تحديث الاقتصاد الأوروبي .. مقامرة تبدأ أولى فصولها في إسبانيا
كان الأمر كما لو أن الأحداث أخذت مجراها العكسي. في آذار (مارس)، قام بيدرو سانشيز، رئيس الوزراء الإسباني، والملك فيليب السادس بزيارة شركة سيات لصناعة السيارات، في منطقة قريبة من برشلونة، لإظهار دعمهما لمشروع السيارات الكهربائية الذي تأمل البلاد أن يطور صناعة السيارات الحيوية ويحافظ عليها.
المشروع هو نموذج عرض لخطط إسبانيا لإنفاق 70 مليار يورو من المنح من صندوق الاتحاد الأوروبي للتعافي من آثار جائحة فيروس كورونا. بدت الزيارة وكأنها حفل افتتاح. لكن بعد أربعة أشهر، أصدرت الحكومة موافقة رسمية على المشروع. حتى الآن لم يتم إصدار القواعد الخاصة بالاتحاد الذي يقف خلفه. لن تبدأ المناقصة حتى نهاية هذا العام ولن يتم صرف الأموال إلا في 2022.
إسبانيا في عجلة من أمرها لإنفاق الأموال، لكن حالات التأخير في مشروع السيارات الكهربائية – وعدم الوضوح بشأن قواعده – هي إحدى علامات استفهام عديدة حول ما يقول سانشيز إنه برنامج التحول الاقتصادي "الأكثر طموحا" في تاريخ البلاد الحديث وأكبر فرصة منذ انضمامها للمجتمع الأوروبي قبل 35 عاما.
تعد الخطة الإسبانية أيضا اختبارا حقيقيا لبرنامج التعافي الشامل للاتحاد الأوروبي الذي تبلغ قيمته 800 مليار يورو – مقامرة لتحديث الاقتصاد الأوروبي وتعميق التكامل الذي ربما يمثل تنفيذه أكبر تحد تواجهه الكتلة الآن.
تقول الحكومة الإسبانية إن خطتها الوطنية، التي تتضمن 110 استثمارات و102 عملية إصلاح، ستوجد 800 ألف وظيفة خلال الأعوام الثلاثة المقبلة من خلال الإنفاق على التكنولوجيا الخضراء والتحول الرقمي والتعليم والتدريب.
تقول ماريا خيسوس مونتيرو، وزيرة المالية الإسبانية، "من الضروري أن نتلقى هذه المبالغ في هذه اللحظة". مضيفة أن البلاد لا تزال تتأقلم مع "آثار الدوار" الناشئ عن الانكماش الوحشي الذي بلغت نسبته 11 في المائة في الناتج المحلي الإجمالي في 2020.
لكنها تضيف، "بالنسبة لنا الأموال الأوروبية مساعدة ضرورية ليس فقط لتسريع التعافي الاقتصادي... بل لتحقيق برنامج التحول. اتفقنا مع أوروبا على أن هذه الموارد ستسمح لنا بإجراء التغييرات".
من الناحية النظرية، الفوائد الكبيرة ستأتي على المدى الأطول وتتوقف على الإصلاحات الاقتصادية أكثر من الاستثمار. الإصلاحات في مجالات مثل أسواق العمل والضرائب والمعاشات التقاعدية قد تعزز الاقتصاد بـ8 - 10 في المائة على مدى 20 عاما، وفقا لتقديرات تقريبية من قبل الحكومة الإسبانية والمفوضية الأوروبية.
هناك كثير على المحك بالنسبة للاتحاد الأوروبي أيضا. تعد خطة إسبانيا ثاني أكبر خطة في الاتحاد الأوروبي بعد إيطاليا، قيمتها 140 مليار يورو، تتضمن 70 مليار يورو في شكل قروض من المتوقع أن تطلبها مدريد في مرحلة ما خلال العامين المقبلين.
إذا كان ينظر إلى صندوق التعافي الذي تبلغ قيمته 800 مليار يورو – يتم تمويله من خلال إصدار ديون مشتركة للاتحاد الأوروبي – على أنه نموذج ناجح، فقد يمهد ذلك الطريق لمنطقة يورو أكثر تكاملا واستقرارا، مع تسهيل دائم للاقتراض في أوقات الأزمات، كما يمهد إلى اتحاد مصرفي. أما إذا فشل، قد يتوقف تقدم الاتحاد الأوروبي إلى الأمام بشكل نهائي. حالة إسبانيا تمثل اختبارا حاسما.
يحذر بعض النقاد بالفعل من أن البلاد قد تكون على وشك أن تفقد فرصتها التاريخية بسبب خطط الإنفاق المسيسة والإصلاحات الشكلية. يتهمون إسبانيا باستخدام الأموال لدفع التعافي بشكل سريع قبل الانتخابات المقررة في 2023 بدلا من تمويل الإصلاحات التي طال انتظارها لزيادة الإنتاجية.
ماريانو راخوي، رئيس الوزراء الأسبق، من يمين الوسط، قال الشهر الماضي، "نحن بحاجة إلى خطة إصلاح، وبدلا من ذلك نرى خطة لمكافحة الإصلاح".
مانويل دي لا روشا، المستشار الاقتصادي الرئيس لسانشيز، الذي أشرف على تقديم الخطة لبروكسل، يقول، "نحن نحاول الموازنة بين خطط الاستثمار طويلة الأجل والتحول الاقتصادي مع مقومات الحياة الأساسية في الوقت الحاضر. لا يمكننا الانتظار لأعوام عديدة لإنفاق الأموال، لأن الناس بحاجة إلى الوظائف الآن".
على الرغم من أن معظم الموارد لن تبدأ بالوصول إلى المستفيدين حتى العام المقبل، إلا أنه تم تحديد أولويات الإنفاق الرئيسة بالفعل. تشمل ثلاثة مليارات يورو من الأموال العامة لمبادرة السيارات الكهربائية، وبرنامجا قيمته سبعة مليارات يورو لزيادة كفاءة الطاقة في المباني، و3.5 مليار يورو لمساعدة ما يصل إلى مليون شركة صغيرة ومتوسطة الحجم لتعمل عبر الإنترنت.
تقول ناديه كالفينيو، نائبة رئيس الوزراء لشؤون الاقتصاد، "يجري طرح المناقصات وهي تسير على الطريق الصحيح. تقييمي هو أننا أحرزنا تقدما هائلا عندما يفكر المرء أنه (فقط) في تموز (يوليو) من العام الماضي وافق زعماء (الاتحاد الأوروبي) على وضع الخطة... من حيث الجداول الزمنية التاريخية هذا أمر رائع حقا".
تجادل بأن الهدف الأساسي للخطة هو "إجراء عملية تحديث تحولية" تعزز النمو وتزيد من مرونته على المدى المتوسط والطويل، مضيفة أن تنفيذ البرنامج "سيصل إلى السرعة القصوى العام المقبل".
لكن على عكس إيطاليا، حيث توصلت حكومة الوحدة الوطنية إلى إجماع حول خططها، الجدل السياسي الحزبي المفرط في إسبانيا يعني عدم وجود اتفاق وطني بشأن استخدام الأموال.
يجادل بابلو كاسادو، زعيم حزب الشعب اليميني الوسطي الرئيس، بأن سيطرة رئيس الوزراء على الموارد يمكن أن تؤدي إلى "المحسوبية (...) التي تنتهي بالفساد". في مقابلة له مع "فايننشيال تايمز" في وقت سابق هذا العام، قال، "تقترح الشركات مشاريع غير مربحة – والحكومة تقول أعطونا مشاريع حتى نتمكن من تبرير التمويل الأوروبي (...) هذا تصرف غير مسؤول".
ستنفق مناطق البلاد نحو 22 مليار يورو من المنح التي تبلغ قيمتها 70 مليار يورو، لكن خافيير فرنانديز لاسكويتي، سياسي في حزب الشعب وكبير المسؤولين الاقتصاديين لمنطقة مدريد التي تضم 6.6 مليون نسمة، يشكو من أنه مقيد حتى في أصغر البرامج.
فيما يتعلق بمدريد، هذه الأموال تتضمن مليوني يورو كانت قد خصصتها الحكومة المركزية للإنفاق على مشروع يجعل المدينة مركزا للصناعات السمعية والبصرية، و600 ألف يورو يتم إنفاقها على التحول البيئي والرقمي لنظام الزراعة وصيد الأسماك في المنطقة غير الساحلية.
لكن بينما يشتكي النقاد من أن مخصصات الصندوق قد وضعت تحت السيطرة المباشرة للحكومة مع مشاركة ضعيفة من قبل أحزاب المعارضة أو الحكومات الإقليمية الـ17 في إسبانيا، تؤكد كل من الحكومة والمفوضية على خضوع المخصصات لضوابط خارجية صارمة.
يدرك المسؤولون الإسبان الاستياء الذي خلفه في اليونان "الرجال ذوو البدلات السوداء" – مسؤولو الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي الذين أشرفوا على برنامج التقشف في أثينا في أعقاب الأزمة المالية. يقولون إنهم قاوموا الضغوط من بروكسل التي تطالب بالإدارة التفصيلية لاستخدام الأموال. ويجادلون بأن الشروط التي يفرضها الاتحاد الأوروبي غير مسبوقة، فهي "تسلب الحكومات حقوقها"، على حد تعبير أحدهم.
بشكل عام، تضم الخطة 416 مرحلة وهدفا متفقا عليها مع بروكسل، ثلاثة أرباعها سيتم إنجازها خلال الفترة الممتدة حتى 2023. لكن الشرط الرئيس لاستمرار تدفق الأموال هو أن تحافظ إسبانيا على التزامها بتنفيذ الإصلاحات - خاصة في بعض أكثر أجزاء الاقتصاد حساسية.
كانت الخطة الإسبانية من بين أولى الخطط التي حصلت على موافقة رسمية من بروكسل. أشادت أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية، بالخطة باعتبارها "طموحة وبعيدة النظر". بينما يشعر المتشككون بالقلق من أن شروط برنامج الاتحاد الأوروبي - الذي يشمل منح 70 مليار يورو على شكل قروض في الفترة 2024 - 2026 بعد صرف مبلغ معادل من المنح في الأعوام الثلاثة الأولى – ستكون أضعف من المتوقع.
تراقب الدول الشمالية في الاتحاد الأوروبي عن كثب، حيث حاولت في بداية الأمر تقليص حجم صندوق التعافي بحجة إهدار المنح سدى.
أدريان سكوت، الباحث البارز في المعهد الهولندي للعلاقات الدولية والمستشار السابق للحكومة الهولندية، يرى أن خطة إسبانيا لا يمكن مقارنتها بخطة إيطاليا في عهد رئيس الوزراء ماريو دراجي.
يقول، "قبل عقد من الزمان، أثارت إسبانيا إعجاب الجميع من خلال الطريقة التي تمت بها إعادة هيكلة مصارفها. لكن ذلك كان قبل عقد من الزمن وقبل وقوع الأزمة. تحرز إيطاليا الآن تقدما في ظل حكومة دراجي، وخطة الإصلاح الوطنية واقعية أكثر عندما يتعلق الأمر بمراحل تنفيذها".
زولت دارفاس، من مركز بروجيل الفكري في بروكسل، يقول إن إسبانيا لن تتلقى المدفوعات من أموال الاتحاد الأوروبي إلا إذا استوفت معايير إصلاح سوق العمل، ونظام المعاشات التقاعدية والقيام بالإصلاحات الأخرى التي تم الاتفاق عليها بالتعاون مع المفوضية.
يضيف، "ما سيحسم هذا الأمر حقا هو النظر في تفاصيل الإصلاحات والاستثمارات لمعرفة ما إذا كانت تقوم بما يفترض أن تقوم به حقا أم أنها تحقق الأهداف المرحلية للمشروع فقط". يتابع، "تقييم مدى التحول الذي سيكون عليه الأمر أصعب من عملية تحديد ما إذا كان يحقق الأهداف المرحلية".
قد تواجه إسبانيا خطر ارتفاع تكاليف الاقتراض العام المقبل إذا أدرك المستثمرون أن الحكومة أحرزت تقدما طفيفا في الإصلاحات وتعاني تقليل عجزها العام في الوقت الذي يبدأ فيه البنك المركزي الأوروبي في تقليص مشترياته من سندات حكومات منطقة اليورو. حدوث مثل هذا السيناريو القاسي هو "الكابوس الأسوأ"، كما قال أحد كبار الشخصيات الإسبانية لـ"فاينانشيال تايمز".
يقول هذا الشخص، "هذا هو الخطر الكبير الذي تواجهه البلاد. أما إذا سارت الأمور بشكل سيئ، قد يكون الخطر كبيرا ليس فقط على إسبانيا، بل على المشروع الأوروبي أيضا".
تم تأجيل التعامل مع أحد التحديات الكبيرة بالفعل إلى العام المقبل. مع ارتفاع الدين الحكومي من 95 إلى 120 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي خلال الأزمة، ستتخذ إسبانيا تدابير فقط لوضع الأموال العامة على أسس أكثر استدامة بعد أن أعدت مجموعة من الخبراء تقريرا حول هذه المسألة لن ينشر قبل شباط (فبراير) المقبل.
لكن المفوضية طالبت بإحراز تقدم في الإصلاحين الآخرين الرئيسين بحلول نهاية هذا العام – وهما نظام المعاشات التقاعدية وقوانين العمل، مع ملاحظة أن التغييرات التي التزمت بها الحكومة حتى الآن، مثل فهرسة المعاشات التقاعدية "من شأنها زيادة الإنفاق على المعاشات التقاعدية في المدى المتوسط إلى البعيد ما لم يتم تعويض تأثيرهما بشكل كاف".
توني رولدان، النائب السابق عن حزب الوسط الذي يعمل الآن في كلية إساد لإدارة الأعمال، يقول، "تقدم الحكومة الحلويات قبل السبانخ. لقد أخطأت في ترتيب أولويات الإصلاحات".
يرد الائتلاف اليساري على ذلك بأنه يسعى إلى الاتفاق مع كل من رجال الأعمال، والنقابات، والأحزاب السياسية الأخرى من أجل زيادة سن التقاعد الفعلي من خلال الحوافز، وكذلك من أجل إجراء تعديلات على كيفية احتساب المعاشات التقاعدية النهائية.
يقول مونتيرو، "كانت المعاشات طوق نجاة لكثير من العائلات أثناء الجائحة"، مضيفا، "أي تغيير ينبغي أن يكون نتيجة توافق شامل في الآراء، لأنه من غير الممكن أن نعمل بسياسة المعاشات التقاعدية ثم تتغير بتغير الدورة السياسية، يجب أن تستمر هذه السياسة لعقد أو عقدين من الزمن كي تكون ذات مصداقية".
لا يزال الأمر الأكثر صعوبة هو أكبر عيب هيكلي في الاقتصاد الإسباني، سوق العمل المختلة التي ابتليت بمعدلات بطالة مرتفعة، ولا سيما بين الشباب، ونظام من مستويين يعمل فيه أكثر من خمس القوة العاملة في حالة من عدم الاستقرار بسبب العقود المؤقتة.
الحكومة ملتزمة بالتراجع عن إصلاحات 2012 التي أقرتها الإدارة المحافظة السابقة، التي خففت بعض تدابير الحماية للأشخاص العاملين بعقود دائمة. لكن النقاد الذين يجادلون بأن إصلاحات 2012 ساعدت إسبانيا على التعافي من الأزمة المالية عن طريق خفض تكاليف الأجور، يقولون أيضا إن مثل هذه الخطوة ستجعل أسواق العمل في البلاد غير مرنة بشكل أكبر وليس بشكل أقل.
تتسبب هذه القضية في شرخ عميق داخل الحكومة، مجموعة بوديموس اليسارية المتطرفة، المشاركة في تحالف سانشيز، تصعد الدعوات للإلغاء الشامل للتشريع الصادر 2012، ما يضعها في مواجهة الاشتراكيين المنتمين لحزب رئيس الوزراء، الذين يفضلون إقرار تغييرات أكثر تواضعا.
تقول كالفينيو، "يجب أن نحقق إصلاحا متوازنا يشجع على إيجاد فرص العمل ويعمل أيضا على تحسين نوعية تلك الوظائف". تضيف، "نحن بحاجة إلى إضفاء الطابع الأوروبي على سوق العمل الإسبانية، لتوفير المرونة، لكن أيضا لتتوقف الانتهاكات وعدم استقرار العقود، التي فاقمت من عدم المساواة في إسبانيا منذ اندلاع الأزمة المالية".
تؤكد كالفينيو، مثل الوزراء الآخرين، على إمكانية التغيير في جوانب أخرى من خطة التعافي، مثل تدريب 43 في المائة من الشعب الذين يفتقرون إلى المهارات الرقمية الأساسية، وإنفاق 4.5 مليار يورو على الطاقة المتجددة، وربما الأهم من ذلك كله، تجديد أنظمة التعليم والتدريب التي كان مستوى أدائها متدنيا منذ عقود.
يقول مونتيرو، "النظام التعليمي بالنسبة لنا يعد إحدى المسائل المهمة التي يتعين علينا أن نعمل عليها من أجل المستقبل، وكذلك كل شيء له علاقة بالتدريب".
إن مدى الطموحات في هذه الخطة بالغ الأهمية، على الرغم من أن الجدول الزمني لكل من الإنفاق والإصلاحات قد تم اختزاله في مدة قصيرة لبضعة أعوام. ستظهر الأشهر المقبلة كثيرا لتقرير ما إذا كانت ستتغير إسبانيا حقا، وتصبح عاملا لتعزيز أوروبا، أم أنها ستكون فرصة مهدورة بدلا من ذلك.
قال بابلو هيرنانديز دي كوس، محافظ البنك المركزي الإسباني، "ستكون الأموال مهمة للغاية، لكن التحدي الأكبر لهذا البرنامج هو إحداث التغيير في البلاد".