المستثمرون يختبرون عزم البنوك المركزية

المستثمرون يختبرون عزم البنوك المركزية

عادة ما تملي البنوك المركزية الأوامر على سوق السندات. لكن الآن، يكثف المستثمرون رهاناتهم على أن صانعي السياسة أخطأوا في فهم التضخم، ويجبرون بعضهم على تغيير المسار.
خلال معظم هذا العام، صدق المستثمرون شعار محافظي البنوك المركزية القائل بأنه لا توجد حاجة لرفع أسعار الفائدة لمكافحة انفجار التضخم "العابر". لكن ارتفاع أسعار الطاقة في الخريف والاستمرار المفاجئ لاختناقات العرض في الاقتصاد العالمي أديا إلى زيادة في الرهان على حدوث زيادات مبكرة في تكاليف الاقتراض.
يبدو أن بعض محافظي البنوك المركزية يتابعون الاتجاه الذي قادت إليه الأسواق. سمح البنك الاحتياطي الأسترالي الأسبوع الماضي بارتفاع عائد السندات الرئيسة لمدة ثلاثة أعوام إلى 0.85 في المائة، أعلى كثيرا من هدفه البالغ 0.1 في المائة، على ما يبدو استسلاما لضغوط هبوطيه شديدة على سعر الدين.
وأدى قرار بنك كندا المفاجئ بإلغاء برنامج التسهيل الكمي الخاص به الأسبوع الماضي إلى تفاقم انخفاض أسعار السندات التي كانت في حالة تراجع بالفعل. وأخذ المستثمرون المعركة إلى البنك المركزي الأوروبي، حاملين معهم رهاناتهم برفع أسعار الفائدة للعام المقبل، على الرغم من إصرار الرئيسة كريستين لاجارد على أن مثل هذه الخطوة لا تتماشى مع توجيهات البنك المركزي الأوروبي.
قال أندريا إنيلي، مدير الاستثمار في شركة فيديليتي إنترناشونال، "يختبر المستثمرون عزم البنوك المركزية على أن كل هذا مؤقت ويرغمونها على التصرف. هناك تحول كبير يجري على قدم وساق في السياسة النقدية."
على النقيض من ذلك، شجع بنك إنجلترا السوق، ما أدى إلى تراجع كبير في أسعار الديون الحكومية البريطانية قصيرة الأجل - وهو تراجع سرعان ما امتد إلى أسواق السندات الأخرى - عندما أشار في أيلول (سبتمبر) إلى أن رفع سعر الفائدة في 2021 أمر محتمل.
قال جورج سارافيلوس، الرئيس العالمي لأبحاث العملات في دويتشه بانك، "واحدا تلو آخر، تواجه اتصالات البنوك المركزية تحديا، وتفككها السوق بنجاح". شبه سارافيلوس الموجة الأخيرة من "الهجمات" على توجيهات البنوك المركزية بنهاية نظام بريتون وودز النقدي في أوائل السبعينيات.
ارتفعت تكاليف اقتراض السندات قصيرة الأجل في كل مكان. بلغت عائدات الولايات المتحدة لأجل عامين 0.55 في المائة الجمعة الماضية، وهي أعلى مستوياتها منذ ما قبل الوباء، وأعلى من 0.21 في المائة قبل شهر. كانت التحركات أكثر حدة في المملكة المتحدة وأستراليا وكندا، وتحولت أيضا إلى أعلى بشكل ملحوظ عبر منطقة اليورو.
زادت هزة السوق من المخاطر قبل اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأربعاء، حيث من المتوقع على نطاق واسع أن يعلن البنك المركزي الأكثر نفوذا في العالم بدء تخفيض مشترياته من السندات في عصر الوباء. لكن الاحتياطي الفيدرالي سيكون أيضا تحت الضغط للاستجابة لتسعير السوق، ما يشير إلى وجود فرصة 50 في المائة لرفع سعر الفائدة بحلول منتصف العام المقبل ـ في وقت أبكر مما أشار إليه معظم صانعي السياسة.
قال سارافيلوس، "فجوة مصداقية بنك الاحتياطي الفيدرالي كبيرة ومتنامية وتحتاج إلى معالجتها من قبل الرئيس جاي باول هذا الأسبوع".
في أسبوع محوري لاجتماعات البنوك المركزية، سيتعرض البنك الاحتياطي الأسترالي لضغوط للكشف الثلاثاء عما إذا كان ينوي بالفعل التخلي رسميا عن جزء رئيس من برنامج شراء السندات بعد تجاوز العائدات هدفه المحدد، ويتوقع المستثمرون أن يقوم بنك إنجلترا الخميس برفع أسعار الفائدة من أدنى مستوياتها القياسية.
من المرجح أن يولي المستثمرون العالميون اهتماما وثيقا بشكل غير عادي لهذه البنوك المركزية الأقل نفوذا، التي أرسلت موجات صدمة عبر أسواق السندات الأكبر في العالم في الأسابيع الأخيرة.
قال ريتشارد ماكجواير، محلل أسعار الفائدة في "رابوبانك"، "كانت معدلات أسعار الفائدة في منطقة اليورو والولايات المتحدة في مناسبات متعددة مدفوعة بالإجراءات المتوقعة من البنوك المركزية التي عادة ما تكون على الهامش. بشكل أساس يتطلع المشاركون في السوق إلى هذه البنوك المركزية الهامشية باعتبارها توفر مؤشرا رئيسا لما سيضطر بنك الاحتياطي الفيدرالي والبنك المركزي الأوروبي إلى القيام به بعد ذلك."
يقول بعض المستثمرين إن الأسواق قطعت شوطا طويلا في المراهنة على أن الاقتصادات الأكبر ستحذو حذوها. قال يانيلي، من فيديليتي، إنه يفكر في شراء السندات الألمانية، التي ينبغي أن تستفيد من مزيد من التراجع المقنع من البنك المركزي الأوروبي مقابل توقعات رفع سعر الفائدة في 2022.
يحجم آخرون عن التدخل بينما تظل الأسواق متقلبة للغاية. قال جيمس آثي، مدير محفظة السندات في "أبردين ستاندرد إنفستمنتس"، إن مسار أسعار الفائدة الذي تنطوي عليه الأسواق بالنسبة إلى اقتصادات مثل المملكة المتحدة وأستراليا من غير المرجح أن يتم إثباته من خلال الزيادات الفعلية في الأسعار. لكنه رجح أن تظل الأسواق متقلبة، بينما يضطر المستثمرون إلى التخلي عن رهاناتهم السابقة على بقاء أسعار الفائدة منخفضة.
قال، "لقد صدق كثير من الناس توجيهات البنوك المركزية بأن هذا التضخم عابر، والآن تم خداعهم. أنت تشهد انخفاض الأسعار هذا حيث يخرج الناس من مواقعهم بخسارة، ويمكن أن يستمر ذلك لفترة أطول".

الأكثر قراءة