تنحي رئيس «بوندسبانك» المتشدد .. جاء في عهد ميركل ويغادر معها
قرر ينس ويدمان التنحي من منصبه بعد عقد أمضاه رئيسا للبنك المركزي الألماني "بوندسبانك"، وذلك بعد أسابيع فقط من انتخابات عامة في البلاد وقبل وقت قصير من صدور قرار حاسم بشأن مستقبل السياسة النقدية في منطقة اليورو.
كان رئيس البنك المركزي الألماني من أكثر منتقدي السياسة النقدية المتساهلة جدا التي اتبعها البنك المركزي الأوروبي، وخاض المعركة منفردا في كثير من الأحيان ضد شراء السندات وسياسات أسعار الفائدة السلبية.
قال ويدمان البالغ من العمر 53 عاما في بيان الأربعاء عن سبب مغادرته "إنه يعود إلى أسباب شخصية". لكن زملاءه قالوا "إنه سئم من معارضة سياسات البنك المركزي الأوروبي"، وتوقعوا أن يزداد هذا الشعور مع تعافي الاقتصاد، وارتفاع التضخم، والصعوبة في تبرير الحوافز السخية المقدمة من البنك المركزي الأوروبي.
أوضح ويدمان في رسالة موجهة إلى موظفي البنك المركزي الألماني أنه قرر التنحي في نهاية العام، قائلا "لقد بت أعتقد بعد أكثر من عشرة أعوام أن الوقت المناسب قد حان لبدء فصل جديد، بالنسبة إلى "بوندسبانك" وأيضا بالنسبة إلي شخصيا".
تأتي مغادرة ويدمان المخطط لها، بعد أقل من عامين من تمديد ولايته لثمانية أعوام أخرى، في الوقت الذي يستعد فيه البنك المركزي الأوروبي لاجتماع مهم في كانون الأول (ديسمبر) من المقرر أن يبت خلاله في مدى سرعة إنهاء خطة شراء السندات البالغة 1.85 تريليون يورو التي انطلقت استجابة للجائحة، وكذلك البت في مقدار التحفيز الذي يجب الحفاظ عليه بعد ذلك.
خطوة ويدمان تأتي أيضا في الوقت الذي تنخرط فيه الأحزاب السياسية الألمانية في مفاوضات لتشكيل أول ائتلاف حاكم في البلاد يضم ثلاثة أحزاب منذ خمسينيات القرن الماضي. وقد عمل ويدمان مستشارا للمستشارة أنجيلا ميركل قبل تعيينه في إدارة البنك المركزي الألماني في 2011. ويبدو من قراره بالاستقالة أنهما سيتركان منصبيهما في الوقت نفسه تقريبا.
قال ستيفن زيبرت المتحدث باسم الحكومة، "إن ميركل تلقت خبر قرار ويدمان بكل أسف واحترام"، مضيفا أن "الأمر متروك للحكومة القادمة لاختيار خليفته، لمواصلة إرث البنك المركزي الألماني القائم على الاستقرار".
وإذا لم تتمكن الحكومة الجديدة، التي من المرجح أن تكون ائتلافا يساريا بقيادة أولاف شولتز، وزير المالية الحالي، من الاتفاق على خليفة ويدمان بحلول نهاية هذا العام، فإن كلوديا بوخ، نائبة رئيس البنك المركزي الألماني، ستصبح رئيسة مؤقتة للبنك المركزي.
اتخذ ويدمان الذي خسر السباق لخلافة ماريو دراجي في رئاسة البنك المركزي الأوروبي في 2019، قراره بالتنحي في وقت سابق من العام الحالي، لكنه انتظر حتى تظهر نتائج الانتخابات كي يتجنب الانطباع بأن استقالته كانت خطوة ذات دوافع سياسية، وفقا لشخص مطلع على هذه المسألة.
كذلك شعر ويدمان بأن عليه أن يستقيل قبل أن تتولى ألمانيا رئاسة مجموعة السبع في كانون الثاني (يناير). ومن المقرر أن ينتقل البنك المركزي الألماني إلى مكتب جديد في وسط فرانكفورت في بداية العام المقبل.
وبصفته العضو الأطول خدمة في المجلس الحاكم للبنك المركزي الأوروبي، وأحد أكثر الأصوات "المتشددة" التي أيدت آراء البنك المركزي التقليدية بشأن السياسة النقدية التي تعتمد على تجربة ألمانيا في التضخم المفرط في عشرينيات القرن الماضي، فإن رحيله يفتح الباب أمام احتمال زيادة في التحول لمصلحة الأغلبية "الحمائمية" للبنك المركزي الأوروبي.
قال هولجر شميدنج، كبير الاقتصاديين في البنك المركزي الألماني "من المحتمل أن تعين الحكومة الألمانية الجديدة خليفة أقل تشددا"، مضيفا أنها "قد تختار إيزابيل شنابل، التي عينتها ألمانيا أخيرا في المجلس التنفيذي للبنك المركزي الأوروبي، أو أي شخص لديه وجهات نظر سائدة مشابهة". ستكون بوخ منافسة أخرى إذا أرادت الحكومة الجديدة أن تجعل ألمانيا أول دولة تعين إمرأة لرئاسة البنك المركزي في منطقة اليورو.
ومن بين المرشحين المحتملين الآخرين: جاكوب فون فايتسيكر، كبير الاقتصاديين في وزارة المالية الألمانية، ويورج كوكيز، مسؤول في وزارة المالية ومدير تنفيذي سابق في "جولدمان ساكس"، ورولف شتراوخ، كبير الاقتصاديين في آلية الاستقرار الأوروبي، ومارسيل فراتسشر، رئيس المعهد الاقتصادي الألماني للبحوث الاقتصادية.
من المرجح أن يكون لدى عديد من هؤلاء المرشحين نهج أكثر اعتدالا في السياسة النقدية من نهج ويدمان، لكنهم بذلك يخاطرون بمعارضة الحزب الديمقراطي الليبرالي الذي يجري محادثات مع حزب الخضر وحزب الديمقراطيين الاجتماعيين من أجل تشكيل الحكومة الجديدة ولديه غرائز أكثر تشددا.
ألمح كريستيان ليندنر، رئيس الحزب الليبرالي، إلى ذلك عندما نشر تغريدة يقول فيها "إن البنك المركزي الألماني تحت قيادة ويدمان كان له صوت مهم في أوروبا"، مضيفا "إن الحزب الديمقراطي الليبرالي يوصي باستمرارية ألمانيا".
هانز ميشيلباخ، المتحدث المالي المنتهية ولايته باسم حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي في البرلمان، لخص هذه المخاوف بالقول "إن رحيل ويدمان إشارة كارثية إلى مستقبل السياسة النقدية والمالية في ألمانيا وأوروبا". وكان ويدمان حذر مرارا وتكرارا من أن البنك المركزي الأوروبي يقلل من شأن الضغوط التضخمية، وإن من الممكن أن تتراجع استقلاليته بسبب مدى اعتماد الحكومات المثقلة بالديون على برنامج شراء السندات للحفاظ على تكاليف قروضها منخفضة".
وتسبب الطلب الاستهلاكي المتزايد، وأسعار الطاقة المرتفعة، واختناقات سلسلة التوريد في رفع التضخم في منطقة اليورو إلى أعلى مستوى له في 13 عاما عند 3.4 في المائة في أيلول (سبتمبر). في الوقت نفسه، ارتفع التضخم الألماني إلى أعلى مستوى له في 29 عاما عند 4.1 في المائة. كتب ويدمان في خطاب الأربعاء "سيكون من المهم عدم النظر من جانب واحد إلى مخاطر الانكماش، لكن أيضا عدم إغفال مخاطر التضخم المحتملة"، وقال أيضا "التدابير التي اتخذت أثناء الأزمات، بمرونتها غير العادية، لا تتناسب إلا مع حالة الطوارئ التي وضعت من أجلها".
شدد كذلك على أن "السياسة النقدية يجب أن تحترم ولايتها الضيقة وألا تتعثر في أعقاب السياسة المالية أو الأسواق المالية". شعر مسؤولو البنك المركزي الألماني بعدم الارتياح بسبب دعوات صدرت أخيرا من بعض أعضاء مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي تحث على الحفاظ على خطة كبيرة لشراء السندات وتخفيف بعض القيود المفروضة ذاتيا على مشتريات الأصول.
ومع اقتراب استقالة ويدمان في 31 كانون الأول (ديسمبر)، بعد أيام من الاجتماع الأخير لمجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي لهذا العام، أشار محللون إلى أن ويدمان قد يقرر أن يكون صريحا في معارضته أكثر من المعتاد لأي تحول "حمائمي" محتمل.
قال يورج كريمر، كبير الاقتصاديين في "كوميرزبانك"، "ربما لعبت حقيقة أن ويدمان لم يستطع فرض رأيه في كثير من الأحيان دورا في استقالته"، وأضاف "من غير المرجح أن تعين الحكومة الفيدرالية الجديدة رئيسا للبنك المركزي الألماني يكون على خلاف مرة أخرى مع رأي الأغلبية في مجلس البنك المركزي الأوروبي".
بمجرد أن رد عليه دراجي بقوله "لا لكل شيء" - أمضى ويدمان أعوامه الأولى ينتقد بصراحة سياسات البنك المركزي الأوروبي غير التقليدية التي أغرقت الأسواق بالأموال الرخيصة.
لكن بعد أن تولت كريستين لاجارد رئاسة البنك المركزي الأوروبي في 2019 وواجهت أزمة كوفيد - 19، أصبح ويدمان أقل مواجهة مع الآخرين، بل وقبل بالإصلاح الاستراتيجي الأخير، الذي سمح بتجاوز مؤقت لهدف التضخم.
قالت لاجارد في بيان "إنها تحترم قرار ويدمان، لكنني أيضا آسفة بشدة لذلك"، مضيفة "إن ينس صديق شخصي جيد يمكنني الاعتماد دائما على ولائه".
شكلت العقيدة النقدية المحافظة للبنك المركزي الألماني حجر الأساس الذي تأسست عليه عملة اليورو. لكن على مدار العقد الماضي، بات البنك المركزي الأوروبي يبتعد بشكل مطرد عن هذا الموقف التقليدي لتأسيس نهج سياسة أكثر توسعية.
أدى هذا الأمر إلى توترات تسببت في استقالة عديد من الممثلين الألمان في مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي قبل انتهاء فترة ولايتهم بسبب الإحباط من هذا التحول الحمائمي.
فقد استقالت سابين لاوتينشليجر من عضوية المجلس التنفيذي للبنك المركزي الأوروبي في 2019، قبل ثلاثة أعوام من انتهاء ولايتها وبعد فترة وجيزة من حدوث ضجة في ألمانيا تسبب فيها دراجي، عندما أعلن تخفيضا آخر في أسعار الفائدة ومعاودة شراء السندات.
في 2011، استقال يورجن ستارك من منصب كبير الاقتصاديين في البنك المركزي الأوروبي، احتجاجا على مشتريات السندات الحكومية للاستجابة لأزمة الديون في منطقة اليورو، وفي ذلك العام أيضا، استقال أكسل فيبر من منصب رئيس البنك المركزي الألماني، بعد معارضة شديدة لاستراتيجية البنك المركزي الأوروبي.