على فرنسا وبريطانيا أن تخجلا من مناوشاتهما الصبيانية
في أزمة السويس في تشرين الأول (أكتوبر) 1956، تمت معاقبة فرنسا والمملكة المتحدة مثل مراهقين مشاكسين من قبل الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، القوتين العظميين في تلك الحقبة. المحاولة الفرنسية- البريطانية لإعادة ضبط الساعة الامبريالية في الشرق الأوسط كانت في الوقت نفسه مفارقة تاريخية وغير مجدية.
بعد 65 عاما تعود المملكة المتحدة وفرنسا لعادتهما القديمة، لكن هذه المرة تتشاجران معا في لعبة لا تقل صبيانية حول الابتزاز والخداع والانتقام. هل ينبغي أن تمارس لندن وباريس حقا الضغط نفسه ضد بعضهما بعضا مثل الذي يتوقعه المرء من موسكو وبكين؟ هل فقدنا منطقنا وقدرتنا على إعطاء الأولوية للتحديات الأكبر التي تواجهنا كلانا؟
باستعارة اللغة، التي استخدمت خلال أزمة الصواريخ الكوبية في تشرين الأول (أكتوبر) 1962، حان الوقت "لإيقاف التصعيد". بينما يواجه العالم احتمال نشوب حرب باردة جديدة بين الصين والولايات المتحدة، فإن باريس ولندن بحاجة إلى بعضهما بعضا أكثر من أي وقت مضى، لكن لا يبدو أن أيا منهما تدرك للطبيعة المستهترة للمناوشات، التي تنخرطان فيها.
تتنوع هذه المشاحنات من الهجرة غير النظامية عبر القنال إلى مصائد الأسماك، ومن الجهود البريطانية لإعادة كتابة اتفاقية بريكست المتعلقة بأيرلندا الشمالية إلى اتفاق أوكوس، الذي خطط له بشكل سري بين أستراليا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، الذي أساء بشدة إلى الفرنسيين. يبدو أن الطرفين أكثر إصرارا على تغذية شهية متنامية للمواجهة بدلا من البحث عن حل وسط.
يوضح السياق الدولي عدم نضج لندن وباريس، وتزداد الضغوط الصينية على تايوان يوما بعد يوم، وروسيا تبتز أوروبا فيما يتعلق بالطاقة. مع ذلك، ينخرط البريطانيون والفرنسيون في حرب كلامية، إن لم تكن حربا فعلية، يبدو أنها تكرر التوتر بين الديمقراطيات الغربية ومنافسيها في الشرق.
بصراحة، لا يجب أن تهدد فرنسا بحرمان جزيرة جيرسي في القنال من الكهرباء عندما تفعل موسكو الشيء نفسه، وتهدد بقطع الغاز عن القارة الأوروبية بأكملها. من ناحيتها، لا ينبغي أن تستخدم المملكة المتحدة الأوراق الشعبوية بطريقة فجة وهجومية لا تترك خيارا لباريس سوى الرد بالمثل.
كيف يمكن ألا تشعر لندن وباريس بالخجل من التدهور السخيف والمستهتر كليا في علاقتهما الثنائية؟ عندما يحترق المبنى تكون الاختلافات بين المستأجرين أقل أهمية من الحاجة الملحة لمعالجة المسببات الأوسع للحريق. ولا تزال فرنسا والمملكة المتحدة تصفان بعضهما بعضا بأبناء العمومة والجيران. ما الذي حدث للمنطق والعقلانية والواقعية على طرفي القنال؟
ولماذا الآن، تحديدا عندما تتطلب الأوضاع الجيوسياسية إحساسا أقوى بالوحدة والتضامن بين الدول، التي تشترك في القيم الديمقراطية نفسها؟ مما لا شك فيه أنها صدفة مؤسفة أن المملكة المتحدة يترأسها بوريس جونسون، وهو رئيس وزراء مستفز ويميل إلى المصادمة، في الوقت الذي تستعد فيه فرنسا لإجراء انتخاباتها الرئاسية في نيسان (أبريل). إنها حالة الرجل الخطأ في الوقت الخطأ.
أو بالأحرى، الرجال الخطأ– بالنسبة للرئيس إيمانويل ماكرون فهو أيضا يحب اللعب بالنار، وهو أيضا قادر على أن يكون مستفزا ومصادما بلا داع، كما اتضح أخيرا في تعامله مع الجزائر. في حين تصعد لندن تصرفاتها الاستفزازية، لا يريد ماكرون وحكومته أن ينظر إليهما على أنهما ضعيفان من قبل المواطنين الفرنسيين.
من السهل جدا في عصرنا هذا، عصر وسائل التواصل الاجتماعي والأخبار المزيفة والمحرضين السياسيين المحترفين، إنعاش أسوأ ما في العلاقات الثنائية المعقدة بين دولتين هما تقليديا الأكثر غطرسة في أوروبا.
من وجهة نظر باريس، الاستفزازات البريطانية تبدو بعيدة كل البعد عن الواقع، بالنظر إلى أن اتكال لندن المطلق على واشنطن ينظر إليه على أنه رهان خطير. هل يجب على البريطانيين أن يضعوا حقا كل بيضهم في السلة الأمريكية، في وقت تبدو فيه القوة العظمى السابقة هشة للغاية ومستقطبة بشدة محليا– بالمختصر، غير جديرة بالثقة للغاية؟
خلال مفاوضات "بريكست"، حاولت لندن تطبيق استراتيجية "فرق تسد" في تعاملاتها مع الاتحاد الأوروبي. فشلت حينها. هل تستطيع أن تنجح الآن؟
في خطابه الأخير الذي ألقاه في البرتغال عاد لورد ديفيد فروست (الوزير المسؤول عن ملف بريكست في الحكومة البريطانية) إلى الأمور القديمة مرة أخرى، ملمحا إلى أن دول وسط أوروبا أكثر قربا للندن وواشنطن منها لباريس وبرلين فيما يتعلق بالقضايا الاستراتيجية الحاسمة. قد يكون محقا في ذلك. قد تكون فرنسا في عهد ماكرون، في موقفها الثابت تجاه المملكة المتحدة، أكثر عزلة في الاتحاد الأوروبي مما كانت عليه قبل بضعة أعوام.
لكن، في نهاية المطاف، موسكو وبكين هما وحدهما المستفيدتان من أساليب "فرق تسد" السياسية قصيرة المدى هذه. لذلك من المهم أن تعود لندن وباريس إلى رشدهما في تعاملاتهما مع بعضهما بعضا.
* مستشار خاص لمعهد مونتين وأستاذ باحث زائر في كينجز كوليدج لندن.