البنوك المركزية الصغيرة تفرض تحركات أسواق السندات العالمية

البنوك المركزية الصغيرة تفرض تحركات أسواق السندات العالمية
تقلبات السياسة النقدية في المملكة المتحدة وكندا وأستراليا من المرجح أن تخضع إلى تدقيق غير عادي.

عندما أثار بنك إنجلترا مفاجأة الأسبوع الماضي بإبقاء أسعار الفائدة معلقة، سرعان ما تجاوز تأثير ذلك السندات الحكومية البريطانية.
الارتفاع الذي أعقب ذلك في سوق السندات الحكومية البريطانية، بسبب تخلص المتداولون من رهاناتهم على ارتفاع أسعار الفائدة في المملكة المتحدة، قد يؤدي إلى تراجع عائدات سندات منطقة اليورو وسندات الخزانة الأمريكية بشكل حاد.
هذا الحدث يوضح كيف وجدت مجموعة من البنوك المركزية الصغيرة - أبرزها بنك إنجلترا، بل بنك كندا وبنك الاحتياطي الأسترالي - نفسها أخيرا في وضع غير عادي يتمثل في فرض التحركات عبر أكبر أسواق السندات في العالم.
قال ريتشارد ماكجواير، خبير استراتيجي في أسعار الفائدة في "رابوبانك"، "رأينا الآن في عدد من المناسبات أن هذه البنوك المركزية التي عادة ما تكون على هامش الأسواق العالمية كانت في مقعد القيادة. بالتأكيد الوضع مثل الذيل الذي يهز الكلب، أي أن هذه البنوك الصغيرة تتحكم بأكبر أسواق السندات في العالم".
يعزو بعض المستثمرين هذا النمط غير المعتاد إلى التباين الملحوظ بين تحول الاحتياطي الفيدرالي السلس نحو تقليل مشتريات الأصول أو الحمائية المستمرة للبنك المركزي الأوروبي، ومجموعة من قرارات الكبح الصاخبة تصدر من البنوك المركزية الأصغر.
كان بنك إنجلترا بطل الرواية الأساس، الذي هز أسواق السندات البريطانية والعالمية عندما ألمح لأول مرة في أيلول (سبتمبر) إلى أن أسعار الفائدة قد ترتفع هذا العام، ما أدى إلى زيادة التوقعات بالتشديد السريع مع سلسلة من التعليقات العامة من قبل صناع السياسة، قبل أن يحطمهم الأسبوع الماضي بترك أسعار الفائدة معلقة. في الشهر الماضي، تسبب بنك الاحتياطي الأسترالي في إحداث ضجة خاصة به من خلال السماح لعوائد السندات بتجاوز هدفه طويل الأمد، بينما أثار بنك كندا الجدل من خلال التخلي فجأة عن برنامج شراء السندات.
مع ذلك، فإن مشهد اتخاذ القرار من قبل هذه البنوك المركزية الصغيرة نسبيا، أثار بعض الحيرة. كما قال أحد مديري المحافظ الاستثمارية في الولايات المتحدة، "عدم رفع بنك إنجلترا أسعار الفائدة (...) بقدر ما يبدو غريب، كان حافزا كبيرا لارتفاع سندات الخزانة. عندما أقول "غريب" لا أقصد إهانة أصدقائنا البريطانيين. لكن ياصاح، أنت لست مهم إلى تلك الدرجة. لماذا تقود سوقنا؟"
تكمن الإجابة، جزئيا، في التحدي المشترك الذي يواجهه محافظو البنوك المركزية في جميع أنحاء العالم، كيفية الاستجابة للطفرة السريعة في التضخم دون المبالغة في رد الفعل بطريقة تخنق الانتعاش الاقتصادي. نظرا إلى أن السياسة النقدية في جميع أنحاء العالم المتقدم تحركت طوال أعوام بخطا ثابتة إلى حد كبير، يتطلع مراقبو البنك الاحتياطي الفيدرالي والبنك المركزي الأوروبي إلى البنوك المركزية الأصغر - والأكثر ذكاء في كثير من الأحيان - للحصول على أدلة حول كيفية استجابة الوحوش الكبيرة للمعضلة.
قال أندريا إينيلي، مدير الاستثمار في "فيديليتي إنترناشونال"، "كانت البنوك المركزية متوافقة لفترة طويلة لدرجة أن الناس لا يستطيعون تخيل أي شيء آخر. أي بنك لا يتوافق معها لا ينظر إليه على أنه غريب، بل كطائر كناري في منجم الفحم".
يجادل إينيلي بأن بعض هذه "القراءة الاستنتاجية" من بنك إنجلترا إلى البنوك المركزية الأخرى قد تفاقم بسبب تحديد مراكز المستثمرين. يرجع ذلك إلى أن المستثمرين الذين ارتكبوا خطأ بسبب التحركات في المملكة المتحدة استخدموا سندات الخزانة بديلة للسندات الحكومية البريطانية عندما اندفعوا للخروج من المراكز الخاسرة. قال، "قد لا تكون قادرا على فعل ذلك بالحجم الذي تحتاج إليه في سوق السندات الحكومية البريطانية، لذا فإنك تشتري السندات، وتشتري سندات الخزانة، وتشتري كل ما تستطيع".
الطبيعة العالمية لسوق السندات الحكومية، حيث يجري المستثمرون بانتظام تقييمات نسبية للعوائد المعروضة في الاقتصادات المختلفة، تعني أن التحركات في أحد الأسواق تميل إلى الارتداد إلى سوق أخرى.
قال توم جراف، رئيس قسم الدخل الثابت في "براون" الاستشارية، "إذا كانت أسعار الفائدة سترتفع في دول أخرى، وكان بإمكان بعض هؤلاء المستثمرين العالميين البقاء في بلدانهم والحصول على عائد، فسيكون ذلك مهما للسوق الأمريكية".
لكن دور تحديد مراكز المستثمرين أو القيمة النسبية محدود بسبب عدم التوافق في حجم الاقتصادات وأسواق السندات المعنية. تظهر أرقام صندوق النقد الدولي، مع وجود أقل قليلا من تريليوني جنيه استرليني من السندات الحكومية البريطانية المستحقة، فإن قيمة سوق السندات الحكومية البريطانية تزيد قليلا على عشر قيمة سوق سندات الخزانة. أسواق السندات في أستراليا وكندا حجمها أصغر من ذلك بكثير.
بدلا من ذلك، الأدلة التي قدمتها التحولات في هذه الأسواق حول الخطوات التالية المحتملة للبنوك المركزية الكبرى - وبصورة أساسية بنك الاحتياطي الفيدرالي - هي التي أعطتها أهمية كبيرة.
قال مارك كابانا، رئيس استراتيجية أسعار الفائدة الأمريكية في بنك أوف أمريكا، "كانت سوق أسعار الفائدة مدفوعة باتصالات السياسة النقدية العالمية. كان لبنك إنجلترا على وجه الخصوص تأثير كبير في سوق أسعار الفائدة الأمريكية لأن العوامل التي تدفع إلى التضخم ذات طبيعة عالمية إلى حد ما. وإذا تراجعت البنوك المركزية، فسيكون لذلك آثار عالمية بطبيعتها".
في الوقت الحالي، يعني ذلك أن تقلبات السياسة النقدية في المملكة المتحدة وكندا وأستراليا من المرجح أن تخضع إلى تدقيق غير عادي. قالت سيما شاه، خبيرة استراتيجية في الاستثمار مقرها لندن وتعمل في شركة "برينسيبال جلوبال إنفستورز" لإدارة الأصول الأمريكية، إنها تلقت أخيرا سلسلة من المكالمات من زملائها الأمريكيين. قالت شاه، "أراد الناس فجأة معرفة دور استجابة بنك إنجلترا. ولكن لا يزال هناك عدم تصديق كامن. كانوا يكافحون من أجل الاعتراف بأن كل هذا كان من الممكن أن يبدأ مع بنك إنجلترا".

الأكثر قراءة