انتعاش أم تداعيات أشد؟
قبل الحديث عن أي مشكلات وعوائق تواجه نمو مؤشرات الاقتصاد الأمريكي، لا بد أن نسلم بأن أقوى اقتصاد في العالم الذي اعتاد على التعافي بشكل سريع، يعاني في الوقت الراهن أطول الأزمات في التاريخ، إذ أثرت جائحة كورونا بشكل كبير فيه. هذه الجائحة وجهت ضربة قاسية إلى الولايات المتحدة. وكما نعلم فإن الاقتصاد الأمريكي شهد في الربع الثاني من 2020 أكبر ركود اقتصادي منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية، حيث انخفض الناتج المحلي الإجمالي 32.9 في المائة، مقارنة بالفترة نفسها من 2019.
تراجع النشاط الاقتصادي، ومعدلات البطالة المرتفعة أسهما في انخفاض الإيرادات الضريبية، وارتفاع الإنفاق الحكومي، كما أن الولايات المتحدة تشهد انخفاضا في الاستهلاك، والاستثمار في الأعمال التجارية والسكن، في الوقت الذي تتمتع فيه دائما بمرونة جيدة من حيث سرعة التعافي الاقتصادي، لكن هذه المرة من المحتمل أن يتعثر الاقتصاد الأمريكي بشكل أكبر في أزمة كورونا، قبل أن يبدأ في التعافي.
من هذه الخلفية القاتمة، يتضح وجود مخاوف متصاعدة في الساحة الغربية بشكل عام، وفي الولايات المتحدة على وجه الخصوص، بشأن توقف المساعدات الحكومية الإضافية التي قدمت إلى العاطلين عن العمل، وأولئك الذين خسروا وظائفهم بفعل جائحة كورونا. فالحكومات بشكل عام، تستعد منذ عودة الحراك الاقتصادي لسحب كل حزم الدعم، بما في ذلك الحزم التي وجهت أساسا لإنقاذ المؤسسات والشركات، وهذه الحزم تم تمويلها في الواقع عبر الاقتراض الحكومي، ما رفع حجم الديون السيادية، التي كانت مرتفعة أصلا قبل تفشي فيروس كوفيد - 19.
وتخطط الدول التي اعتمدت على نظام حزم الإنقاذ، لاستثمار مرحلة التعافي والخروج من الانكماش، وتشجيع الحراك الاقتصادي مجددا عبر إعادة التوظيف، أو رفع وتيرة التدريب والتأهيل وتنويعها، وفق المتطلبات التي أوجدتها الجائحة العالمية، فهذه الدول تعتقد أن التغيير شمل جانبا من معايير التشغيل والعمل.
الوضع على الساحة الأمريكية يطرح تساؤلات كبيرة على صعيد عزم إدارة الرئيس جو بايدن وقف الدعم المخصص للبطالة في وقت قريب جدا، فهذه الإدارة تضع استراتيجية تشغيل واسعة النطاق، على الرغم من أن حزمة الدعم الهائلة الأخيرة التي بلغ حجمها 1.9 تريليون دولار، أسهمت- بحسب مراقبين- في تلكؤ الأمريكيين في البحث عن وظائف، نظرا لما توفره من مساعدات مالية مباشرة للمواطنين.
لكن حتى الدعم المالي الفردي يبقى محصورا في مدة معينة، ما يجبر العاطلين عن العمل في هذه الدولة على إعادة النظر في مفهومهم للبطالة والعمل، فتوقف معونات كوفيد - 19 سيضغط كثيرا على العاطلين، الذين بلغت نسبتهم بسبب انفجار كورونا 14.7 في المائة. وهذه النسبة تراجعت بالطبع في الأشهر القليلة الماضية، بفعل حزمة الدعم الأمريكية الكبرى، فضلا عن توافر فرص العمل في مخطط البنية التحتية المحلية الهائل الشامل.
يعرف الرئيس جو بايدن أن أزمة البطالة لن تحل بسهولة، وليس في الوقت المنظور أيضا، وأن الوصول إلى المستوى المأمول من التشغيل يستغرق وقتا ربما يتعدى الفترة الرئاسية الأولى له، وأن تحقيق قفزات نوعية في هذا المجال، يتطلب مزيدا من المشاريع الكبرى، وهذه الأخيرة تحتاج أيضا إلى بعض الوقت. ومن هنا، فإن أزمة اجتماعية معيشية قد تحدث عندما تتوقف المعونات المخصصة للعاطلين على مستوى الولايات المتحدة، علما بأن بعض الولايات أسرع بالفعل إلى وقف هذه المعونات حتى قبل أوانها، وبعض الجهات الأمريكية يعتقد أن معونات العاطلين عن العمل شجعت بصورة أو بأخرى الناس على عدم العودة إلى الوظائف، وربما يكون هذا الاستنتاج صحيحا بشكل نسبي، إلا أنه ليس كذلك فيما لو نظرنا إلى الصورة الاجتماعية من كل زواياها.
وفي كل الأحوال، سيظهر بلا شك الأثر السلبي على صعيد الأسر في أعقاب الوقف النهائي لمعونات البطالة، خصوصا إذا ما كانت وتيرة التوظيف متثاقلة بعض الشيء، مع العلم بأن شرائح من العاملين لا يمكنهم العودة إلى وظائفهم لأسباب كثيرة، منها أن طبيعة هذه الوظائف لم تعد مطلوبة في أعقاب المعايير، التي أتت بها الجائحة، فضلا عن أولئك الذين فقدوا وظائفهم لخروج مؤسساتهم نهائيا من السوق، واستحالة عودتها مجددا. إلا أن هناك أملا واعدا على صعيد التوظيف، يتعلق بالحزمة الهائلة المخصصة للبنية التحتية، فيما يشير مسؤولون أمريكيون إلى الأهمية الكبيرة لهذا المخطط الكبير، الذي لم يسبق له مثيل من حيث حجم الإنفاق في تاريخ البلاد. لكن تبقى هناك نسبة من العاطلين كانت تفضل أن تبقى الحال على ما هي عليه، غير أن اندفاع الإدارة الأمريكية نحو التشغيل سيقلل من عدد هؤلاء في المستقبل القريب.