مديرو الموارد البشرية يخطون بحذر في عالم العمل الهجين
تشعر أديتي مادوك ناردين بالشك تجاه الأشخاص الذين يدعون أنهم خبراء بما سيبدو عليه مستقبل العمل بعد الجائحة. وتجادل ناردين، نائبة رئيس الموارد البشرية لنمو الأسواق في شركة "تايت آند لايل"، وهي مجموعة أطعمة مقرها المملكة المتحدة، "يمكنك أن تملك نظريات بالطبع، لكن نحن في منطقة مجهولة والطريقة الوحيدة لنعرف بها ما الذي سينجح من خلال تجريب الأمور، عن طريق التجربة". وتقول، "لن يكون هناك أمر واحد يناسب الجميع". لكنها تتذكر بعض المحادثات التي سمعتها في مجتمع الموارد البشرية. "يبحث الناس عن نهج محدد - "هل هي يومان، أم ثلاثة [في المكتب]؟ ما الرقم السحري؟ الناس قلقون جدا".
عقب العمل لعام ونصف خلال جائحة كوفيد، يعد هذا التردد أمرا مفهوما. حيث تصدر بعض الشركات العناوين الرئيسة لطلبها من الموظفين العودة إلى المكتب، وشركات أخرى لتحولها إلى العمل عن بعد بدوام كامل، لكن الأغلب يقع في المنتصف بينهما.
تقول ديفياني فيشامبايان، مديرة سابقة للموارد البشرية في شركة الغاز البريطانية وشركة "رولز - رويس"، وهي الآن شريكة إدارية في "إتش أر تيك بارتنرشيب" ومقرها لندن، التي تساعد الشركات على استخدام الذكاء الاصطناعي لإدارة القوى العاملة لديها، "أرى القليل جدا من الناس في أي من الطرفين. لقد قبلت الأغلبية، وتخطط بشكل فاعل من أجل، مكان عمل هجين، حيث سيكون هناك مرونة للعمل من المنزل والمكتب".
وترى فيشامبايان أن أغلبية الشركات التي تعمل معها من خلال شركتها - وفي أدوارها في مجالس الإدارة - تأخذ الأمور ببطء، "كيف سيشعر الموظفون تجاه مكان العمل الهجين هو أمر ما زال قيد التطور".
وتوضح أنه "في الماضي، كان عديد من الشركات لديها سياسة عمل مرنة أو العمل من المنزل، لكن التوقع كان أن معظم الأشخاص سيكونون في المكتب، وموازنة القوة كانت مع المدير إلى حد كبير. اليوم، تقع القوة بشكل أكبر مع الموظفين. حتى الشركات التي لا تريد التغيير تجد نفسها مجبرة على التغيير".
يسترشد عديد من الشركات بمشاعر الموظفين بينما تخطط إلى سياسات العمل الهجين، مثل شركة البيع بالتجزئة في المملكة المتحدة ومقدمة خدمات المستهلك "كوابيرتيف جروب".
يقول ستيوارت هوكينز، كبير مسؤولي العقارات، "لم يطلب من أي أحد العودة إلى المكتب. ما زلنا في مرحلة من التمكين والمرونة الكاملة. إن الأمر عائد لك، ولمديرك المباشر، وفريقك في كيفية عودتك. المكتب مفتوح، ويعود الأمر لك في كيفية رغبتك باستخدامه".
كان مكتب شركة "كوابيرتيف جروب" الرئيس في مانشستر يستخدم يوميا من قبل ثلاثة آلاف موظف. لكن، منذ الجائحة، انخفض العدد إلى أكثر من النصف. يقول هوكينز إن خطته الآن تأجير ثلث المبنى أو نصفه. حيث وجدت دراسة استقصائية للموظفين أنه، بينما ترغب الأغلبية بيومين أو ثلاثة أيام من الأسبوع في المكتب، فضل 15 في المائة أربعة أو خمسة أيام - في الأغلب الموظفون الأصغر عمرا. ويوضح، "نعلم أنه يجب علينا تلبية رغبات جميع هؤلاء الأشخاص".
في شركة "تايت آند لايل"، حيث يعمل الموظفون في المختبرات والمصانع كما في المكاتب، يجب على ناردين أن تأخذ الاختلافات الإقليمية حول العالم في الحسبان. على عكس الولايات المتحدة وأوروبا، كان العمل المرن جديدا نسبيا في آسيا قبل الجائحة، على حد قولها. "لم يكن أمرا كانت البنية التحتية متاحة له".
وتضيف أنه في الدول الآسيوية، سيستغرق الأمر وقتا لمعرفة مدى ارتياح الموظفين تجاه العمل الهجين، خصوصا أن الأشخاص في المواقع المختلفة سيكون لديهم مخاوف كبيرة لأن أحجام المنازل العادية ووسائل التنقل قد تختلف بشكل كبير. "إذا نظرت إلى سنغافورة، فإن الوقت الذي تستغرقه وسائل التنقل لا يقارن مع شخص يعيش في لندن الكبرى - يستغرق الأمر نصف ساعة من أحد طرفي الجزيرة إلى الطرف الآخر".
يقول بنك "ستاندرد تشارترد"، البنك متعدد الجنسيات، إنه بدأ التخطيط إلى العمل الهجين في منتصف العام الماضي، بعد وقت قصير من الصدمة الأولية للجائحة.
يقول تانوج كابيلاشرامي، رئيس قسم الموارد البشرية في البنك، "اخترنا اتباع نهج أكثر تنظيما مقدما". وقد طلب البنك من الموظفين تقديم قائمة رغبات في أواخر عام 2020 حول كيف ومتى وأين يرغبون في العمل، ليتم الاتفاق عليها مع مديرهم. ويشجع البنك الآن الموظفين في أكبر تسع أسواق له - ما يزيد قليلا على نصف قوته العاملة - على المضي قدما فيما اتفقوا عليه أيا كان، بما يتماشى مع نصيحة الحكومة المحلية.
في حين أن بعض الأدوار - مثل أمين صندوق الفرع أو المتداول - لا تسمح بقدر كبير من المرونة، فإن الطلب الأكثر شيوعا بين الموظفين الأقل تقيدا بالموقع كان العمل من المنزل يومين أو ثلاثة أيام في الأسبوع.
تتمثل إحدى أولويات ناردين الآن في تجنب "تحيز الاقتراب" - أي ضمان عدم التمييز ضد الأشخاص الذين يقضون وقتا أقل في المكتب. وتقول إن مناقشة هذا الأمر بشكل علني يعني أن المديرين في الشركة على دراية باحتمالية وقوع التحيز وإنه يمكنهم التصرف وفقا لذلك. وهذا يعني التركيز على النتائج عند قياس الأداء، ويعني كذلك أنه على المديرين أن يكونوا قدوة يحتذى بهم. "يمكنك أن تقول" أنا مرتاح لأسلوب العمل الهجين "... ولكن إذا أتيت إلى المكتب كل يوم وكنت حاضرا من الساعة التاسعة إلى الخامسة، فإن هذا يبعث برسالة".
أصبح العمل من بلد مختلف أكثر شعبية أيضا. ففي "ستاندرد تشارترد"، لاحظ كابيلاشرامي زيادة مقدارها عشرة أضعاف في الطلبات لفعل ذلك في الأشهر الـ18 الماضية.
ويقوم البنك حاليا بتجربة برنامج يسمح للموظفين بالعمل عن بعد من خارج الدول التي تقع فيها أسواقه الأساسية في آسيا، وإفريقيا والشرق الأوسط - إذا سمحت بذلك قواعد الهجرة والضرائب. ويأتي هذا جزئيا استجابة لطلبات الموظفين، ولكنه ينظر إليه أيضا على أنه فرصة لجذب موظفين ماهرين جدد في دول أخرى - خاصة أستراليا، التي يقول كابيلاشرامي إنها "تجمع كبير للمواهب بالنسبة لنا. إنها منطقة نمتلك فيها كثيرا من التكنولوجيا والتقنيات الرقمية".
والمساحات المكتبية آخذة في التطور أيضا. حيث يقول هوكينز إنه من السابق لأوانه إعادة تصميم مقر "كو-أوب" في مانشستر حتى يتسنى له معرفة كيف يرغب الناس في استخدامه. لكنه واثق - مع العمل بتدابير التباعد الاجتماعي المناسبة الآن، حيث لم يعد ارتداء القناع إلزاميا في إنجلترا- من أن الموظفين سيرغبون في الوجود هناك على الأقل لبعض من الوقت.
يقول هوكينز، "إنه لمن الجيد حقا الإحساس بالطاقة عندما تقابل الناس". ويضيف، "لم تكن تشعر بذلك من قبل [عندما كنت ترتدي قناعا]. لكني أعتقد أن هذا سيعيد الرغبة لدى الناس في مقابلة الآخرين".