رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


ضريبة الشركات وتقاسم الإيرادات

لا يمكن لأي حكومة أن تعمل دونما نظام ضريبي مصمم بشكل جيد وعادل، جيد من حيث ضمان تدفق مستدام من التدفقات النقدية الموزعة بشكل مناسب بين فترات الصرف على بنود الميزانية العامة، وعادل من حيث مناسبتها لحالة وقدرات وتنوع دافعي الضرائب، وبحسب استفادتهم من الخدمات الحكومية ومساحة العمل. كانت هناك أنواع مختلفة من الضرائب تسبب إرباكا للمالية العامة، حيث إن مواعيد استحقاق هذه الضرائب قد لا تتناسب مع أزمنة الصرف من البنود، ما يتسبب في عجز في السيولة، تضطر معه الحكومة إلى الاتجاه للاستدانة قصيرة الأجل لتغطية هذا العجز، وهذا يزيد من حجم المصروفات العامة، نظرا إلى تكلفة خدمة الدين، كما أن مشكلة العدالة الضريبية تظهر في أن الإمكانات لدى الشركات الكبرى التي تمكنها من التجنب الضريبي، وهو يعد مفهوما مختلفا عن التهرب الضريبي.
ففي تقرير نشرته "الاقتصادية" أخيرا بمناسبة اتفاق 139 دولة في العالم برعاية منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية على ضريبة الشركات الأجنبية عند 15 في المائة كحد أدنى، نجد أن من 2010 إلى 2019 دفعت شركة أمازون معدل ضرائب فعليا 13 في المائة، أي: أقل من متوسط الضرائب الذي تدفعه الممرضة في المملكة المتحدة، أما "أبل" فقد أودعت 250 مليار دولار في حسابات مصرفية خارج الولايات المتحدة، والعام الماضي دفعت 55 شركة من أكبر الشركات في العالم مثل فيديكس، صفر ضرائب. فهذه الشركات العملاقة، استطاعت تحقيق تجنب ضريبي يميزها عن الموظف البسيط ذي الدخل المحدود الذي يدفع نسبة أعلى، ورغم أن هذا التجنب، وفقا لأنظمة الضرائب مقبول وقانوني، لكنه قد لا يكون أخلاقيا، إذ إن هذه الشركات العملاقة تستفيد من الخدمات التي تقدمها الحكومات وتستفيد بشكل كبير من كل أدوات البنى التحتية، بل تتسبب في تسارع إهلاكها، ومع ذلك فإنها تسهم بقليل في مقابل هذه البنى والخدمات، وتسهم بالأقل في تمويل تحديث البنى التحية، وفي حال قامت الدول بالضغط على هذه الشركات العملاقة فإنها تستخدم ما أصبح يعرف بالملاذات الضريبية.
فالمشكلة في الأنظمة الضريبية هي تعريف دولة المقر التي يحق لها فرض الضريبة، فعديد من الشركات اليوم تعد عالمية وتمارس أنشطتها عبر الحدود بشكل واسع، ومع ذلك فإن قوة الدول على فرض الضريبة على هذه الشركات تواجه بما يعرف بدول المقر، ولتحقيق التجنب الضريبي تسعى هذه الدول إلى إثبات أن دولة المقر هي الدولة التي لا تفرض ضريبة أو أنها الدولة التي لديها أقل نسب ضريبية في العالم، مستغلة بذلك مفاهيم تعزيز الاستثمار الأجنبي لدى عديد من الدول التي تمنح مزايا ضريبية مختلفة.
وفي هذا القرن مع تنامي حركة التجارة الإلكترونية وظهور شركات التقنية العملاقة مثل "أمازون" و"فيسبوك" وغيرهما، التي تحقق أرباحا هائلة جدا، يصعب تحديد دول المقر، ما يمكنها من ممارسة الأعمال بصورة تجنبها الضرائب. وقد استشهد التقرير بدراسة حديثة قام بها فريق من الخبراء في جامعة مانهايم، بالشراكة مع مجموعة كوركتيف الألمانية، تؤكد أن التهرب الضريبي كلف الحكومات حول العالم ما يقدر بـ150 مليار يورو من الإيرادات المهدرة أو الضائعة أو المفقودة، عبر استغلال نقاط الضعف في القوانين، كما أن بعض الخبراء يشيرون إلى أنه أقل بكثير من الرقم الحقيقي الذي قدر أواخر 2020 بما لا يقل عن 427 مليار دولار سنويا نتيجة الانتهاكات الضريبية للشركات والأشخاص. وهذا التهرب في معظمه يأتي من شركات عملاقة وعالمية.
لقد كانت الشركات العالمية تستفيد من عدم قدرة حكومات العالم على الاتفاق بشأن هذا الموضوع، ذلك أن أي اتفاق حتما سيقود إلى فقدان دول لإيرادات ضريبية مهمة لمصلحة دول أخرى، فالدول التي تفرض ضريبة منخفضة على هذه الشركات تحقق منافع لا يمكن تجاهلها، من بينها نسب التوظيف، ونقل التكنولوجيا، والتدريب، إضافة إلى عوائد من الضريبة، بينما في حال رفعت سعر الضريبة إلى المعدلات العالمية وتخلت عن موقعها كملاذ ضريبي، فإن الشركات ستغادر إلى دول أخرى، ولهذا فإن الوصول إلى اتفاق عالمي كان يمثل تحديا كبيرا لأعوام طويلة، لكن يبدو أنه تحقق أخيرا مع اتفاق 193 دولة في العالم على الحد الأدنى للضريبة عند 15 في المائة، لكن مع ذلك بقيت صعوبات من شأنها تعطيل هذا المشروع الضخم، وأهمها نسب الضريبة نفسها، فهناك دول تعد الحد الأدنى للضريبة البالغ 15 في المائة عاليا جدا، ويمكن أن يضر بالنشاط الاقتصادي، وهناك دول أخرى ترى آليات تحديد الشركات التي تعد عالمية من هذا النوع الذي يجب فرض حد أدنى عليها غير منصفة، ولقد سعت الدول للاتفاق على تحديد 100 شركة في الوقت الراهن، وهنا يكمن معظم الخلاف.
وفي مقام آخر، فإن الاتفاق يعمل على إلغاء مفهوم دول المقر والتركيز على مفهوم نشأة الإيراد، حيث تستطيع الدول تقاسم الإيرادات، لكن إنجاز مثل هذا الاتفاق عمليا يعد تحديا لا شك فيه، خاصة مع تنوع كبير في التدريب وآليات القياس، وهذا الوضع يشبه إلى حد ما تنازع الدول على مكامن النفط والمناجم، وهذه التحديات لم تمنع الدول من التوقيع على الاتفاقية رغم أن منح فرصة للتطبيق قد تتجاوز عدة أعوام.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي