مرتزقة مجموعة فاغنر الروسية يخلفون الرعب والدمار في إفريقيا
عندما وصل المقاتلون الروس الذين تغطي أجسادهم الوشوم إلى ألينداو، وهي بلدة جنوبي إفريقيا الوسطى، هرب المتمردون – وابتهج السكان.
قالت فاطمة (32 عاما): "كانوا بيضا. وكبارا جدا. بدوا شديدي الغرابة، كان لديهم وشوم في كل مكان في أجسادهم – أفاعي، جماجم، رؤوس بشرية".
لكن سرعان ما بدأت القصص تنتشر من القرى المجاورة – عن النهب والتعذيب، والقتل والاغتصاب. ثم في يوم من الأيام في الشهر الماضي أخذوا شقيق فاطمة من منزلهما. وفي اليوم التالي، أخذوها هي لمعسكر جيش قريب، حيث تقول إن ثلاثة منهم اغتصبوها حتى فقدت الوعي.
قالت: "لقد كانوا مخيفين جدا – كنا جميعا خائفين جدا. كنا نعتقد أنهم أتوا هنا لإعادة السلام لبلدنا. الآن أتمنى أنهم لم يأتوا أبدا".
ينتمي المرتزقة الذين هاجموا ألينداو إلى شبكة شركات مرتبطة بالكرملين تعرف باسم مجموعة فاغنر، ساعدت الرئيس فوستين أرشانج تواديرا، على صد المتمردين وأنقذت حكومته، وفقا لمصادر أمنية وإنسانية ودبلوماسية ومعارضة في إفريقيا الوسطى.
تتهم الولايات المتحدة إيفجيني بريجوزين، وهو متعهد تجهيز أطعمة معروف بأنه "طاهي" الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بتمويل مجموعة فاغنر – وهي اتهامات طالما نفاها. تقول المصادر إن المجموعة لديها ما يقارب ثلاثة آلاف مقاتل مسلح في البلاد. وتقول روسيا إن لديها ما يقارب 1100 مدرب عسكري غير مسلح في إفريقيا الوسطى، في إطار اتفاق وقعته موسكو مع بانغي في 2018.
منح هذا الانتشار روسيا موطئ قدم في المنطقة، مستغلة كرها واسع النطاق للقوة الاستعمارية السابقة، فرنسا. لكنه أيضا أثار مزاعم عن انتهاكات لحقوق الإنسان في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. وقد قدمت الصلات غير الرسمية مع مجموعة فاغنر لموسكو إمكانية إنكار معقول، وفقا لبعض المحللين.
بتاريخ طويل من عدم الاستقرار، والانقلابات، والتمرد المسلح، تعد إفريقيا الوسطى بالنسبة لمجموعة فاغنر، كما وصفها دبلوماسي في بانغي "مختبرا مثاليا". قال الدبلوماسي هنا يمكنهم "إظهار ما يمكنهم فعله بهدف بيع خدماتهم للبلدان الأخرى" المتلهفة لإخماد حالات التمرد فيها.
يسمح انخراط مجموعة فاغنر أيضا لموسكو باستعادة بعض نفوذ حقبة الحرب الباردة الذي فقدته في إفريقيا أخيرا، كما يسمح لها بالوقوف في وجه الغرب بتكلفة سياسية ونقدية منخفضة، وفقا لخبراء يدرسون المجموعة.
خلال ذلك، استولى المرتزقة على مناطق تعدين الذهب والألماس، واستهدفوا الأقليات العرقية المسلمة والفولانية، ودخلوا في مناوشات متعددة مع أعضاء بعثة مينوسكا لحفظ السلام التابعة للأمم المتحدة التي يبلغ عدد أفرادها 15 ألفا.
قال مصدر أمني في بانغي: "لقد غيروا المعادلة بشكل كامل على أرض الوقع. بيئة العمل مناسبة جدا لهم، لا توجد دولة حقيقية والحكومة غير الفعالة كانت تبحث حقا عن مخرج ووجدته في هؤلاء المرتزقة".
في إجابات مكتوبة عن أسئلة أرسلتها "فاينانشيال تايمز" لشركة بريجوزين للتعهد الأطعمة حول عمليات مجموعة فاغنر في إفريقيا الوسطى، قال ألكسندر إيفانوف، رئيس اتحاد الضباط للأمن الدولي، لم تكن هناك "أعداد كبيرة من المرتزقة الروس" في إفريقيا الوسطى، مضيفا أن المدربين الروس - الذين يقول الكرملين إنه أرسلهم - لم يشاركوا في أي قتال أو نشاط تجاري.
الابتعاد عن فرنسا
وجدت مجموعة فاغنر عملاء راغبين بخدماتها في جميع أنحاء إفريقيا، من بينهم موزمبيق ومدغشقر، حيث اتهمتهم الأمم المتحدة باحتمال ارتكاب جرائم حرب.
قد يكون عميلها المقبل مالي، وهي مستعمرة فرنسية سابقة حيث اقترح المجلس العسكري الحاكم استخدام ألف من قوات مجموعة فاغنر شبه العسكرية بعد أن أعلنت باريس أنها ستخفض وجودها العسكري البالغ خمسة آلاف جندي لمحاربة تمرد جماعة متطرفة عكرت صفو منطقة الساحل.
يخشى المجلس العسكري المالي من أن يؤدي الانسحاب الفرنسي أو تقليص القوات إلى تفاقم حالة انعدام الأمن، ويبحث عن "شركاء آخرين". وتتردد هنا أصداء لتجربة إفريقيا الوسطى. حيث توجهت بانغي إلى روسيا عند ما سحبت فرنسا قواتها عقب مهمة دامت ثلاثة أعوام، لكنها فشلت في إخماد حرب أهلية دموية.
سمعة فرنسا في إفريقيا الوسطى – وفي المستعمرات السابقة الأخرى بما في ذلك مالي – سيئة جدا لدرجة أنه حتى أولئك الذين يدينون الوجود الروسي يرون بعض الأمل. قال جيرفيس لاكاسو، وهو فنان وناشط في بانغي: "أنا سعيد جدا أن النفوذ الفرنسي تقلص ويستمر في التضاؤل. (إنه) أحد أكبر الأمور التي تجعل (الرئيس) تواديرا شعبيا".
قوة خارج السيطرة
الوجود الروسي واضح في بانغي، حيث يتجول المقاتلون المسلحون مرتدين زيا عسكريا في شاحنات عسكرية مضادة للرصاص. ويساعد المقاتلون الروس في حماية الرئيس، الذي كان مستشاره الأمني منذ وقت طويل فاليري زخاروف، وهو ضابط مخابرات روسي سابق.
مع ذلك نفى رئيس الوزراء، هنري ماري دوندرا، وجود المرتزقة الروس. قال لـ"فاينانشيال تايمز": "لم نوقع عقدا مع شركات خاصة، لدينا عقد مع روسيا. لدينا اتفاقية تعاون ثنائي وهي واضحة جدا".
أضاف أنه حسب معرفته "لا توجد هناك أي قوات أخرى" عدا القوات الروسية أو التابعة للأمم المتحدة أو الرواندية في البلاد أيضا بموجب اتفاقية ثنائية.
قالت وزارة الخارجية الروسية إن مدربي موسكو يعملون في البلاد بشكل قانوني وساعدوا "جيش إفريقيا الوسطى على زياد ة قدرته القتالية بشكل كبير، ونتيجة لذلك ألحقت وحداتها خسائر كبيرة في صفوف مقاتلي مختلف الجماعات المسلحة غير الشرعية".
لكن سورتشا ماكلويد، وهي عضو في فريق العمل المعني بالمرتزقة في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، قالت إن الروس والأجانب المتحالفين معهم "متورطون في انتهاكات حقوق الإنسان، ومن المحتمل أن يكونوا متورطين في جرائم حرب".
وشدد دوندرا على أنه "عندما تحدث انتهاكات، وبمجرد إبلاغ الحكومة، نباشر بالتحقيق على الفور"، مشيرا إلى أن أغلبية الانتهاكات ترتكبها الجماعات المسلحة.
في الشهر الماضي، أصدرت حكومة إفريقيا الوسطى تقريرا أقرت فيه لأول مرة بأن المدربين الروس ارتكبوا انتهاكات لحقوق الإنسان. لكن وزارة الخارجية الروسية قالت إنه لم يتم إعلامها: "لو كان للتلميحات بشأن أعمالهم الوحشية أي أساس من الحقيقة، وكان السكان المحليون يحتجون بشكل نشط، لما كانت قيادة إفريقيا الوسطى لتصر على استمرار وجود المتخصصين من روسيا".
يجادل مسؤولون أجانب وشخصيات معارضة وأعضاء المجتمع المدني بأن الحكومة، بشكل أو آخر، في قبضة مجموعة فاغنر التي تعتمد عليها لأمنها واستمرارها في السلطة. قال مسؤول أجنبي في بانغي: "أعتقد أن (الحكومة) عقدت صفقة مع شخص ما والآن لا يعرفون كيفية التعامل مع الوضع. لا يمكنهم السيطرة عليهم".
من غير الواضح كيف يتم دفع رواتب المقاتلين الروس مقابل خدماتهم. حققت الشركات المرتبطة بمجموعة فاغنر، بما في ذلك مجموعة لوباي إنفيست الخاضعة لعقوبات أمريكية وغيرها، تقدما في قطاع التعدين في إفريقيا الوسطى. وتشير بعض شخصيات المعارضة والمسؤولين الأجانب إلى أن هذه إحدى الطرق التي تعوضهم بها الحكومة.
مع تقديم المانحين الدوليين، بقيادة الاتحاد الأوروبي والبنك الدولي، نحو نصف الميزانية السنوية للبلاد البالغة 400 مليون دولار، قال مسؤول أجنبي في بانغي: "لا يمكننا استبعاد أن أموال المانحين ستدفع لهم".
أضاف دبلوماسي آخر في بانغي: "بطريقة ما، يدفع (الاتحاد الأوروبي) والبنك الدولي للمرتزقة، وهو وضع محرج للغاية".
قال إيفانوف إن المدربين الروس "لا علاقة لهم بالسيطرة على استخراج الذهب والألماس". وقالت مجموعة باتريوت الإعلامية التابعة لبريجوزين إن "لوباي إنفست" عملت في إفريقيا الوسطى بشكل قانوني وإن المسؤولين الذين أشاروا إلى أن القوات الروسية تتلقى رواتبها من أموال المانحين الغربيين "يجب محاكمتهم بتهمة التشهير وطردهم من إفريقيا الوسطى".
لا وجود لقواعد
في 30 أيار (مايو)، سافرت دينيس براون، المسؤولة رقم اثنين في الأمم المتحدة في "مينوسكا"، إلى منطقة بالقرب من الحدود مع تشاد للتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان المزعومة من الجيش الوطني.
يشير تقرير عام للأمم المتحدة فقط إلى أن "أفراد الأمن المنتشرين على المستوى الثنائي وغيرهم من أفراد الأمن عرقلوا وصول وفد من الأمم المتحدة بقيادة" براون.
لكن أربعة مصادر مطلعة على الحادثة قالت إنه عندما هبطت طائرة هليكوبتر كانت تقل براون ووفدها، صوبت القوات شبه العسكرية الروسية بنادق AK-47 على المجموعة - في علامة على الإفلات من عواقب ما يفعلونه في إفريقيا الوسطى.
قال مسؤول أمني متمرس في بانغي: "هذا استعراض فوضوي. أنهم لا يخضعون للقواعد. الأمر مختلف اختلافا تاما عن أي مكان آخر".
أشار إيفانوف إلى أنه لم يكن على علم بالحادثة، لكنه ذكر أن براون أخفقت في إبلاغ وزارة دفاع إفريقيا الوسطى بسفرها "بسبب جهلها" بالأنظمة المحلية وأن "رحلتها غير المعتمدة كان من الممكن تفسيرها على أنها خطر حياة أو موت" من الأفراد على الميدان.
حذر عدد من الدبلوماسيين والعاملين في المجال الإنساني في بانغي من أنها مسألة وقت فقط قبل أن تتحول المناوشات بين الروس و"مينوسكا" إلى عنف حقيقي.
في الوقت نفسه، يتحمل المدنيون العبء الأكبر. في بي كيه 5، الجيب المسلم في بانغي، يسهل العثور على ضحايا الوحشية الروسية - يصل المزيد منهم كل يوم.
قال إمام يبلغ من العمر 66 عاما من بلدة التعدين، بريا: "لقد شهدنا جميع أنواع التمرد على مر السنين، من جميع الجماعات المسلحة، ثم جاء الروس وجعلوا الأمر أسوأ. إنها فوضى عارمة - لم يكن لدينا خيار سوى الفرار."
كان المرتزقة قد سرقوا مدخراته البالغة ستة ملايين فرنك (10500 دولار) وكانوا يسرقون أي شيء يمكنهم الحصول عليه: الملابس القديمة، وزجاجات المياه، والممتلكات المتنوعة لأفقر الناس على وجه الأرض. وتساءل: "ما حاجتهم إلى سراويلنا القديمة؟".
قال: "في المرة الأولى التي جاؤوا فيها، كنت سعيدا جدا، كنا جميعا كذلك - أخيرا ستنتهي معاناتنا من الجماعات المسلحة لأنهم هنا لمساعدة الحكومة وإنقاذنا. لكن في النهاية أدركنا (ما) كانوا يفعلونه (...) وهربنا للنجاة بحياتنا".