الاستثمار في البنية التحتية أمر بالغ الأهمية للتغلب على الوباء

الاستثمار في البنية التحتية أمر بالغ الأهمية للتغلب على الوباء
بعد مرور 18 شهرا على انتشار الوباء برزت فجوة حول معدلات التطعيم.

في الأسابيع الأخيرة، تسبب فيروس كوفيد -19 في توترات جديدة للمستثمرين الأمريكيين. لا ينتشر متحور دلتا فحسب، بل يزداد التردد على تلقي اللقاح في أجزاء من البلاد. في أماكن أخرى، تتزايد المخاوف بشأن ما إذا كانت إدارة جو بايدن يمكنها حقا طرح جرعات معززة هذا الخريف، كما وعدت.
هذا مقلق. لكن بينما يدقق المستثمرون في خطط البيت الأبيض للقاحات، تجب عليهم مراقبة مجموعة أخرى من مشكلات طرح اللقاحات، تلك التي تطارد الدول منخفضة الدخل.
بعد مرور 18 شهرا على انتشار الوباء، برزت فجوة حول معدلات التطعيم. في معظم أنحاء أوروبا وأمريكا الشمالية، يتم الآن تلقيح نحو ثلثي السكان "وإن كان أقل في الولايات المتحدة". لقد قامت اليابان والهند بإعطاء اللقاح للنصف والثمن من سكانهما تباعا.
ولكن في معظم الدول الإفريقية، تم تلقيح أقل من عشر السكان - وفي بعض الدول، كانت النسبة أقل من 1 في المائة. ويعكس ذلك جزئيا أوجه عدم التكافؤ المعروفة في إمدادات اللقاحات "التي تحاول هيئات دولية مثل كوفاكس معالجتها، على الرغم من النتائج المتباينة". هناك مشكلة أخرى، كثيرا ما يتم تجاهلها: التوزيع اللوجستي غير المناسب.
تأمل، مثلا، جنوب السودان. هذا البلد الفقير تلقى أخيرا - بشكل متأخر - بعض اللقاحات. لكن البنية التحتية للتوزيع ضعيفة للغاية لدرجة أن تكاليف "الطرق الممهدة" لإعطاء اللقاح للناس "أو الميل الأخير من التسليم" 22 دولارا للشخص الواحد، باستثناء سعر شراء اللقاح، وفقا لحسابات هيئة الإغاثة "كير".
هذا "أغلى بست مرات من التقدير العالمي الحالي لتكاليف توصيل اللقاحات"، بحسب ملاحظة لاحظ كير. واحدة من المفارقات القاسية لـكوفيد -19، أن الدول الأقل استعدادا لدفع تكاليف التوزيع تواجه أعلى الأسعار.
هذا له عواقب عملية. تقول "كير" إنه كان لا بد من إتلاف أو إعادة نحو 132 ألف جرعة لقاح هذا الصيف في جنوب السودان لأنه لم يكن من الممكن توزيعها. الوضع يتحسن الآن - بقليل. لكن معدل اللقاحات في البلاد لا يزال أقل بكثير من 1 في المائة.
هذه مأساة لمن ينتظر تلقي اللقاح. لكن العواقب قد تكون واسعة النطاق. في الأشهر الـ18 الماضية، أدرك العلماء أن أحد أكثر جوانب كوفيد -19 سوءا هو أنه "متحور"، كما يشير ويليام هاسيلتين، الباحث الطبي الأمريكي البارز، في كتابه المتحورات.
وبالتالي، كلما طالت مدة بقاء مجموعات من الأشخاص غير ملقحين في العالم، زاد خطر ظهور متحورات جديدة وانتشارها. إن معالجة مشكلة "الطرق الممهدة" ليست مسألة أخلاقية وخيرية فحسب، بل إنها مسألة دفاع عن النفس عالميا.
هل يمكن أن نحقق ذلك؟ ربما. في حالة جنوب السودان، تحسب كير أن هناك حاجة إلى 126 مليون دولار لإصلاح مشكلات التوزيع الرئيسة. وبالتالي، فهي تناشد الحكومات الغنية لسد هذه الفجوة بالمنح، كما تناشد الشركات العالمية تقديم الدعم اللوجستي، مثلا، من خلال توفير النقل.
إن النداءات الخيرية حسنة النية ولكن المجزأة في نهاية المطاف ليست هي الحل الحقيقي، يجب أن تكون الأولوية الأكبر للحكومات الغربية وغير الغربية لتطوير خطة عالمية منسقة لمعالجة البنى التحتية الصحية التي تعاني نقص التمويل.
كما يحدث، هناك خارطة طريق واحدة متداولة لهذا الغرض. في وقت سابق من هذا العام، طلبت مجموعة العشرين من ثارمان شانموجاراتنام، وزير المالية السنغافوري السابق، ولورنس سمرز، وزير الخزانة الأمريكي السابق، ونجوزي أوكونجو إيويالا، رئيس منظمة التجارة العالمية، وضع مقترحات لكيفية تحسين الاستعداد للوباء العالمي.
والتقرير، الذي صدر هذا الصيف، يحتوي على مجموعة من الأفكار المنطقية البارزة. يدعو الثلاثي دول مجموعة العشرين إلى إنفاق 75 مليار دولار على الأقل في الأعوام الخمسة المقبلة لمعالجة التأهب للوباء وضعف البنية التحتية للرعاية الصحية في جميع أنحاء العالم. كما يطالبون مجموعة العشرين بإنشاء "مجلس التهديدات الصحية العالمية"، الذي من شأنه تنسيق الاستجابات الوبائية بالطريقة نفسها التي نظم بها مجلس الاستقرار المالي الاستجابة التنظيمية للأزمة المالية لعام 2008. قد لا يشمل ذلك وزراء الصحة فحسب، بل مسؤولي المالية أيضا - وهي خطوة تعكس اعترافا متزايدا بأنه لا يمكنك التغلب على الوباء بالعلوم الطبية "أو اللقاحات" وحدها. الاستثمار في البنية التحتية أمر بالغ الأهمية أيضا.
سيتم تقديم هذه المقترحات إلى مجموعة العشرين الشهر المقبل، لإمكانية اعتمادها. لكن من غير الواضح على الإطلاق أن تلك المقترحات سيتم تمريرها. قيل لي إن هذا يرجع جزئيا إلى أن فكرة إنشاء هيئة تنسيق جديدة أثارت التوتر في أجزاء من منظمة الصحة العالمية. ولكن السبب أن السعر البالغ 75 مليار دولار يبدو مخيفا لبعض دول مجموعة العشرين.
ربما يكون هذا معقولا نظرا لأن معظم الحكومات الغربية تواجه ضغوطا مالية "وضغوطا من الناخبين للتركيز على الاهتمامات المحلية". لكن الإنفاق المقترح هو تغيير طفيف مقارنة بما قيمته تريليونات الدولارات من الأضرار التي ألحقها فيروس كوفيد -19 بالفعل بالاقتصاد العالمي. أو، كما يشير التقرير، "تكاليف (الأوبئة) للميزانيات الحكومية وحدها 300 ضعف إجمالي الإنفاق الإضافي السنوي الذي نقترحه، و700 ضعف الاستثمارات الدولية الإضافية السنوية".
وخلص الثلاثي إلى أن إنفاق 75 مليار دولار عمل من أعمال "المسؤولية المالية" - وضرورة "علمية وأخلاقية" أيضا. إذا لم تتحرك مجموعة العشرين الشهر المقبل، فإن الدول الغنية ستعرقل نفسها. يجب على المستثمرين أخذ ملاحظة.

الأكثر قراءة