تخفيض الدعم أو عكسه سيكون وبالا على الأسواق
بدا الأمر جيدا لدرجة يصعب تصديقها وربما كان كذلك. تلاشى التفاؤل المفرط الذي ساد الأسواق خلال الصيف بفعل تصورات ضعف زخم النمو السائدة في الاقتصاد العالمي، خاصة في محركي النمو العالمي، الولايات المتحدة والصين.
تضاءلت ثقة الشركات والمستهلكين، وتراجع نمو الوظائف، وارتفعت أسعار الطاقة، واختناقات سلسلة الإمداد موجودة في كل مكان. أدى ذلك، بدوره، إلى تزايد القلق بشأن الضغوط التضخمية.
محافظو البنوك المركزية الذين أصروا في وقت سابق على أن ارتفاع معدل التضخم أمر مؤقت تماما يغيرون رأيهم الآن، ما يزيد احتمال أنهم سيخفضون قريبا الدعم الذي كانوا يقدمونه للتعافي الذي يبدو أنه يتراجع الآن. في عبارة معدلة بدقة، تحدث أندرو بيلي، محافظ بنك إنجلترا، عن ظروف محتملة يستمر فيها "هذا التضخم المؤقت لمدة أطول".
منذ أيلول (سبتمبر)، كانت النتيجة هي انخفاض أسعار الأسهم وارتفاع عائدات السندات. تسبب هذا في مشكلة للمحافظ التقليدية التي تضم 60 في المائة أسهم و40 في المائة سندات. التغيير في الارتباط بين فئتي الأصول يعني أنه لم يعد هناك ارتفاع في أسعار السندات وانخفاض في العائدات لتعويض الألم في حال انخفاض أسعار الأسهم.
هذا ما حدث في فترة الركود التضخمي العظيم في سبعينيات القرن الماضي التي تميزت أيضا بارتفاع أسعار الطاقة. حينها تطلب الأمر زيادات كبيرة في أسعار الفائدة للحد من ارتفاع توقعات التضخم. في عهد بول فولكر، رفع الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة المحددة بموجب سياسته إلى نحو 20 في المائة في 1981. في الألفية الجديدة أبقى الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة أعلى من معدل التضخم في محاولة لإعادة تثبيت التوقعات.
في أوائل الثمانينيات، كانت اقتصادات العالم المتقدم مجهزة للتعامل مع الزيادات المفاجئة في أسعار الفائدة بشكل أفضل مما هي عليه اليوم. كانت مستويات الديون منخفضة، لكن في الوقت الحالي، وبسبب الجائحة، ارتفع الدين العالمي في 2020، 14 في المائة إلى مستوى قياسي بلغ 226 تريليون دولار بعد أن شهد طفرة كبيرة بعد الأزمة المالية في الفترة 2007 -2009. ذلك يعكس السياسة النقدية المتساهلة للغاية للبنوك المركزية التي شجعت الاقتراض وأوجدت فقاعة في سوق السندات.
من التداعيات الأخرى لخفض الاحتياطي الفيدرالي لعائدات سندات الخزانة من خلال برنامجه لشراء الأصول، التي أبرزها ستيفن بليتز من شركة تي إس لومبارد، أن الأسهم أصبحت تشكل نسبة كبيرة من صافي ثروة الأسر في الولايات المتحدة، وبالتالي يكون لها تأثير كبير في الإنفاق الاستهلاكي التقديري. نتيجة لذلك، كما يعتقد بليتز، أصبحت سوق الأسهم المبالغ في تقديرها حارسا يتحكم في الإجراءات التي يتخذها الاحتياطي الفيدرالي.
هذا يبدو غير منطقي. فرض حراس سوق السندات في السبعينيات الانضباط المالي برفضهم شراء السندات الحكومية التي يتم إصدارها بصورة مفرطة في السوق الرئيسة. اليوم، سيقوم حراس الأسهم ببيع الأسهم في السوق الثانوية للضغط على البنوك المركزية في حال عدم الانضباط النقدي.
إلا أن بليتز اكتشف شيئا ما. ليس هناك شك في أنه إذا قامت السلطات النقدية بتطبيع السياسة، فإن تشديد السياسات المالية الناتج عن ذلك قد يضر بالانتعاش.
في أحدث تقرير له عن الاستقرار المالي العالمي، قال صندوق النقد الدولي إن هناك شكوكا كبيرة بشأن تأثير التطبيع في أسعار الأصول نظرا للدور الأكبر الذي تلعبه البنوك المركزية في أسواق السندات السيادية، والزيادة المتوقعة في المعروض من الديون الحكومية، ودورات السياسة النقدية المتباينة في جميع الدول.
إذا كان من دلالة لذلك، فهي أنه يصور الأمور على نحو أقل مما تقتضيه الحقيقة بسبب المدى غير العادي الذي ذهبت إليه البنوك المركزية في تأميم أسواق الأوراق المالية العالمية. تظهر أرقام صندوق النقد الدولي أن السلطات النقدية زادت الأصول المحتفظ بها في ميزانياتها العمومية إلى نحو 60 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، أي ضعفي المستوى الذي كان سائدا قبل الجائحة تقريبا.
أي تخفيض أو عكس للدعم الذي تقدمه البنوك المركزية الآن للاقتصاد العالمي وللأسواق يمكن أن يكون له تأثير مدمر. يعرف محافظو البنوك المركزية هذا الأمر، ويعرفون أيضا أن استجابتهم لارتفاع معدل التضخم إذا أدت إلى انهيار الأسواق وحدوث ركود، قد يكلفهم ذلك استقلاليتهم.
يترتب على ذلك أنه قد يكون هناك تحيز سلوكي تجاه الحذر وتأخير في التشديد. مع ذلك، الدروس المستفادة من السياسة النقدية في السبعينيات والثمانينيات هي أنه في حين أن ارتفاع معدلات البطالة الناتجة عن التشديد المبكر يمكن معالجته بسهولة عن طريق تغيير السياسة، قد يتسبب التأخير في عدم استقرار التوقعات التضخمية. كانت هناك حاجة لسياسة أكثر صرامة وحالة ركود أشد للسيطرة على التضخم.
كان التأخير، في الواقع، رد فعل من الاحتياطي الفيدرالي في عهد آرثر بيرنز، الذي أصر على أن ارتفاع أسعار النفط والغذاء لم يكن ظاهرة نقدية وبالتالي ينبغي تجاهله. كانت هذه الطريقة التي توصلت بها الولايات المتحدة إلى سياسة سعر فائدة قياسية يبلغ نحو 20 في المائة وركود مروع في أوائل الثمانينيات. قليلون الآن يشككون في أن البنوك المركزية ستخفض قريبا برامج شراء الأصول.
مع ذلك، قناعة المستثمرين الراسخة بأن السلطات النقدية ستهب دائما إلى الإنقاذ، إذا أشار انخفاض الأسواق إلى أن هذا الضعف في أسعار السندات والأسهم لن يتحول إلى اضطراب. بعد قول هذا، فإننا في حالة توازن غير مستقر. في الوقت المناسب شيء ما يجب أن يتغير.