مسارات متنوعة بمحركات الرؤية
حددت رؤية المملكة العربية السعودية 2030 عدة مستهدفات، وتضمنت خططها تنمية دور القطاع الخاص في الاقتصاد الوطني لدعم تنوع النشاط الاقتصادي، وتقليص الاعتماد على النفط، ورفع نسبة مساهمته في الناتج المحلي إلى 65 في المائة، فيما كانت حصته في 2015 قبل إطلاق الرؤية نحو 39.3 في المائة من الناتج. وأسهمت برامج الرؤية المتعددة والمتنوعة في صنع بيئة تنافسية مدهشة، من إطلاق حزم من البرامج المتزامنة لدعم القطاع الخاص، وبرنامج تطوير الصناعة الوطنية، والخدمات اللوجستية، التي تهدف إلى تحويل السعودية إلى قوة صناعية رائدة، ومنصة لوجستية عالمية، إلى جانب برامج أخرى ذات علاقة، مثل برنامج تطوير القطاع المالي الذي يسعى ويهدف إلى تطوير قطاع مالي متنوع وفاعل يدعم تنمية الاقتصاد الوطني.
ويضاف إلى ذلك مبادرات دعم الصادرات السعودية، مثل إنشاء بنك التصدير والاستيراد السعودي، الذي اعتمد أخيرا على أكثر من 81 طلبا للتمويل بقيمة تسعة مليارات ريال لأكثر من 46 دولة حول العالم، وهذه المبادرات التي تسعى إلى رفع مساهمة الصادرات غير النفطية في إجمالي الناتج المحلي إلى 50 في المائة، وهو ما يعد قفزة تاريخية قياسية، وتحديا مثلها في ذلك مثل برامج الرؤية ومستهدفاتها كافة، التي جاءت لتنقل المجتمع السعودي واقتصاده، إلى آفاق واسعة.
وفي ظل هذه الطموحات الاقتصادية الوطنية يأتي تصريح وزير الإعلام المكلف، الذي يؤكد فيه أن صادرات السعودية غير النفطية بلغت 255 مليار ريال في الفترة من حزيران (يونيو) 2020 إلى الشهر نفسه من 2021، وهذا الرقم قياسي، وهو الأعلى في تاريخ الصادرات المحلية. وإذا كنا لا نستغرب تحقيق مثل هذه النتائج في ظل الدعم الذي يحظى به القطاع الخاص، كما أشرنا، ولتعدد البرامج الداعمة لدوره، ولأن السعودية حققت نتائج قياسية في برامج الرؤية الأخرى مثل الإسكان، والتنافسية، والرقمنة، وغيرها مما تضيق المساحة لذكره، فإن تعليقات وسائل الإعلام العالمية عن هذه الأرقام القياسية بهذه الإنجازات مبررة، في ظل الأوضاع التي يعانيها الاقتصاد العالمي وعديد من دول مجموعة العشرين، نظرا إلى تداعيات فيروس كورونا، فالجائحة وما تسببت فيه من إرباك للمشهد الاقتصادي قد عطلت كثيرا من محركات الشركات العالمية المصدرة، وظهرت هناك فوضى للدعم الذي شهدته بعض الدول، وغياب استراتيجية واضحة له، إلى جانب أن عدم تحقيق تقدم سريع في توزيع اللقاحات قد أثر بشكل كبير في القدرات التصديرية للشركات العالمية.
كما أن المشكلات اللوجستية في عديد من مناطق العالم التي رفعت أسعار الشحن إلى مستويات قياسية، كلها كانت عوامل أدت إلى تراجع كبير في التجارة العالمية، وأبطأت نموها، لكن في مقابل ذلك نجحت السعودية بشكل مشهود له في تجاوز آثار الجائحة، وتعاملت الحكومة مع الجائحة باحترافية وأداء متميز، إضافة إلى الاستثمار الجذاب والمميز في البنية التحتية وسلاسل الإمداد. كما أن مبادرات تحفيز الاقتصاد ودعم القطاع الخاص أسهمت في سرعة استجابة الاقتصاد، ففي النصف الأول من 2021 سجل الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي نموا قدره 5.4 في المائة مدعوما بنمو الناتج المحلي للقطاع الخاص الذي سجل نموا قدره 7.5 في المائة.
تلك الجهود التي تبذلها هيئة تنمية الصادرات، وكذلك الهيئة العامة للتجارة الخارجية، من مخرجات برنامج التحول الوطني الذي أعاد هيكلة القطاع الحكومي بما يدعم البرامج ويحقق مستهدفات الرؤية، فهناك جهود أخرى تعمل عليها لتغطية التكاليف التي تتحملها الشركات السعودية في المراحل المختلفة من أنشطتها التصديرية، وبرامج أخرى ذات علاقة بتنمية قدرات التصدير مثل التدريب، والأنشطة الترويجية مثل المشاركة الفردية في المعارض الدولية والفعاليات التجارية، والإدراج في منصات التجارة الإلكترونية، وتسجيل المنتجات في الدول الأجنبية وتسهيل زيارة المشترين المحتملين، وتعويض رسوم شهادات المنتجات.
كما أن الملحقيات التجارية دعمت فتح المنافذ والأسواق للمصدرين السعوديين، وحل مشكلات سلاسل الإمداد والمشكلات القانونية واللوجستية في وقتها المناسب، إضافة إلى الجهود الواضحة في حل القضايا المرفوعة ضد الشركات السعودية بدعوى الإغراق للحد من تنافسيتها في الأسواق العالمية. هذه الجهود جميعها والتنسيق الكبير في الأعمال، هي التي تحقق السبق للتجارة السعودية وتصل بها إلى المستويات القياسية كما هي اليوم، وستضمن لها الاستدامة.