة عدد السكان - إلى 10.9 مليار بحلول 2100 - وتشير بالفعل إلى أن عدد سكان العالم ينمو بوتيرة أبطأ من أي وقت مضى منذ 1950 نتيجة الانخفاض السريع في معدل الخصوبة.
تقول الأمم المتحدة "إن كثيرا من الدول تراجع الآن إلى معدلات الإحلال أو أقل منها، لدرجة أن أغلبية النمو السكاني من الآن فصاعدا ستتركز في تسع دول فقط".
قد تتساءل عندما تلقي نظرة على قائمة تلك الدول التسع. من المفترض أن تكون الهند أحد المحركات الرئيسة للنمو، لكن معدل الخصوبة في الهند انخفض بالفعل إلى 2.179. هذا بالكاد يتجاوز معدل الإحلال "البالغ 2.1". أشارت دراسة نشرتها مجلة "لانسيت" العام الماضي إلى أن عدد سكان العالم سيصل في الواقع إلى ذروته عند 9.7 مليار في ستينيات هذا القرن، وسيكون أقل كثيرا من تسعة مليارات بحلول 2100.
وكل هذا مهم. إذا كانت التوقعات السكانية غير دقيقة بنسبة 10 إلى 20 في المائة، فإن معظم التوقعات طويلة الأجل الأخرى تكون كذلك.
لكن الأسوأ من ذلك، نحن نستعد للمستقبل الخطأ - مستقبل مليء بعدد قليل جدا من الناس، وليس عددا كثيرا. مستقبل يكون فيه مثل هذا النمو السكاني، كما نراه، ليس مدفوعا بأشخاص جدد يولدون بل بكبار سن لم يموتوا.
هناك رأي مفاده أن انخفاض عدد السكان - والشيخوخة - يؤديان إلى الانكماش. يقال إنك تستطيع رؤية هذا بوضوح في اليابان، حيث يبدو أن الانكماش فرض سيطرته على الاقتصاد بشكل لا رجعة فيه. هذا منطقي نوعا ما. في النهاية، كبار السن كلما تقدموا في العمر انخفض إجمالي الطلب وانخفض معدل التضخم.
لكن هذا ليس صحيحا. أول شيء هو أن التضخم المنخفض في اليابان ليس بالضرورة نتيجة شيخوخة السكان - قد يكون نتيجة الاتجاهات الكلية نفسها التي أدت إلى انخفاض التضخم في كل مكان آخر خلال العقود القليلة الماضية "العولمة واليد العاملة الرخيصة". أيضا ليس من الواضح إذا ما كان الطلب الكلي ينخفض مع تقدم الناس في العمر.
قد لا يشتري الأشخاص الذين تجاوزوا الثمانينيات كثيرا أشياء مثل السيارات الجديدة، لكن حاجتهم كبيرة إلى الرعاية الطبية "التي تمولها الدولة غالبا" والتنقل والأجهزة الأخرى والعمالة. يتوقع داريل بريكر، مؤلف كتاب "الكوكب الفارغ" Empty Planet، أن يزيد عدد سكان العالم الذين تزيد أعمارهم على 80 عاما 148 في المائة في 50 عاما، لكن عدد السكان العاملين سيرتفع 2 في المائة فقط. إذا حدث ذلك، فهل سترتفع الأسعار "خاصة تكلفة العمالة" أم ستنخفض؟
فكر في نقص العمالة اليوم والارتفاعات الحادة للأجور والدوافع التضخمية المدفوعة بالعرض على أنها جزء من أشياء قادمة، حسبما يقول بريكر. قد تتلاشى هذه النوبة، لكن مع انخفاض عدد السكان في سن العمل فعليا في بعض الدول، فإن الاتجاه طويل الأجل لن يتلاشى.
مع وضع ذلك في الحسبان، يجب أن ننتقل إلى التضخم السائد اليوم. في المملكة المتحدة، يبلغ تضخم مؤشر الأسعار الاستهلاكية 3.1 في المائة. في ألمانيا 4.5 في المائة، وفي الولايات المتحدة يرتفع بأسرع وتيرة منذ 30 عاما - 6.2 في المائة، أما في الصين، فقد بلغ معدل تضخم السلع عند مغادرتها المصانع 13.5 في المائة - أعلى مستوى في 26 عاما. بعض من هذا التضخم سينتهي به المطاف في الأسعار الاستهلاكية.
ربما لا تزال البنوك المركزية تخبرنا أن هذا "مؤقت" (هذا مفهوم لا معنى له بشكل متزايد)، لكن يبدو أن المستثمرين يعرفون أفضل. دفعتهم أسعار الفائدة المنخفضة، لفترة من الوقت، إلى الدخول في عالم العقارات والبنية التحتية والأسهم. لكن الارتفاع الحاد في التضخم - ما يعني أن الفائدة الحقيقية أقل من أي وقت مضى - أعطى هذا التحول دفعة جديدة.
انظر إلى عمليات الإطلاق وجمع الأموال في قطاع صناديق الاستثمار أخيرا وسترى ما أعنيه. تم جمع 6.3 مليار جنيه استرليني في النصف الأول من هذا العام مع توجيه كثير من هذا المبلغ إلى ما سماه إيان ساير، من رابطة شركات الاستثمار "بدائل مدرة للدخل مثل أصول الطاقة المتجددة والبنية التحتية". لا شيء يبين "مخاوف التضخم" مثل التدافع على الدخل.
الخبر السار للمستثمرين في صناديق الاستثمار هو أنك لست مضطرا إلى المخاطرة بأشياء جديدة مبالغ فيها "قد تكون هناك فقاعة تتكون في مصادر الطاقة المتجددة، مثلا" للحصول على دخل جيد. يوجد 23 صندوق أسهم في المملكة المتحدة تدر 4 في المائة أو أكثر.
يقول محللون في شركة ستيفل "إن معظمها تعرض بعض الانكشاف للأسواق الخارجية بدلا من المملكة المتحدة فقط - على الرغم من أن المملكة المتحدة وحدها لا بأس بها - وكثير منها لديها سجلات ممتازة طويلة الأجل لتحقيق نمو سنوي في الأرباح".

الأكثر قراءة