القيادة خلال الجائحة .. الحفاظ على «إم إس سي» للرحلات السياحية في عباب البحر
كانت سفينة إم إس سي ماغنيفيكا المكونة من 1259 كبينة العائدة لشركة إم إس سي للرحلات البحرية أحد آخر الأماكن على وجه الأرض، حيث تواصل الناس معا بمجموعات كبيرة قبل أن يغلق كوفيد - 19 العالم.
فقد أعلنت خطوط الرحلات البحرية التوقف على مستوى الصناعة كاملة في 13 آذار (مارس) من عام 2020، لكن كان يجب على سفينة ماغنيفيكا أن تعود من سيدني إلى أوروبا. حيث رست في مارسيليا في 20 نيسان (أبريل) من العام الماضي عقب ستة أسابيع في البحر، لم تتمكن خلالها من الرسو في أي ميناء نتيجة لإغلاق الموانئ في وجهة السفن السياحية عقب تفشي فيروس كورونا على متن عدد من السفن.
ويقول بيير فرانشيسكو فاجو، وهو الرئيس التنفيذي لشركة إم إس سي للرحلات البحرية، إن رؤية سفينة ماغنيفيكا تصل للميناء بعد أن تم اختصار خط سير رحلتها كانت لحظة الشروق الأخيرة وسط الأيام المظلمة.
يقول، عبر مكالمة في منصة زووم من طاولة غرفة الاجتماعات في مكتبه المكسو بألواح خشبية في جنيف: "كانت لحظة للابتسام لأن جميع المسافرين على متن السفينة كانوا قادرين في تلك المرحلة على رؤية العالم والمدن وهي فارغة، وحظر تجول في كل مكان، والمدن الخالية ... كان لدينا آخر بيئة اجتماعية حيث كان الناس لا يزالون يرقصون ويشربون ويستمتعون بالموسيقى. لم يكن أحد يريد أن يغادر السفينة".
بدأ فاجو عمله في شركة والده للشحن في ميلانو. وتولى منصب المدير التنفيذي ولاحقا رئيس مجلس الإدارة لشركة إم إس سي عام 2003، نفس العام الذي تزوج فيه من أليكسا، وهي أبنة مؤسس شركة إم إس سي غيانلويغي أبونتي، التي كانت صديقة طفولة. لكن الأشهر حول ربيع عام 2020 كانت من بين أكبر التحديات القيادية التي واجهته في حياته المهنية.
كانت المهمة الأولى هي إعادة الضيوف من 203 بلدان و18 ألف فرد من الطاقم. كانت مكالمات الأزمة التي تجري مرتين يوميا، والتي تُعقد عبر رابط فيديو، تستمر بشكل منتظم لعدة ساعات. وصفها أحد المديرين التنفيذيين في شركة إم إس سي بأنها "لا نهاية لها. لم تتوقف قط". يقول فاجو: "عملت كمدير الأوركسترا لتنسيق حالة الطوارئ. لقد كانت الأمور كارثية من نواح عديدة لأنه كان هناك عديد من البلدان التي لا تسمح لحاملي جوازات سفرها ومواطنيها بالعودة إليها بأمان عن طريق الجو".
كان لا بد من نقل الركاب لبلدانهم على متن رحلات جوية عبر وجهات بعيدة. أمضت عائلة من جنوب إفريقيا يومين في مطار فرانكفورت حيث حاولت شركة إم إس سي تأمين مقاعد لها على متن طائرة. كانت الشركة تجري تفقدات صباحية ومسائية على الأسماء لمعرفة عدد الركاب والموظفين الذين ما زالوا ينتظرون المرور الآمن. وفي بعض الحالات، استأجرت الشركة رحلات جوية خاصة أو عملت مع الفنادق لإنشاء غرف الحجر الصحي. يقول فاجو إنه بفضل دعم شركة البحر المتوسط للشحن وهي الشركة الأم لشركة الرحلات البحرية، فإن الإنفاق على هذا الجهد "لم يكن مشكلة".
وقد ساعده أن زوجته أليكسا كانت جالسة مقابله على المكتب وتدير قسم اللوجستيات في شركة إم إس سي. يقول إنهما يشدان من عزيمة بعضهما البعض.
ما كان أكثر صعوبة هو تحفيز فريقه المرهق. يقول: "كان (علي) إبقاء العزيمة. بدأت الإدارة العليا بعدم الذعر لكنها كانت تحت ضغط شديد وفي جميع الكليات والدراسات والجامعات التي التحقنا بها جميعا، لم يتم اختبارنا أبدا بحالة طوارئ كهذه".
ووجد أن أحد الأساليب هو تحليل التحدي لأجزاء دقيقة. كان توجيه كل مدير عبر التفاصيل الدقيقة لكل مهمة يوميا يساعد على إبقاء الجميع مركزا، كما يقول فاجو. كان عليهم التفكير "باللحظة، خطوة بخطوة".
كانت صناعة الرحلات البحرية، التي ولدت 72 مليار دولار من الإنفاق المباشر في عام 2019، إحدى أولى الصناعات التي أغلقتها الجائحة وبدأت الآن فقط بالتعافي. لم تمخر بعض السفن عباب البحر منذ ما يقارب العامين.
على عكس الشركتين المنافستين المدرجتين في البورصة شركة كرنفال وشركة رويال كاريبيان، استفادت إم إس سي من كونها شركة عائلية خاصة لديها قسم للشحن والعبّارات إلى جانب عمليات الرحلات البحرية. أوقفت صناعة الرحلات البحرية جميع سفنها ووضعتها في "وضع الانتظار"، كما تسمي الصناعة عملية التجميد. لكن الطلب على التسوق عبر الإنترنت خلال عمليات الإغلاق ارتفع بشكل حاد، وانطلقت أعمال الشحن لشركة إم إس سي.
قام هذا القسم بتمويل خط الرحلات البحرية الذي، مع توقف أسطولها المكون من 17 سفينة، كان يحرق 50 مليون يورو شهريا. حيث تحركت شركة كرنفال بسرعة للموافقة على الدعم من أسواق السندات بأسعار كوبون ضخمة، تقول شركة إم إس سي إنها حصلت على تسهيل ائتماني متجدد بقيمة 600 مليون يورو واستفادت من 522.5 مليون يورو تم ضخها في الشركة من قبل قسم إم إس سي للشحن.
لقد أدرك أيضا أنه لإخراج شركته من الأزمة كان عليه أن "يفكر خارج الصندوق" لإيجاد حل يسمح باستئناف الرحلات البحرية. وقد سمح له نهج المال ليس مانعا بمتابعة حدسه عندما رأى مرسى سفينة ماغنيفكا: أن السفن السياحية يمكن أن تصبح "بيئة فقاعة معقمة"، كما يقول.
في تموز (يوليو) من عام 2020، أعلنت الشركة أنها جمعت فريقا من المختصين من مؤسسات الصحة العامة وخدمات الفنادق وشركات هندسة السفن لوضع خطة لإعادة خطوط الرحلات البحرية إلى البحر. كان بروتوكول الأمان لإعادة سفن شركة إم إس سي يصل إلى 700 صفحة وبلغت تكلفة تثبيت الإجراءات على متن السفن في البداية بين 0.5 مليون يورو و0.8 مليون يورو لكل رحلة بحرية.
آتى العمل ثماره. كانت شركة إم إس سي أول من أعاد إطلاق سفينة سياحية، هي سفينة إم إس سي غرانديوسا، في 20 آب (أغسطس). تم فحص جميع العملاء والطاقم باختبارات مضادة سريعة وتم تتبعهم على متن السفينة باستخدام سوار إلكتروني بحيث يمكن متابعة مخالطي أي حالة إيجابية. وتم تركيب تكنولوجيا الأشعة فوق البنفسجية UV-C على متن السفينة لتطهير الهواء وتم وضع 10 في المئة من الكبائن جانبا كمناطق عزل.
تقديرا لجهوده، تم تعيين فاجو رئيسا لمجلس إدارة الرابطة الدولية لخطوط الرحلات البحرية. لكنها كانت مجرد بداية النهاية: فبمجرد التوقيع على البروتوكول باعتباره آمنا، كان على السلطات السماح للسفن بالعودة إلى موانئها. يقدر فاجو أنه تحدث لمئات الحكومات والسلطات المحلية لإقناعهم بالفتح.
"في كل مرة أدركنا أنه يتعين علينا التحدث إلى سلطات الميناء ثم كان علينا تصعيد الأمر إلى سلطات المدينة، ثم أدركنا أنه يتعين علينا التصعيد للسلطات الإقليمية ...". وتستمر لائحته. كما أنه يواجه معركة شاقة لإقناع العملاء بالعودة للسفن السياحية وسط خطوات خاطئة من قبل الشركات المنافسة ووسائل الإعلام التي تنقض على أي إشارة لوجود إصابات على متن السفن.
اجتذب تفشي المرض على متن سفينة إم إس سي فيرتشوسا في أوائل أيلول (سبتمبر) عناوين الصحف في المملكة المتحدة، لكن فاجو يقول إنه دليل على نجاح البروتوكول. قالت شركة إم إس سي إن زيادات حالات كوفيد - 19 على متن السفينة كانت متماشية مع معدلات الحالات في المملكة المتحدة في ذلك الوقت وتم القضاء على الفيروس من خلال الاختبارات الصارمة والعزل.
إنه متحمس بشأن الحجوزات المستقبلية. وأشار إلى أن عدد الحجوزات التي تم إجراؤها في الربع الثالث من العام كان ضعف عدد الحجوزات في الربع الثاني، كما أن حجوزات الرحلات في شتاء هذا العام وصيف 2022 تقترب من مستويات ما قبل الأزمة.
ما يحركه هو الهدف المتمثل في الوصول إلى هدف الصناعة المتمثل في صافي انبعاثات صفرية بحلول عام 2050 – أو، يأمل، في وقت أبكر. تمثل صناعة الشحن ما يقرب من 3 في المئة من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري العالمية، وفقا للمنظمة البحرية الدولية. يشكل أسطول سفن الرحلات العابرة للمحيطات ما يقارب 1 في المئة من الشحن العالمي، لكن الدراسات في الأعوام الأخيرة وجدت أن سفن الرحلات البحرية تنبعث منها مستويات عالية من الغازات الضارة.
بدافع من هوس فاجو بنقل الأعمال إلى الأجيال القادمة، تجري شركة إم إم سي محادثات متقدمة مع شركات بناء السفن الأوروبية لتطوير أول سفينة عديمة التأثير في الصناعة باستخدام مزيج من الوقود المتجدد. لكن، يقول فاجو، إنه لا يمكنها العمل بمفردها.
"هذه المرة التحدي كبير للغاية بحيث يجب على الحكومات والصناعة العمل معا... إنه كل شيء، إنه أمر بالغ الأهمية. هذا ما أريده، هذا ما يريده أطفالي، هذا ما تريدونه، هذا ما يريده الجميع".
3 أسئلة لبييرفرانشيسكو فاجو
من بطلك في القيادة؟
غيانلويغي أبونتي، مؤسس شركة إم إس سي وحماي، هو بلا شك بطلي في الريادة وأعظم معلم. لقد بنى المجموعة التي أعمل فيها من الصفر وصعودا ولديه أخلاق عمل رائعة والتي دائما أطمح إلى اتباعها. إنه يعمل على مدار 365 يوما في العام، إضافة إلى أنه أول من يأتي وآخر من يخرج من المكتب مثل قطبان حقيقي.
ما أول درس تعلمته في القيادة؟
خلال ذروة الجائحة، تعلمت حقا أهمية الاتصال المباشر المتكرر مع أعضاء الفريق الأوسع. الفيديو جعل الأمر أسهل، حيث كنت أسافر عادة إلى أماكن لرؤية الناس لدينا والجلوس معهم. لطالما كان لدي تقدير للتواصل القوي لكن لم تعد الحال كذلك عندما انتشرت الجائحة، ويجب علينا جميعا العمل بشكل افتراضي. كانت التجربة تشبه إلى حد كبير أن تكون قبطانا لسفينة أو ربان يخت أعمل من كثب مع فريقي – طاقمي – لإخراجنا من هذه العاصفة.
ما الذي كنت ستقوم به لو لم تعمل في مجال الشحن؟
أنا من عائلة شاركت في مجال الشحن لأكثر من ثلاثة أجيال، لذلك بصراحة لست متأكدا مما يمكنني فعله غير ذلك. البحر هو حياتي ... أنا أعيشه وأتنفسه كل يوم.