جني التضخم يتجول حرا طليقا في أمريكا اللاتينية

جني التضخم يتجول حرا طليقا في أمريكا اللاتينية

بينما يجري صناع السياسة في مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي مناقشات مطولة حول إيجابيات وسلبيات البدء في سحب التحفيز الخاص بالوباء، الذي تبلغ تكلفته عدة تريليونات من الدولارات. النقاش في حدودهم الجنوبية انتهى فعليا.
عاد التضخم بقوة، وتعكف البنوك المركزية في أمريكا اللاتينية على رفع أسعار الفائدة بقوة شديدة بعض الشيء.
تتصدر البرازيل المجموعة. بنكها المركزي المستقل حديثا يكافح لمنع التضخم من الوصول إلى رقم مزدوج. اعترف روبرتو كامبوس نيتو، محافظ البنك، في أول أيلول (سبتمبر) قائلا، "لقد تعرضت البرازيل بالفعل لصدمة تضخم كبيرة للغاية". بعد أيام نشرت أرقام تظهر التضخم الرئيسي السنوي عند أعلى مستوى له في خمسة أعوام: 9.7 في المائة في آب (أغسطس).
منذ آذار (مارس) رفعت البرازيل سعر الفائدة المرجعي أربع مرات ليصل إلى 5.25 في المائة. ويتوقع المستثمرون زيادة أخرى لا تقل عن نقطة مئوية واحدة هذا الشهر، على أن يتبعها مزيد من الزيادات.
يثير التضخم قلقا خاصا في أمريكا اللاتينية بسبب تاريخ المنطقة الطويل من عدم استقرار الأسعار، ولا سيما في السبعينيات والثمانينيات. نجحت البنوك المركزية التي تم تمكينها حديثا في السيطرة على الأسعار في معظم الاقتصادات الكبرى على مدى العقدين الماضيين، لكن المنطقة لم تطرد تماما شياطينها التضخمية.
شهدت فنزويلا أسوأ تضخم في العالم بلغت 5500 في المائة في 2020، وترتفع الأسعار في الأرجنتين تتجاوز 50 في المائة سنويا. البنك المركزي الأرجنتيني يطبع الأموال لتمويل العجز، دون النظر إلى العواقب - وهي عادة قديمة أخرى سيئة في أمريكا اللاتينية.
في المكسيك سجلت الأسعار الأساسية الشهر الماضي أعلى معدل لها منذ 1999 ويتوقع سيتي بانك تضخما 6.1 في المائة في 2021. البنك المركزي في مكسيكو سيتي لم يخفض أسعار الفائدة بقوة خلال الوباء مثل نظرائه، لكنه شدد السياسة مرتين هذا العام ويتوقع سيتي ارتفاعين آخرين قبل نهاية العام، يصعدان بسعر الفائدة إلى 5 في المائة.
تتكرر القصة نفسها على طول جبال الأنديز. بلغ معدل التضخم السنوي في تشيلي 4.8 في المائة في آب (أغسطس)، وهو ما يقارب ضعف مستوى شباط (فبراير). نشر البنك المركزي تقرير تضخم متشدد، يشير فيه إلى مزيد من التشديد بعد مضاعفة أسعار الفائدة الشهر الماضي. في بيرو المجاورة وصل التضخم إلى 4.95 في المائة في آب (أغسطس)، وبدأ البنك المركزي في التشديد، بينما ارتفعت الأسعار في كولومبيا 4.4 في المائة سنويا في آب (أغسطس).
قال ألبرتو راموس، رئيس اقتصادات أمريكا اللاتينية في بنك جولدمان ساكس، "الصورة تزداد قبحا يوما بعد يوم مع انتشار الضغوط التضخمية بسرعة". أضاف، "من المحتمل أن يتطلب الأمر قدرا كبيرا من تشديد السياسة لإعادة جني التضخم إلى المصباح".
تأثرت أمريكا اللاتينية بشدة بالتداعيات الصحية والاقتصادية الناشئة عن فيروس كورونا أكثر من أي منطقة أخرى. يهدد الارتفاع السريع في أسعار الفائدة الآن بخنق الانتعاش الذي كان يفقد قوته بالفعل مع تراجع برامج التحفيز الحكومية واستقرار أسعار الصادرات السلعية. ويتوقع "جيه بي مورجان" أن يتراجع النمو الذي بلغ 6.4 في المائة في المنطقة هذا العام إلى 2.4 في المائة فقط في العام المقبل.
قال إرنستو ريفيلا، رئيس اقتصادات أمريكا اللاتينية في سيتي بانك، "ليس أمام البنوك المركزية في المنطقة خيار. عليها تشديد السياسة النقدية على الرغم من ضعف الاقتصاد لأنها لا تستطيع السماح لتوقعات التضخم بالانحراف. إنها لعنة البنوك المركزية في الأسواق الناشئة".
يلقي صانعو السياسة في أمريكا اللاتينية نظرات حسد على الولايات المتحدة، حيث تمكن الاحتياطي الفيدرالي حتى الآن من مواصلة التحفيز الاقتصادي الذي بلغ عدة تريليونات من الدولارات، على الرغم من ارتفاع التضخم في تموز (يوليو) إلى أعلى مستوى له في 13 عاما.
قال كلاوديو إيريجوين، رئيس اقتصادات أمريكا اللاتينية في بانك أوف أمريكا، "يمكن لمجلس الاحتياطي الفيدرالي أن يستمر في القول إن التضخم مؤقت وليس هناك حاجة إلى المبالغة في رد الفعل". أضاف، "في النهاية سيدفع ثمنا، لكن الحقيقة هي أن العالم يدفع بالدولار (...) لا تملك البنوك المركزية في أمريكا اللاتينية رفاهية القول ’هذا تغيير مؤقت في التضخم‘".
يأتي التهديد المتزايد للتضخم قبل دورة انتخابية تشهد انتخاب رؤساء جدد في تشيلي وكولومبيا والبرازيل على مدى الـ13 شهرا المقبلة، في حين اختارت بيرو والإكوادور قادة جدد في وقت سابق من هذا العام. ينفس الناخبون عن غضبهم من الأخطاء المتعلقة بالتعامل مع الوباء على شاغلي المناصب من خلال تفضيلهم المنافسين المتطرفين، وهي ديناميكية لا تبشر بالخير للبنوك المركزية.
أثارت زيادات أسعار الفائدة في بنك المكسيك خلافا سياسيا مع الرئيس الشعبوي، أندريس مانويل لوبيز أوبرادور، الذي قال في مؤتمره الصحافي الصباحي الشهر الماضي، "على الرغم من أن بنك المكسيك يجب أن ينتبه إلى التضخم والنمو (...) إلا أنهم كانوا مهتمين بالتضخم فقط لفترة طويلة".
قال إيريجوين إنه يرى "فرصة جيدة" لمزيد من التطرف في الانتخابات المقبلة، مضيفا، "هذا يوجد كثيرا من الضغط على العملات والمطالبة بزيادة الإنفاق، الأمر الذي سيضغط على البنوك المركزية. في الولايات المتحدة، هناك مزيد، والمزيد من الناس الذين يزعمون أن الاحتياطي الفيدرالي يجب أن يتكيف مع العجز المالي. سيقول الناس في أمريكا اللاتينية ’إذا كان بإمكانهم فعل ذلك، فلماذا نحن لا نستطيع؟‘".

الأكثر قراءة