البنوك المركزية تترك سوق الصرف في بيات شتوي
أدت جهود البنوك المركزية لإضفاء الاستقرار على الاقتصاد العالمي، المبذولة منذ بداية الجائحة، إلى تهدئة سوق العملات الأجنبية التي تبلغ قيمتها 6.6 تريليون دولار يوميا، وجعلتها تعيش واحدة من أكثر الفترات سكونا على الإطلاق.
مع بدء الانتعاش الاقتصادي في فصلي الربيع والصيف، اندفعت أسواق الأسهم في جميع أنحاء العالم إلى أعلى وحولت أسعار السندات الحكومية اتجاهها بناء على توقعات بشأن اتجاه السياسة النقدية. في غضون ذلك، تحركت الأسعار في سوق الصرف الأجنبي بشكل ضئيل للغاية وانخفض حجم التداول إلى أدنى مستوياته منذ شهور عديدة. وتحرك سعر صرف الدولار الأمريكي مقابل اليورو هذا العام في أضيق نطاق على الإطلاق.
يعود ذلك إلى أن البنوك المركزية على مستوى العالم تحركت، بشكل أو بآخر، بطريقة متناغمة منذ بداية الجائحة، ما أوجد فرصا قليلة جدا لاختلاف العملات بطرق توفر فرصا للربح. حتى الاضطراب الذي شهدته الأسواق الإثنين الماضي بسبب الأزمة في شركة إيفرجراند الصينية للتطوير العقاري بالكاد هز أسعار الصرف الأجنبي من سباتها ـ بقيت العملات الرئيسة متمسكة بنطاقاتها الأخيرة.
قال سام لينتون براون، رئيس استراتيجية الأسواق المتقدمة في بنك بي إن بي باريبا "سوق الصرف الأجنبي مثيرة عندما تكون لديك بنوك مركزية تتحرك في اتجاهات مختلفة، وعندما يكون لديك اختلاف في السياسة. في الوقت الحالي تحتفظ جميع البنوك المركزية بأسعار فائدة تقترب من الصفر، على الأقل عبر الأسواق المتقدمة".
كذلك تضاءل الاختلاف بين العملات، لأن سياسة البنوك المركزية في عهد كوفيد أصبحت محركا مهيمنا للأسعار، ما أدى إلى استبعاد العوامل الأخرى التي تحرك السوق عادة. قال شهاب جالينوس، الرئيس العالمي لاستراتيجية الصرف الأجنبي في "كريدي سويس"، "إن أسعار الفائدة دائما ما تكون ذات أهمية قصوى بالنسبة إلى العملات، لكن الاستجابة العالمية للجائحة تعني أن الأحداث الوطنية، مثل الانتخابات الألمانية، لا تتمتع بالقدرة نفسها على تحريك الأسواق التي كانت تتمتع بها من قبل".
وفقا لبيانات بورصة شيكاغو التجارية، شهدت سوق الصرف الأجنبي انخفاضا كبيرا في حجم التداولات الآجلة والخيارات ـ وصلت في آب (أغسطس) إلى أدنى مستوياتها منذ نيسان (أبريل) 2020. وهذه ليست مجرد قصة تباطؤ صيفي: كان هذا أبطأ آب (أغسطس) منذ 2009. وعلى نطاق أوسع، متوسط حجم التداول اليومي لهذا العام أيضا في أدنى مستوى له منذ 2009.
في عملات العالم المتقدم، اقتصرت الإثارة الأخيرة إلى حد كبير على أستراليا ونيوزيلندا، وهما اقتصادان في بنكين مركزيين أقرب كثيرا إلى رفع أسعار الفائدة من نظرائهما.
ويتخذ المستثمرون مراكز للحصول على مزيد من الشيء نفسه. كانت مقاييس التقلبات المتوقعة في أسواق العملات تتراجع بشكل مطرد منذ أن قفزت في بداية الجائحة. التقلب الضمني لمدة ثلاثة أشهر لليورو مقابل الدولار - وهو مقياس للتقلبات المتوقعة في أزواج العملات الأكثر تداولا في العالم بناء على أسعار الخيارات - انخفض إلى أدنى مستوى له هذا العام في منتصف أيلول (سبتمبر)، ويقترب من أدنى مستوياته القياسية منذ أوائل 2020. وهو يتم تتبعه على نطاق واسع. كما اقتربت مقاييس مماثلة للجنيه الاسترليني والين مقابل الدولار من أدنى مستوياتها على الإطلاق.
كانت فترة الهدوء خبرا سيئا بالنسبة إلى المستثمرين الذين يسعون إلى الربح من الاتجاهات طويلة الأمد أو فترات التقلب في أسعار الصرف. هذا العام كافحت صناديق التحوط الكلية التي تراهن على التحركات في السندات والعملات والسلع، حتى خلال نهضة الصناعة الأوسع. انخفض تداول الصناديق الكلية للعملات بنسبة 1.4 في المائة هذا العام حتى نهاية آب (أغسطس)، وفقا لمجموعة البيانات، إتش إف آر، في حين استقرت صناديق التحوط ككل على مكاسب سنوية بنسبة 10 في المائة.
بمجرد أن تشير البنوك المركزية إلى استعدادها لتغيير سياسة أسعار الفائدة، يمكن أن يتبخر هذا الهدوء في تبادل العملات الأجنبية. قال زاك باندل، الرئيس المشارك لاستراتيجية البورصات الأجنبية في "جولدمان ساكس"، "نظرا إلى عدد القضايا التي ستتعامل معها الأسواق خلال العام المقبل - التضخم المرتفع، ورفع أسعار فائدة البنوك المركزية، والزيادات الضريبية، والتوترات الجيوسياسية - نشك في أن تقلبات الصرف الأجنبي ستظل منخفضة لفترة طويلة جدا".
أولريش لوختمان، رئيس أبحاث الصرف الأجنبي المشارك في "كوميرزبانك"، يرى أن التغييرات المقبلة في سياسة أسعار الفائدة، يمكن أن تكون أصغر من الماضي، نظرا إلى الحجم الهائل للديون التي تم تحملها خلال الجائحة.
قال "قلقنا كثيرا بشأن إذا ما كان بنك الاحتياطي الفيدرالي سيبدأ في تقليص تسهيلاته في نهاية 2022 أو في أوائل، أو منتصف، 2023 (...) ونختلف حول إذا ما كان البنك المركزي الأوروبي سيحذو حذوه في 2024 أم في 2025 (...) لكن لكي نكون صادقين، عدم اليقين هذا صغير جدا مقارنة بما كان على المحك".