أوروبا .. كابوس كوفيد يتنحى قليلا لكابوس الشاحنات

أوروبا .. كابوس كوفيد يتنحى قليلا لكابوس الشاحنات
شاحنات تنتظر السائقين في بلدة لايم الريفية في بريطانيا. تصوير: جاسون كيرنديف "رويترز"

يرى ستيفن بورك في الـ 25 شاحنة المتوقفة عن العمل في شركة النقل المملوكة لعائلته في وسط ألمانيا دليلا واضحا على أن نقص السائقين في جميع أنحاء أوروبا وصل إلى مرحلة خطيرة للغاية.
قال بورك، مدير الشركة من الجيل الثالث في العائلة: "تعاني أعمالنا نقصا حادا في سائقي الشاحنات منذ شهور. بعض عملائنا الحاليين لديهم سجلات طلبات فائضة. تراكم علينا ضغط هائل بسبب أزمة نقص السائقين".
المخاوف، التي يشعر بها بورك هي أحدث علامة على أن نهوض أوروبا من جائحة فيروس كورونا أوجد احتكاكات واسعة النطاق في جانب الإمداد، حيث تكافح الشركات للعثور على عدد كاف من العمال أو المواد لتلبية الطلب المتزايد- ما يؤدي إلى تباطؤ التعافي الاقتصادي.
قال إن زيادة النشاط الاقتصادي بعد تخفيف القيود بسبب فيروس كورونا في جميع أنحاء أوروبا في وقت سابق من هذا العام نتج عنه "زيادة عبء العمل بشكل كبير على السائقين والمسؤولين عن التوصيل، ما أدى إلى حالة من عدم الرضا والاستقالات"، مبينا أن نحو 10 في المائة من شاحنات الشركة، البالغ عددها 290 شاحنة، تقبع دون سائقين "هناك استياء كبير وسط العملاء بسبب فشلنا في الالتزام بالمواعيد المحددة".
النقص في سائقي الشاحنات ينتشر على نطاق واسع في جميع أنحاء أوروبا، وفقا لاتحادات الصناعة، وصل إلى 80 ألفا في ألمانيا و400 ألف في جميع أنحاء الاتحاد الأوروبي. تحذر الاتحادات من أن الوضع على الأرجح سيزداد سوءا بسبب الشيخوخة، التي تصيب القوى العاملة– متوسط عمر السائقين أكثر من 50 عاما– والصعوبات في توظيف الشباب.
مع ذلك، لا توجد علامة حتى الآن على أن تأثير هذه الأزمة حاد في الاتحاد الأوروبي مثل تأثيرها في المملكة المتحدة، التي تم نشر الجيش فيها لتوصيل الوقود إلى محطات الوقود، وتفيض الموانئ بالحاويات، التي تنتظر التسليم، بينما بعض أرفف المتاجر الكبرى فارغة.
تعزى أزمة البلاد جزئيا إلى "بريكست". انخفض عدد سائقي الشاحنات على أساس سنوي بواقع 29 ألفا، أو 9.5 في المائة، في الـ12 شهرا حتى آذار (مارس)، وفقا لمكتب الإحصاءات الوطني. أكثر من نصف الانخفاض يرجع إلى انخفاض 36 في المائة في عدد مواطني الاتحاد الأوروبي الذين يعملون سائقين في المملكة المتحدة، كما قال مكتب الإحصاءات الوطني.
قال ديرك إنجيلهارت، رئيس الجمعية الفيدرالية الألمانية لنقل البضائع والخدمات اللوجستية والتنظيم: "لدينا في ألمانيا وجميع أنحاء الاتحاد الأوروبي المشكلة نفسها، كما في المملكة المتحدة، لكن الوضع في المملكة المتحدة زاد سوءا بسبب خروجها من الاتحاد الأوروبي".
يلقي إنجيلهارت باللوم في نقص السائقين في الاتحاد الأوروبي على تدني الأجور، والصورة السيئة عن الوظيفة بين الشباب، وسوء معاملة السائقين. قال: "عندما يقوم السائقون بالتوصيل إلى الشركات الصناعية الكبرى، لا تسمح لهم حتى باستخدام دورات المياه. إنهم يعاملون مثل الحيوانات. يجب أن يتوقف هذا الأمر".
حاول هورست كوتماير، صاحب شركة نقل تضم 300 شاحنة في شمال غرب ألمانيا، توظيف سائقين من بولندا وجمهورية التشيك ودول البلطيق. قال: "لكن خلال هذه الفترة، وصلت مشكلة نقص عدد السائقين إلى هذه الدول أيضا".
يخشى كوتماير من تفاقم الوضع بمجرد أن تتعافى شركات صناعة السيارات والشركات الصناعية الأخرى من النقص المرتبط بالجائحة في المواد مثل أشباه الموصلات، التي أدت إلى إعاقة عمليات الإنتاج.
في آب (أغسطس)، أدى انخفاض الإنتاج الألماني للسيارات والمقطورات 17.5 في المائة على أساس شهري إلى انخفاض الناتج الصناعي الإجمالي في أكبر اقتصاد في أوروبا 9 في المائة عن مستويات ما قبل الجائحة.
يشعر آخرون بالقلق من أن قوانين العمل الأكثر صرامة في الاتحاد الأوروبي المتعلقة بالنقل البري التجاري، والمعروفة باسم حزمة التنقل، قد تؤدي إلى تفاقم الأزمة عندما تدخل حيز التنفيذ العام المقبل. ستجعل هذه القوانين سائقي الشاحنات مؤهلين للحصول على الحد الأدنى للأجور لكل دولة عضو يقودون شاحناتهم داخلها وأخذ الحد الأدنى من فترات الراحة والعودة إلى بلادهم كل ثمانية أسابيع.
لكن إيزابيل مايتره، من الاتحاد الوطني الفرنسي للنقل البري، تعتقد أن القوانين الجديدة ستعمل على تحسين صورة القطاع وتعزيز التوظيف. قالت: "إننا نحاول جذب مزيد من النساء الشابات للانضمام إلى الصناعة".
يؤثر النقص في العمالة على الصناعات الأخرى أيضا، مع انتعاش اقتصاد منطقة اليورو وتراجع البطالة نحو مستويات ما قبل الجائحة.
وصلت نسبة شركات الاتحاد الأوروبي التي تقول إن نقص الموظفين هو العائق الرئيس أمام نشاطها، إلى مستويات قياسية في قطاعي الصناعة والبناء في أيلول (سبتمبر)، وفقا للاستطلاع الشهري للمفوضية الأوروبية.
كما هي الحال في أمريكا والمملكة المتحدة، واجهت كثير من المطاعم والحانات الأوروبية صعوبات في تعيين موظفين منذ إعادة فتحها بعد عمليات الإغلاق بسبب فيروس كورونا. في استطلاع حديث أجراه معهد آي إف أو في ميونيخ، قال أكثر من ثلث شركات البناء الألمانية إنها تفتقر إلى العمال.
مع ذلك، بلغ معدل البطالة في منطقة اليورو 7.5 في المائة في آب (أغسطس)، وهو أعلى بكثير من مستوياته في الولايات المتحدة أو المملكة المتحدة. يقول اقتصاديون إنه من المرجح أن تخف حدة النقص في العمالة في المنطقة بسبب بحث الأشخاص، الذين تركوا القوى العاملة خلال الجائحة عن وظائف، وبسبب انتهاء برامج الإجازة ورفع قيود السفر المتبقية.
قال إنزو ويبر، رئيس الأبحاث في معهد أبحاث التوظيف في نورمبيرج، إن مؤشر نقص العمالة في ألمانيا ظل دون مستويات ما قبل الجائحة، على الرغم من الارتفاع الحاد منذ الربيع. "لقد شهدنا إعادة توجيه شديدة لمسار الهجرة منذ بريكست". أضاف: "لم يعد المهاجرون الجدد يذهبون إلى المملكة المتحدة، بل باتوا يذهبون إلى ألمانيا أو فرنسا أو دول أخرى، وعادة ما يعمل المهاجرون في وظائف مثل عمال البناء وقيادة الشاحنات".
في حين أن النقص في عدد السائقين في المملكة المتحدة أدى إلى تحويل السفن من الميناء الرئيس للمملكة المتحدة في فيليكسستو، لأنه امتلأ بالحاويات، فإن موانئ الاتحاد الأوروبي الثلاثة الكبرى، روتردام وأنتويرب وهامبورج، تقول إنها واثقة من قدرتها على التعامل مع الارتفاع الاستثنائي في حجم البضائع القادمة.
بالنسبة لسائقي الشاحنات الألمان، مشكلات المملكة المتحدة كانت إيجابية من ناحية واحدة على الأقل، نشر الوعي بمدى سوء الأمور إذا لم تتم معالجة نقص العمالة. قال إنجيلهارت الموجود في فرانكفورت: "الوضع الحالي في المملكة المتحدة يساعدنا بالفعل. الحكومة تخشى وقوع الأزمة نفسها هنا".

الأكثر قراءة