شتاء كئيب ينتظر البريطانيين .. نقص البضائع في موسم الأعياد بات مؤكدا

شتاء كئيب ينتظر البريطانيين .. نقص البضائع في موسم الأعياد بات مؤكدا
متسوق يقف أمام أرفف شبه فارغة في قسم اللحوم في أحد متاجر مدينة ليفربول في 20 أيلول (سبتمبر) الماضي. تصوير: فيل نوبل «رويترز»

بعض الأزمات يسبقها كثير من التحذيرات. قبل أكثر من ثلاثة أشهر من اندلاع المشاجرات في ساحات محطات الوقود البريطانية وصور أرفف محال السوبر ماركت الفارغة التي ملأت الصفحات الأولى من الصحف، التقى رؤساء الصناعة بوزراء الحكومة للتحذير من أزمة وشيكة ستحل بسلسلة التوريد.
جاء المسؤولون التنفيذيون إلى الاجتماع الذي انعقد في حزيران (يونيو) مسلحين بقائمة من الإصلاحات المحتملة للمشكلة، إصدار التأشيرات المؤقتة لتوظيف سائقي الشاحنات الثقيلة الأجانب، وتصفية اختبارات القيادة التي تراكمت بسبب كوفيد - 19، وتمديد ساعات عمل السائقين، والبدء بحملة من قبل الحكومة لحث المتقاعدين من حملة رخص قيادة المركبات الثقيلة البريطانيين على العودة للعمل خلف عجلة القيادة.
لكن وزيرة النقل صغيرة السن، شارلوت فير، كانت مترددة في اتخاذ التدابير اللازمة، بحسب شخصين كانا حاضرين في الاجتماع. بدلا من ذلك، أخبرت المديرين التنفيذيين أن هناك "إحساسا بأن الصناعة تكذب بهذا الشأن" وأن الحكومة لا ترغب في "إثارة الذعر".
أنكرت الوزارة في ذلك الوقت، أنها كانت راضية عما قامت به، لكن لم يوافق الوزراء على جميع طلبات الصناعة حتى بعد نحو 73 يوما من اجتماع 16 حزيران (يونيو). تم إصدار نحو 10500 تأشيرة مؤقتة للسائقين وعمال الدواجن، ووقعت فير بنفسها خطابا تم إرساله إلى مليون سائق للشاحنات الثقيلة في بداية هذا الشهر تتوسل فيه إليهم أن يعودوا إلى الطرقات.
كان حزب المحافظين الحاكم يأمل في العودة إلى الحياة السياسية "كالمعتاد" بعد فوضى "بريكست" وكوفيد - 19، حتى تتسنى لبوريس جونسون الفرصة لوضع جدول أعماله المحلي للنصف الثاني من فترة البرلمان الحالي.
لكن سيتعين على رئيس الوزراء الآن تجاوز الضوضاء التي أحدثتها، ليس فقط مشكلات سلسلة التوريد المحلية، لكن أيضا أزمة الغاز التي أدت إلى فشل ثلاثة موردين صغار آخرين هذا الشهر. وعلى خلفية هذه الأحداث يقبع خطر من أن كوفيد - 19، عندما يقترن بتفش خطير للإنفلونزا الموسمية، لا تزال لديه القدرة على قلب خدمة الصحة الوطنية على رأس على عقب.
في الوقت نفسه، نمت المخاوف من أزمة غلاء معيشة، تزامنا مع انتهاء الدعم "المؤقت" المتعلق بكوفيد، المقدم للأسر الفقيرة – 20 جنيها استرلينيا في الأسبوع – بينما يتجه التضخم للارتفاع نحو 4 في المائة، وسينتهي برنامج منح الإجازة، كما تلوح في الأفق زيادات ضريبية وارتفاع في أسعار الطاقة في فصل الربيع.
حذر ديفيد موريس، وهو أحد أعضاء البرلمان من حزب المحافظين، من "شتاء مثير للسخط" مرة أخرى – فترة نزاع سياسي صاحب سقوط حكومة حزب العمال بزعامة جيمس كالاهان في أواخر السبعينيات.
قال لـ"بي بي سي"، "أستطيع أن أتذكر الشتاء المثير للسخط وأتذكر ما كان يحدث قبله. وهذا يشعرني بذكريات مماثلة جدا لما حدث".
لا تزال الصناعة تحذر من أن إجراءات الحكومة الأخيرة "قليلة جدا ومتأخرة للغاية" من أجل تجنب أشهر يعمها مزيد من الفوضى والتعطيل الذي سيحل بأعياد الميلاد. وصفت روبي ماكجريجور سميث، رئيسة غرف التجارة البريطانية، حزمة التأشيرات الحكومية بأنها "تعادل إلقاء دلو من الماء على نيران مضطرمة".
حتى أن إعلان الحكومة عن التأشيرات، أظهر أنها تركز على ضمان وصول الإمدادات من الديك الرومي والأوز لعشاء عيد الميلاد بقدر تركيزها على الضغوط على الاقتصاد ككل.
شركتا التجزئة، نيكست وأمازون، وشركتا السوبر ماركت الكبيرتان، تيسكو وآيسلاند، من بين كبرى المحال التجارية التي تحذر زبائنها من تأخير محتمل قبل مجيء أكبر أحداث بيع التجزئة لهذا العام – وهي الجمعة السوداء، والإثنين السيبراني، والفترة التي تسبق عيد الميلاد نفسه.
من جانبها، حذرت الرابطة الوطنية للخنازير من عمليات إعدام جماعية للحيوانات إذا لم تتم إضافة الجزارين إلى برنامج التأشيرات.
يقول جيمس بيلبي، الرئيس التنفيذي لاتحاد موزعي الجملة، الذي يمثل أعضاؤه مجتمعين 30 مليار جنيه من المبيعات وكانوا حاضرين في اجتماع 16 حزيران (يونيو)، "المفارقة هي أنهم كانوا يستطيعون فعل كل هذا بكل هدوء، من دون أن يدعي أحدهم أنه أكثر فهما للأمر". بدلا من ذلك، ضاعفوا جهودهم لإخراج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وقالوا للجميع "اعثروا على الحل بأنفسكم".
الضغوط الموسمية
مع ذلك، لا يزال الوزراء متفائلين بأن فوضى التموين مؤقتة وأن التضخم سيمر عبر النظام بسرعة. وينظر إلى ارتفاع الأجور وسوق العمل النشطة في وزارة المالية على أنهما عازلان جيدان في مواجهة شتاء اقتصادي بارد.
وافق جونسون على تخفيف مؤقت لقوانين الهجرة حتى مجيء أعياد الميلاد والسماح باستقدام خمسة آلاف سائق شاحنة إضافي، بينما لا تزال الشكوك تساور الوزراء في أن بعض أرباب العمل يريدون استغلال الأزمة من أجل العودة إلى استقدام السائقين الأرخص أجرا من خارج البلاد بدلا من تدريب العاملين معهم.
قال أحد أعضاء إدارة جونسون، "لا أعتقد أنه سيكون هناك كثير من المخاطر خلال أعياد الميلاد". أضاف، "إننا نمر بفترة انتقالية. تم التصويت ضد نموذج الهجرة العالية لذوي المهارات المتدنية والأجور المنخفضة بشكل أساسي في التصويت على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي".
لكن الصناعة لا تشعر بالقدر نفسه من التفاؤل. يقول خبراء اللوجستيات إن التراخي في وايتهول بين كل من السياسيين والمسؤولين مبني على فشل أساسي في فهم مدى عمق المشكلات والمدة التي يستغرق إصلاحها.
ويواصل كوفيد - 19 التسبب في تدمير سلاسل التوريد العالمية، الذي يؤدي بدوره إلى ارتفاع تكاليف الشحن ومضاعفة فترات التسليم، مع استمرار تتابع آثاره على اقتصاد المملكة المتحدة.
تضاعفت أسعار الشحن من آسيا إلى المملكة المتحدة 14 مرة عن مستويات ما قبل الجائحة ووصلت إلى 18 ألف دولار للحاوية الواحدة، وفقا لشركة إس آند بي جلوبال بلاتس، بينما تضاعفت فترات النقل من 35 إلى 70 يوما، ما دفع الشركات إلى شحن البضائع قبل موعدها، الأمر الذي أوجد مزيدا من الضغط على النظام.
بات عديد من المستودعات ومراكز التوزيع الداخلية ممتلئا بالفعل، وتسبب هذا بدوره في تراكم الأعمال في الموانئ البريطانية التي كانت ممتلئة أصلا، وفقا لألان ويليامز، مدير شركة ديفيز تيرنر، إحدى أكبر وكالات الشحن المستقلة في المملكة المتحدة.
أضاف، "تطلب خطوط الشحن إشعارا مدته ثلاثة أسابيع لأخذ حاوية واحدة، والموانئ الرئيسة اقتربت من طاقتها الاستيعابية الكاملة. لذلك لن أتفاجأ إذا وصلت الموانئ إلى حد الركود".
وفقا لجمعيات الصناعة، العرض المقدم من الحكومة لمنح 10500 تأشيرة عمل للسائقين وعمال الدواجن لن يسعف كثيرا من سلاسل التوريد التي تنشط في فترة أعياد الميلاد وتبدأ في تكثيف أعمالها الشهر المقبل.
بحسب ريتشارد جريفيث، الرئيس التنفيذي لمجلس الدواجن البريطاني، ليس من المؤكد ما إذا كان بالإمكان ضمان توافر الإمدادات من الديك الرومي.
يقول، "لم يكن ممكنا التقدم للحصول على تأشيرة قبل يوم 15 تشرين الأول (أكتوبر). ومن ثم يستغرق الأمر من ثلاثة إلى أربعة أسابيع من الإجراءات في أفضل حال، بينما الاستعداد لعيد الميلاد ينبغي أن يبدأ في أوائل تشرين الثاني (نوفمبر)". يضيف، "هناك شعور سائد بين المنتجين بأن هذه الإجراءات قليلة جدا ومتأخرة للغاية وكان من المفترض أن تحصل قبل ستة أشهر".
ريتشارد بورنيت، رئيس جمعية النقل على الطرق، متشائم بالقدر نفسه حول التأثير قصير المدى لإصدار خمسة آلاف تأشيرة عمل لسائقي المركبات الثقيلة، حتى لو كان ارتفاع الأجور على المدى المتوسط وتصفية الفحوص المتراكمة من شأنهما أن يخففا من المشكلات بحلول منتصف العام المقبل.
يقول، "أعياد الميلاد لا تتم بعفوية هكذا. الأمر يتطلب قدرا هائلا من التخطيط ولا يمكننا حتى الحفاظ على كميات التسليم العادية في الوقت الحالي. لقد بدأ التراكم من الآن. في ذروة ما قبل أعياد الميلاد، سيكون من المتوقع أن نحضر ثلاثة أضعاف الكميات الاعتيادية".
يقول ديفيد جينكس، رئيس أبحاث المستهلكين في "بارسيل هيرو"، وهي شركة لخدمات التوصيل السريع، إن سلسلة التوريد في المملكة المتحدة أصبحت الآن مليئة بالثغرات. "ما لم تجعل الحكومة الحزمة للسائقين في الاتحاد الأوروبي أكثر إغراء بشكل لافت، فإن النقص في أعياد الميلاد قد بات محتوما الآن".
حذر أندرو ولفيندين، رئيس قسم التوزيع في تيسكو في المملكة المتحدة من أن الخطر الذي يحدق بجونسون هو أنه عندما يرى الزبائن نقصا في المنتجات على الأرفف، فإن ذلك سيؤدي إلى موجة من الشراء المذعور قبل أعياد الميلاد تشبه تلك التي تسببت بإفراغ مضخات البنزين في البلاد هذا الشهر.
طفح جدول الأعمال
سيحتاج جونسون، وهو قائد معروف بكونه جنرالا محظوظا، إلى إبقاء أصابعه متشابكة هذا الشتاء لكيلا تتسبب مشكلتان محتملتان أخريان – كوفيد - 19 ونقص حاد في الغاز – في مفاقمة متاعبه.
على الرغم من أن طرح اللقاح قد احتوى كوفيد - 19 إلى مستويات معقولة، ومع الحالات التي تدخل المستشفى الآن بمعدل 700 في اليوم مقارنة بأكثر من 4500 يوميا في ذروة أزمة كانون الثاني (يناير)، إلا أن خدمة الصحة الوطنية لا تزال تتعرض لضغوط متجددة.
إن خطر عودة ظهور كوفيد - 19 خلال موسم حفلات عيد الميلاد، إلى جانب الفيروسات الموسمية الأخرى مثل الإنفلونزا وفيروسات الجهاز التنفسي الأخرى، قد يجبر جونسون على التفكير في إعادة فرض بعض القيود.
البروفيسور جراهام ميدلي، وهو عالم أوبئة يقدم المشورة للمجموعة الاستشارية العلمية لحالات الطوارئ Sage التابعة للحكومة، قال لـ"فاينانشيال تايمز"، "يجب ألا تستهين بالعبء الواقع على الخدمات الصحية. حتى لو لم تكن الذروة بمستوى الشتاء الماضي نفسه، فقد تقرر الحكومة أنها غير محتملة وتعيد فرض القيود".
والأكثر إلحاحا هو خطر النقص الحاد في الغاز في الشتاء الناجم عن مزيج من تراجع الإنتاج في أوروبا وانخفاض واردات الغاز من روسيا، واستنزاف مرافق التخزين في الاتحاد الأوروبي التي تعمل بنسبة تقل بـ17 في المائة من متوسط خمسة أعوام، والأسعار التي تزيد على خمسة أضعاف متوسط ثلاثة أعوام، وفقا لشركة إس آند بي جلوبال بلاتس.
لقد اضطر وزير الأعمال، كواسي كوارتنج، إلى طمأنة النواب سلفا بأنه "لا شك في أن الأنوار ستنطفئ في النهاية"، لكن موجة برد هذا الشتاء ستكون كافية لإيجاد مشكلات خطيرة، وفقا لجيمس هوكستيب، رئيس شركة إيميا غاز أناليتكس.
يقول، "إننا لا نتحدث عن واقعة طقس سيئ تحدث مرة كل 100 عام (...)، لا نزال غير متأكدين إلى حد كبير من كيفية تجاوز هذا الشتاء دون أن تواجه المملكة المتحدة مشكلات إمداد حادة للغاية".
على الرغم من كل مخاوف الناس التي لا شك أن جونسون قد يسميها "المهلكات"، يصر فريق رئيس الوزراء على أنه لن يحيد عن مهمته المتمثلة في وضع خطته "للارتقاء" بالأجزاء المحرومة من البلاد - متجاهلا سخرية قائد حزب العمال، السير كير ستارمر، في مؤتمره الخاص، "الارتقاء" لا يمكنك حتى أن تملأ خزان سيارة بالبنزين".
لكن في حين أن جونسون قد يكون مصمما على المضي قدما رغم الصعوبات، يقول أليستر كامبل، الذي كان المسؤول الإعلامي لتوني بلير في وقت أزمة الوقود الأخيرة في بريطانيا عام 2000، إن الخطر الذي يواجه جونسون هو أن أجندته ببساطة طافحة بسبب سلسلة من الأزمات المستمرة خلال الخريف، حيث إن قطاعات مختلفة بما فيها دور الرعاية والضيافة تواجه نقصا في الموظفين وتعطيلا لسلسلة التوريد في جميع المجالات.
يقول، "لم تكن هناك قبضة على الإطلاق. الجمهور على استعداد لمنح الحكومة قدرا كبيرا من الفسحة، لكن فقط بشرط أن يعتقدوا أن الحكومة تحاول فعل الصواب".

الأكثر قراءة