أرباح "سيتي جروب" .. من أين جاءت؟!
كان إعلان "سيتي جروب" تحقيق أرباح بمثابة الماء البارد على قلوب المتابعين للوضع الاقتصادي العالمي، إذ إن ذلك يعد بمثابة إشارة إلى بلوغ الأزمة المالية أسوأ مراحلها، وبالتالي زيادة التوقعات الإيجابية بشأن الوضع الاقتصادي العالمي في المستقبل القريب. هذا بالطبع سينعكس بشكل إيجابي على إنفاق المستهلكين مما سيحفز النمو في مناطق الاستهلاك الكبير كالولايات المتحدة الأمريكية، إضافة إلى دوره الإيجابي في تخفيف المخاطر المتوقعة التي تسهم في زيادة تكاليف الاقتراض.
وقد أسهم إعلان "سيتي جروب" الذي جاء متوافقاً مع إعلان "جي بي مورجان" تحقيق أرباح هو الآخر في دعم الأسواق في مختلف أنحاء العالم، حيث أعلن "سيتي جروب" تحقيقه 1.6 مليار دولار من الأرباح الصافية لكنه حقق خسائر مقدارها 18 سنتا للسهم، وهي أقل من توقعات المستثمرين التي قدرتها بـ 34 سنتا لكل سهم. وبالطبع فإنه على الرغم من أن المجموعة حققت خسائر على مستوى السهم، إلا أن انخفاض تلك الخسائر عن توقعات المستثمرين يعد عاملاً إيجابياً أسهم في دفع ثقة المستثمرين إلى الأعلى ومن ثم ارتفاع أداء الأسواق العالمية.
لكن السؤال الذي يمكن أن يطرح الآن هو: كيف يمكن أن يحقق "سيتي جروب" أرباحاً صافية مقدارها 1.6 مليار دولار، وفي الوقت نفسه يحقق خسائر على مستوى السهم؟ أو بعبارة أخرى من أين جاءت تلك الأرباح في الوقت الذي يعاني فيه المصرف خسائر كبيرة جراء استثماره في المشتقات المالية. الإجابة عن هذا السؤال تعود بنا إلى الوراء قليلاً وبالتحديد في عام 2007 عندما تبنى المصرف طريقة محاسبية يسجل فيها الانخفاض في القيمة السوقية لديونه كأرباح محققة، لكن كيف يمكن تبرير ذلك؟ بحكم أن البنك يستطيع شراء تلك الديون مرة أخرى بأقل من قيمتها التي أصدرت بها فإنه يمكن له تحقيق أرباح في تلك الحالة. وعلى هذا الأساس يقوم البنك بتسجيل قيمة الانخفاض في قيمة ديونه للغير على أنه أرباح محققة في ذلك العام.
بالطبع كانت هذه الطريقة المحاسبية التي تبناها "سيتي جروب" بمثابة القشة التي يريد التمسك بها لإظهاره بوضع المتعافي، لكنها في الواقع لا تغير من وضع الحال شيئاً كثيراً. فالأرباح التي سجلها المصرف خلال الربع الأول من هذا العام جراء انخفاض قيمة الديون التي في محفظته للغير بلغت 2.5 مليار دولار، بينما حقق المصرف خسائر فعلية في الربع الأول من هذا العام قدرت بـ 966 مليون دولار، ما جعل صافي الأرباح المعلنة ينخفض إلى 1.6 مليار دولار. لكن هذه الأرباح ما هي إلا جزء من قيمة الانخفاض في الديون التي على البنك وقام البنك بتسجيلها كأرباح، على الرغم من عدم وجود ما يدل على أنه ينوي شراء هذه الديون مرة أخرى.
وهذه الأرباح (1.6 مليار دولار) لم تنعكس على ربحية السهم بالنسبة لحملة الأسهم لعدم إمكانية توزيع تلك الأرباح التي لا تعدو كونها انخفاضاً غير متوقع في التزامات المصرف. ولذلك، فإن المصرف أعلن عن خسائر بمعدل 18 سنتا لكل سهم هي نصيب كل سهم من الخسائر الفعلية المحققة المقدرة بـ 966 مليون دولار، وهو ما يفسر التناقض بين إعلان المصرف تحقيقه أرباحاً بمقدار 1.6 مليار دولار، وفي الوقت نفسه تحقيقه خسائر على مستوى السهم. لكن على الرغم من ذلك، فإن انخفاض مستوى الخسائر للسهم عن المتوقع البالغ 34 سنتا للسهم يعطي انطباعاً إيجابياً توجه البنك نحو تصحيح أوضاعه المالية بشكل أسرع مما هو متوقع، لكنه لا يزيل بالكامل القلق المتزايد من مخاطر إفلاس المصرف. إذ إن سندات مبادلة الديون Credit Default Swaps، التي تمثل تأميناً ضد مخاطر إفلاس شركة أو مصرف ما تعكس صورة سيئة عن وضع "سيتي جروب". فكلما زادت تكلفة تلك السندات دل ذلك على أن المؤمن أو مصدر السند يحمل صورة سيئة عن الشركة أو المصرف المصدر أو المؤمن عليه. وبالنسبة لـ "سيتي جروب"، فإن ارتفاع تكلفة سندات مبادلة الديون المتعلقة به من 193 إلى 557 دولارا يعكس انطباعاً سيئاً لدى الشركة المؤمنة، وبالتالي مخاطر متزايدة من الاستثمار في المصرف. وهذه الرؤية يمكن تأكيدها بالمقارنة بمصرف آخر كـ "جي بي مورجان" الذي يؤمن عليه بـ 174 دولارا فقط، وبالرجوع كذلك إلى الوراء قليلاً لنتذكر أن سعر سند مبادلة الديون على "ليمان براذرز" بلغ 322 دولارا قبل أسبوع فقط من انهياره.
لكن على الرغم من أن "سيتي جروب" حقق خسائر على مستوى السهم مقدارها 18 سنتا، فإن ذلك لا يعد مبرراً كافياً للتشاؤم حول مستقبل القطاع المصرفي بوجه عام. فـ "جي بي مورجان شيز" حقق أرباحاً فعلية تجاوزت ملياري دولار خلال الربع الأول من هذا العام. وعلى الرغم من انخفاضها عن أرباح الربع الأول من العام الماضي بما نسبته 12.5 في المائة، إلا أنها تجاوزت توقعات المحللين، ما سيكون له أثر إيجابي على التوقعات المستقبلية بشأن القطاع المالي في الولايات المتحدة الأمريكية. إضافة إلى ذلك، فإن إعلان بنك أوف أمريكا أخيرا عن تحقيق أرباح تجاوزت أربعة مليارات دولار أمريكي وبربحية للسهم مقدارها 44 سنتا للسهم مقارنة بـ 23 سنتا للسهم العام الماضي، يؤكد أن هناك اتجاهاً ذا منحى تصاعدي في القطاع المالي، ما سيساعد على تعزيز الثقة التي عانى فقدانها منذ انهيار "ليمان براذرز".