سوق السندات ترسل تحذيرا للاحتياطي الفيدرالي

سوق السندات ترسل تحذيرا للاحتياطي الفيدرالي

المزيج المؤلف من عوائد السندات الحكومية الأمريكية المنخفضة للغاية، وتلك المستقرة نسبيا، أدى إلى إرباك كثير من مراقبي السوق لفترة طويلة الآن، وشكل في الوقت نفسه تحديا للتحليلات الاقتصادية التقليدية.
هذا جعل الارتفاع في العوائد خلال الأسبوعين الماضيين ملحوظا بشكل خاص، وأثار تساؤلات مهمة بالنسبة إلى الأسواق وواضعي السياسات، وبالتالي للاقتصاد العالمي.
من المعتاد وصف عوائد السندات الحكومية الأمريكية المعيارية بأنها أهم مؤشر للسوق في العالم. تقليديا، هي تشير إلى التوقعات بشأن النمو والتضخم في أقوى اقتصاد في العالم. وشكلت أساسا للتسعير في كثير من الأسواق الأخرى حول العالم.
على خلاف تاريخها الطويل، هذه المقاييس المعيارية منفصلة في الأعوام الأخيرة عن التطورات والآفاق الاقتصادية. انهارت علاقاتها طويلة الأمد مع الأصول المالية الأخرى، بما في ذلك الأسهم. وأصبح محتوى معلوماتها مشوها وأقل قيمة. إلى جانب الخروج من الأزمة المالية العالمية عام 2008، يعزى ذلك أيضا إلى فائض المدخرات العالمية التي مارست ضغطا تنازليا مستمرا على العوائد.
لكن مع مرور الوقت، أصبح من الواضح أن المحرك الرئيسي كان الشراء الواسع والمتوقع للسندات الحكومية من أقوى البنوك المركزية في العالم في إطار برامج التسهيل الكمي، ولا سيما الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي والبنك المركزي الأوروبي.
ينبغي لأحد ألا يقلل من أهمية قوة البنوك المركزية في التدخل في تسعير السوق. أدت تريليونات الدولارات من السندات التي اشتراها الاحتياطي الفيدرالي والبنك المركزي الأوروبي إلى تشويه الأسواق الاعتيادية ثنائية الجانب وشجعت كثيرين على شراء مجموعة كاملة من الأصول بما يتجاوز بكثير ما سيفعلونه عادة بناء على الأساسيات.
في النهاية، ما الأكثر تأكيدا من بنك مركزي يملك مطبعة تعمل بكامل طاقتها، مستعد وقادر على شراء الأصول على مستويات غير تجارية. تضفي هذه المشتريات الشرعية على استثمارات القطاع الخاص السابقة وتضمن وجود مشترين جاهزين للأصول لأولئك الذين يحتاجون إلى البيع لإعادة توجيه المحافظ.
إنه نظام يشجع القطاع الخاص على "استباق تداول" مشتريات البنوك المركزية بأسعار كانت ستعتبر تقليديا غير جذابة. لا عجب في أنه حتى أولئك المقتنعين بسوء التسعير الأساسي كانوا مترددين في أن يكونوا على الجانب الآخر من سوق السندات التي تهيمن عليها البنوك المركزية.
وفي حين لا تزال هذه العوامل قائمة، كانت العوائد تتجه ببطء، لكن بثبات، إلى أعلى في الأسبوعين الماضيين: من 1.30 في المائة للسندات لأجل عشرة أعوام إلى 1.50 في المائة.
مع تثبيط آفاق النمو العالمي إلى حد ما بسبب المتحور دلتا، كانت المحركات مزيجا من الضغوط التضخمية المتصاعدة والعلامات المضاعفة على أن البنوك المركزية ستكافح للحفاظ على عصر "التسهيل الكمي اللامتناهي" - أي ظروف مالية فضفاضة جدا للأبد. تضمنت الإشارات في الأيام الأخيرة تصريحات من بنك إنجلترا ومعدلات أعلى في النرويج، إضافة إلى تحركات في بعض البلدان النامية.
كلما زادت تقلبات الأسعار زادت مخاطر حدوث فجوة صاعدة مفاجئة في العوائد نظرا لأننا نبدأ بمزيج من العوائد المنخفضة للغاية واتجاه سوق أحادية الجانب بشدة. وكلما زادت الفجوة زاد التهديد لأداء السوق والاستقرار المالي، وزادت مخاطر التضخم الركودي - مزيج من ارتفاع التضخم وانخفاض النمو الاقتصادي.
مثل كرة مغمورة بعمق في الماء، يمكن أن يؤدي مزيج من حوادث السوق وخطأ في السياسة إلى ارتفاع في العوائد يصعب على كثيرين التعامل معه.
والأهم من ذلك، هذا لا يعني أن البنوك المركزية، والاحتياطي الفيدرالي على وجه الخصوص، ينبغي أن تؤخر ما كان يجب أن يبدأ بالفعل، وهو الشروع في تقليص ما يعتبر، على نحو مثير للفضول، المستوى نفسه من مشتريات الأصول الشهرية (120 مليار دولار)، مثلما هو الحال في ذروة حالة الطوارئ المرتبطة بكوفيد - 19 منذ 18 شهرا.
على العكس من ذلك، كلما طال انتظار الاحتياطي الفيدرالي زاد تساؤل الأسواق عن فهمه للضغوط التضخمية المستمرة، وزادت مخاطر تعديلات السوق غير المنظمة التي تقوض التعافي الذي يجب أن يكون قويا وشاملا ومستداما.
من جانبهم، يجب أن يدرك المستثمرون أن التأثير المفيد الهائل في أسعار الأصول الناتج عن قمع عوائد البنك المركزي لفترات طويلة يأتي مع احتمال ضرر جانبي لاحق وعواقب غير مقصودة. في الواقع، لا يحتاج المستثمرون إلا إلى النظر في مدى صعوبة العثور على نوع من التنويع الموثوق الذي يساعد في دعم مزيج المحفظة القديم من العائد المحتمل وتخفيف المخاطر.

* رئيس كلية كوينز في جامعة كامبريدج ومستشار لمجموعتي أليانز وجراميرسي

الأكثر قراءة