رغم تداعيات الوباء .. طفرة في الإنتاجية قد تخرج من الأراضي القاحلة

رغم تداعيات الوباء .. طفرة في الإنتاجية قد تخرج من الأراضي القاحلة
في 2019 كان الاقتصاديون قلقين بشأن توسع ما بعد الأزمة المالية.

دمر الوباء اقتصادات البلدان الغنية، لكن هناك دلائل على أن طفرة في الإنتاجية يمكن أن تخرج من الأراضي القاحلة.
يشير اقتصاديان في "مجلس المؤتمر"، مؤسسة فكرية أمريكية، إلى أن هذا هو الحال. يتوقع أتمان أوزيلدرم وكلاس دي فريز أن يحقق الاقتصاد الأمريكي، الذي انكمش في 2020، نموا إجماليا في عوامل الإنتاجية الكلية يتجاوز 2 في المائة في 2021. يقاس إجمالي عوامل الإنتاجية الكلية من خلال النمو في الإنتاج، إضافة إلى إنه يمكن أن يعزى ببساطة إلى وضع المزيد من العمالة ورأس المال للعمل في التعافي بعد الإغلاق.
إذا تحقق معدل 2 في المائة، فسيكون أكثر من تعويض خسارة طفيفة للإنتاجية الكلية لعوامل الإنتاج في 2020 - نتيجة طبيعية لترك رأس المال مثل الآلات في وضع الخمول ويشكل تحسنا كبيرا على المعدل الصفري تقريبا لنمو الإنتاجية الكلية لعوامل الإنتاج في الولايات المتحدة سنويا في العقد ما قبل الجائحة.
الولايات المتحدة ليست وحدها التي تظهر علامات أداء إنتاجي صحي. وفقا لتوقعات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، أدى الوباء إلى تسريع نمو إنتاجية العمل في معظم البلدان ذات الدخل المرتفع.
في الولايات المتحدة، سيكون هذا المقياس - الناتج المحلي الإجمالي لكل ساعة عمل - قد نما بنسبة 6.7 في المائة في الأعوام الثلاثة الممتدة للوباء، من الربع الرابع من 2019 إلى الربع الرابع من 2022، وفقا لأرقام منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. ويمثل هذا أكثر من ضعف معدل 3.3 في المائة الذي تم تحصيله في فترة الأعوام الثلاثة الماضية.
ومن المتوقع حدوث التسارع نفسه لجميع دول مجموعة السبع. من المتوقع أن تزيد اليابان إنتاجية العمالة بنسبة 2 في المائة في الأعوام الثلاثة حتى نهاية 2022 - بعد أن انخفضت في الأعوام الثلاثة السابقة. انتقلت ألمانيا من معدل نمو لثلاثة أعوام من 1.1 إلى 2.6 في المائة، وفرنسا من 1.8 إلى 2.5 في المائة، والمملكة المتحدة من 0.6 إلى 3.7، وإيطاليا من صفر إلى 1.4. من بين أكبر تسع اقتصادات غنية، تشهد كوريا الجنوبية لوحدها تباطؤا في نمو الإنتاجية في هذه الفترة - وهذا معدل لا يزال محترما يبلغ 4 في المائة.
قد تكون هذه التوقعات خاطئة. ولكن بالنظر إلى قوة الانتعاش الجارية، فإنها تبدو معقولة. ستكون هذه مفاجأة سارة للغاية. تذكر أنه في 2019، كان الاقتصاديون قلقين بشأن توسع ما بعد الأزمة المالية الذي فقد قوته بشكل سريع وتدهور معه نمو الإنتاجية الضعيف بالفعل.
لماذا يحدث هذا الازدهار الظاهري في الإنتاجية ؟ لا يمكن تفسيره على أنها مسألة حسابية. يمكن أن تزيد الإنتاجية المقاسة إذا انخفض الإنتاج بأكثر من ساعات العمل وإذا فقد العمال الأقل إنتاجية وظائفهم بشكل غير متناسب. في حين أن هذا أدى بالفعل إلى تعزيز الإنتاجية المقاسة في الولايات المتحدة، والتي تخلت عن العمالة بشكل كبير في ربيع 2020، شهدت البلدان الغنية الأخرى انخفاضا في الإنتاج لكل ساعة عمل قبل أن تتعافى عندما أعيد فتح الاقتصادات.
على أي حال، بحلول نهاية 2022، كان من المفترض أن تعود العمالة بدرجة قريبة بشكل كافي من مستويات ما قبل الجائحة بحيث لا يمكن لمجرد الحساب أن يفسر بشكل كامل الزيادات المقاسة في الإنتاجية. يجب أن يعكس بعض التحسين - إذا تم تحقيقه - تغييرا حقيقيا في كيفية استخدام هذا العمل بشكل منتِج.
إذا كان الأمر كذلك، فإن سؤالين لهما أهمية قصوى. لماذا تتسارع الإنتاجية ؟ وما الذي يجب فعله لتثبيته بمعدل أعلى بشكل دائم ؟
تتعلق الإنتاجية الأعلى بعمل المزيد بموارد أقل، وهناك طريقتان واضحتان تقوم بهما الاقتصادات ذات الدخل المرتفع منذ العام الماضي. كما يقول أوزيلدرم ودي فريز، "يمكن أن يؤدي الاعتماد المتزايد للتقنيات الرقمية إلى إحياء الإنتاجية .. ويمكن أن يؤدي النمو البطيء في المعروض من العمالة ونقص العمالة إلى تحفيز الشركات على التركيز بشكل أكبر على الابتكار من خلال تسريع الأتمتة والتحول الرقمي".
من السهل أن ترى كيف تعزز التكنولوجيا الإنتاجية، من وقت السفر والتنقل الذي يوفره العمل عن بعد إلى قفزة المبيعات عبر الإنترنت والمدفوعات الرقمية في البيع بالتجزئة. يمكن للحكومات أن تشجع الشركات على الحفاظ على مكاسبها - وليس الضغط من أجل العودة إلى الوضع السابق فيما يتعلق باحتلال المكاتب، مثلا.
من غير المنطقي أن يكون نقص العمالة أمرا جيدا للاقتصاد. لا يكاد يمر يوم دون عناوين رئيسية عن شكوى المديرين من عدم تمكنهم من العثور على المزيد من الموظفين وعليهم ان يحلوا محل النوادل أو عمال النظافة في حال كان لديهم نقص. بعبارة أخرى، الاضطرار إلى فعل المزيد بموارد أقل، أو أن تكون أكثر إنتاجية.
يشير التاريخ الاقتصادي والمنطق السليم إلى أنه عندما يفوق الطلب العرض، فإن الشركات ترفع مستوى أدائها من خلال زيادة الإنتاجية. إذا ارتفعت الأجور، فلن يكون لديهم بديل - أو سيفقدون عمالهم أمام منافسين أكثر إنتاجية.
من المرجح أن يستفيد نمو الإنتاجية من مجموعة من ثلاثة أشياء: الطلب الذي من المتوقع أن يظل قويا، ورأسمال ميسور والتكنولوجيا، والتدريب الذي يعمل على تحسين مهارات العمال باستمرار. تحقيق هذا المزيج باستمرار يعني إبقاء أرباب العمل على أهبة الاستعداد للتنافس على العمال.
تخفي كلمة "نقص" هذه الحقيقة وراء شكاوى أصحاب العمل (المفهومة تماما). لكن الاقتصاد الذي يوجد فيه طلب أكثر من كاف على مساهمة الجميع هو اقتصاد مزدهر: اقتصاد يتمتع فيه العمال بالفرص، وحيث تكافئ الأسواق تحسينات الإنتاجية، وحيث تتطلب التوقعات الاستثمار في التوسع.
الحفاظ على درجة دائمة من ضغوط الطلب القوية، بحيث يصعب الحصول على العمالة دائما، ينبغي ألا ينظر إليه على أنه خطر بل علامة على النجاح الاقتصادي. بما أننا نأمل أن نتغلب على الفيروس، يجب أن نتعلم كيف نتعايش مع نقص العمالة.

الأكثر قراءة