من غير المرجح أن تضغط البنوك المركزية على الكوابح قريبا
في أواخر الشهر الماضي أقدم البنك المركزي التركي على التخفيض رقم "1000" الذي يشهده سعر الفائدة على مستوى العالم منذ انهيار بنك ليمان براذرز. من المرجح أن تشكل الخطوة التركية المتوقعة، التي تسير عكس التيار، نهاية حقبة رائعة من السياسة النقدية السهلة، مع كون "التشديد الكمي" هو روح السوق الجديدة.
يقدر بنك أوف أمريكا، الذي سجل كل تلك التخفيضات في أسعار الفائدة بعد الأزمة، أن البنوك المركزية اشترت أيضا 23 تريليون دولار من الأوراق المالية خلال الفترة نفسها، من خلال مجموعة من برامج التسهيل الكمي. لكن محلليه يتوقعون الآن أن تتلاشى هذه "السيولة الضخمة" العام المقبل.
أصبح بنك كندا الأسبوع الماضي من البنوك المركزية الأولى التي خرجت عن الصف، حين أنهى بشكل غير متوقع مشترياته من السندات تماما وأشار إلى أنه سيرفع أسعار الفائدة في وقت أقرب مما كان متوقعا في 2022. كذلك أصبح البنك الاحتياطي الأسترالي متشددا بشكل مفاجئ. لكن الحدث الكبير سيأتي في وقت لاحق هذا الأسبوع، حيث من المتوقع أن يبدأ الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في تقليص مشترياته من السندات البالغة 120 مليار دولار شهريا. هل نشاهد حقا بداية حقبة جديدة للسياسة النقدية؟
يعتقد عديد من المحللين والمستثمرين ذلك. يجادل ماثيو هورنباخ، الرئيس العالمي للاستراتيجية الكلية لبنك مورجان ستانلي بأن "سياسات البنوك المركزية محمولة على قطار أحادي الاتجاه نحو أماكن إقامة أقل". في حالة كلاسيكية من التحريف اللفظي لمحلل الاستثمار، أطلق على نظام السوق الذي يلوح في الأفق "تي إن تي" TNT التي تعني "تناقص، تضخم، تشديد".
بعبارة أخرى، من المتوقع أن يقدم عدد كبير من البنوك المركزية الكبرى على تقليص مشترياتها من السندات، ومن ثم إنهائها، وفي نهاية المطاف تفكيكها. يعتقد بعضهم أن التضخم المتسارع سيجبر تلك البنوك على مزيد من تشديد السياسة النقدية ورفع أسعار الفائدة فعليا بشكل كبير. نظرا إلى مدى ضعف الأسواق المالية، فقد تكون النتيجة متفجرة كما يشير اختصار هورنباخ.
يبدو أن بعض المستثمرين يبتهجون بشأن هذا الاحتمال، مستشعرين فرص تداول ملحمية. فقد أخبر عملاق صناديق التحوط، بول تيودور جونز، شبكة سي إن بي سي أخيرا، أن التضخم "قد يكون أكبر تهديد للأسواق المالية بالتأكيد وأعتقد للمجتمع بشكل عام". ومن الواضح أن جاك دورسي، من تويتر، وجد هذا التعليق يقلل من واقع الحال، وهو يتوقع أن "التضخم المفرط" العالمي آت.
لاحظت سوق السندات ذلك. فبعد فترة طويلة من التفاؤل نسبيا بشأن مخاطر التضخم الأسرع والبنوك المركزية الأكثر تشددا، بيعت السندات الحكومية قصيرة الأجل - شريحة سوق الدخل الثابت الأكثر حساسية لتغيرات أسعار الفائدة - بكميات كبيرة هذا الخريف.
بالتأكيد، وجهة السفر واضحة. لقد قفز التضخم بالفعل إلى أعلى وظل مرتفعا لفترة أطول مما توقعه عديد من محافظي البنوك المركزية في وقت سابق من هذا العام. وهناك خطر يتمثل في أن تنتشر سلاسل التوريد المضطربة عبر الاقتصاد العالمي وتتسبب في ارتفاع التضخم بشكل غير مريح.
الأهم من ذلك، أن التعافي الاقتصادي من فيروس كورونا كان قويا بشكل رائع. لذلك من المنطقي أن تبدأ البنوك المركزية في تقليص الحوافز الطارئة، وفي بعض الحالات تبدأ في رفع أسعار الفائدة بحذر.
على الرغم من ذلك، يبدو السرد الحالي شديد الروعة بعض الشيء. كما لو أنه نشأ بشكل كامل من الأحلام المحمومة لمديري صناديق التحوط المحبطين منذ فترة طويلة، أو متفائلي العملات المشفرة الذين توقعوا خطا تضخما جامحا لأعوام. فلا تزال المخاوف من حدوث تضخم خطير ودائم، ومن إجراءات البنوك المركزية العنيفة، وكذلك الفوضى اللاحقة في الأسواق المالية سابقة لأوانها.
يبدو أن عنف عمليات بيع السندات قصيرة الأجل الأخيرة قد تفاقم بسبب اضطرار صناديق التحوط إلى تصفية التداولات. الجدير بالذكر أن السندات الحكومية طويلة الأجل لا تزال هادئة. يعكس ذلك وجهة النظر القائلة إن التضخم يتسارع، لكنه سيستقر في النهاية ويعود إلى المستويات المنخفضة التي شوهدت على مدى العقود القليلة الماضية.
في النهاية، من غير المرجح أن تعود جميع القوى التي هزمت التضخم منذ الثمانينيات - مثل العولمة والتكنولوجيا والتركيبة السكانية وأعباء الديون والقوة التفاوضية الضعيفة للعاملين - إلى سابق عهدها.
الرسالة العامة لسوق السندات هي أن الخطر الحقيقي يتمثل في فقدان البنوك المركزية لأعصابها والمبالغة في رد فعلها على شيء ليست لديها سيطرة تذكر عليه من الناحية العملية. لن تؤدي زيادة الأسعار لإصلاح الموانئ المزدحمة، والاختناقات اللوجستية، ونقص العمالة الانتقائي، أو نقص الاستثمار في البنية التحتية للطاقة. لكن القيام بذلك قبل الأوان قد يعرقل الانتعاش الاقتصادي.
إذا نحينا بعض الاستثناءات البارزة جانبا، يظل هذا الخطأ غير مرجح. البنوك المركزية الثلاثة المهمة في الواقع هي بنك الاحتياطي الفيدرالي والبنك المركزي الأوروبي وبنك اليابان. ومن غير المحتمل أن يضغط أحدها على الكوابح قريبا، حتى لو لم يبدأ التضخم في التراجع على الفور. إن نظاما نقديا جديدا يتشكل، لكن الحقيقة هي أنه من المحتمل أن يبدو بشكل غير مستغرب شبيها جدا بالنظام الأخير.