أين الجانب السلبي لاقتصاديات الاعتماد على الذات؟
كثيرا ما يسمع المرء في هذه الأيام أن الصين باتت تمثل نحو ثلث نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي. هذا صحيح بما فيه الكفاية، لكن المعلومة الإحصائية الأكثر إثارة للاهتمام هي: في الأعوام العشرة التي سبقت الجائحة، كانت الصين تشكل في المتوسط ما يقارب نصف - في الواقع 47 في المائة - نمو الاستثمار العالمي.
ونظرا إلى أن الإنفاق الاستثماري هو الذي يدعم ديناميكيات التجارة العالمية والطلب العالمي على السلع الأساسية، فإن دور الصين الكبير جدا في تشكيل دورة الاستثمار العالمية يعني أن أي اقتصاد مفتوح أو اقتصاد يعتمد على السلع الأساسية أصبح الآن معتمدا على الصين. هذا صحيح بالنسبة إلى ألمانيا كما هو صحيح بالنسبة إلى البرازيل.
لكن هيمنة الصين على دورة الاستثمار العالمية تشارف على الانتهاء، ليس لأن البلاد ستقلل استثماراتها، بل لأن الولايات المتحدة وأوروبا تعهدتا باستثمار المزيد.
من حيث المبدأ، يجب أن تكون هذه الأخبار جيدة للنمو العالمي. لكن بما أن القومية الاقتصادية هي سبب مهم لتركيز الغرب الجديد على الإنفاق الرأسمالي، فإن الاقتصاد العالمي لن يستفيد كما ينبغي من ظهور مصادر جديدة للإنفاق الاستثماري. ويرجع هذا كله إلى اقتصاديات الاعتماد على الذات.
كانت هيمنة الصين على دورة الاستثمار العالمية في الأعوام الأخيرة تنبع من اتجاهين ترجع جذورهما إلى الأزمة المالية عام 2008.
في المقام الأول، تمثل رد الصين على تلك الأزمة في تحفيز اقتصادها من خلال زيادة الإنفاق على البنية التحتية والعقارات، وذلك يضمن بقاء اقتصادها معتمدا بشكل كبير على هذا النوع من النشاط.
في غضون ذلك، كان رد الحكومات الغربية على الأزمة، المدفوع بالتقشف، يعني أن الإنفاق الاستثماري قد انخفض، لأن هذا النوع من الأمور "القابلة للتأجيل" عادة ما يكون هو الضحية الأولى لجهود أي حكومة لكبح الإنفاق. في أوروبا على الأقل، كان الإنفاق الاستثماري للقطاع الخاص أيضا ضعيفا بشكل لا يصدق، حيث انخفض باستمرار في العقد الماضي.
لكن الإنفاق الاستثماري هو الذي يحمل الوعد بنمو الناتج المحلي الإجمالي في المستقبل، لأنه يعكس الجهد الذي يبذله الاقتصاد في توفير البنية التحتية للنقل، أو في شراء الآلات والمباني اللازمة لإنتاج البضائع والخدمات.
من وجهة النظر هذه، من المحبط أنه في حال تم استبعاد الصين، يصبح معدل الاستثمار إلى الناتج المحلي الإجمالي بالنسبة إلى بقية العالم في يومنا هذا أقل مما كان عليه قبل الأزمة المالية.
من الواضح أن هذا الوضع على وشك التغيير، خذ مثلا موافقة مجلس الشيوخ الأمريكي أخيرا على قانون الاستثمار في البنية التحتية والوظائف. إنه وعد بإنفاق نحو 550 مليار دولار من الاستثمارات الفيدرالية الجديدة في الطرق والجسور، والبنية التحتية للمياه والإنترنت.
في الوقت نفسه "تسهيل التعافي والمرونة الأوروبي" يتفق بقوة مع خطة الولايات المتحدة. كلاهما يهدف إلى رفع مستوى البنية التحتية، ولا سيما محاولة تنويع وتأمين سلاسل التوريد، لكن بطرق من شأنها أن تدعم الأهداف التي تنصب على تغير المناخ.
حماس الحكومات الغربية للإنفاق الاستثماري الذي اكتشفته حديثا هو رد على أعوام من الإهمال إلى حد ما، ومن الواضح أن الدافع وراءه هو مدى انخفاض تكلفة الاقتراض هذه الأيام. لكنه مدفوع أيضا بإحساس المنافسة مع الصين.
في الولايات المتحدة، كان تقرير البيت الأبيض في حزيران (يونيو) عن "بناء سلاسل التوريد المرنة" عبارة عن تحليل مكون من 250 صفحة يهدف إلى تقليل نقاط الضعف الأمريكية المتعلقة باضطرابات سلاسل التوريد في أربعة مجالات هي: أشباه الموصلات، والبطاريات ذات السعة الكبيرة، والمكونات الصيدلانية النشطة، والمعادن والمواد الخام المهمة.
يجادل التقرير بأن أوجه القصور في جميع هذه المجالات ناتجة جزئيا عن "عدم كفاية طاقة التصنيع الأمريكية"، لذلك فمن الواضح أن سلاسل التوريد المتفرقة جغرافيا لم تعد تتمتع بالدعم نفسه من صانعي السياسة الأمريكيين مثلما كان الحال في السابق.
ما يكمن وراء هذه المحاولة الأمريكية للاعتماد على الذات هو إرادة وطنية لفطم الاقتصاد عن الاعتماد على خصمه، الصين.
في الواقع، ليس الغرب وحده الذي سيستثمر أكثر في محاولة لتحسين الاعتماد على الذات. في الصين نفسها تتأثر القرارات المتعلقة بالسياسات الآن بـ"استراتيجية التداول المزدوج"، وهي استجابة بكين لما تعده بيئة خارجية أكثر عدائية وظهور القومية التكنولوجية. لذا تتطلب الاستراتيجية تحيزا مستمرا للإنفاق الاستثماري على أشباه الموصلات، والذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمية، والتكنولوجيا الحيوية، وصناعتي السيارات والطيران.
من الناحية النظرية، مزيد من النشاط الاستثماري ينبغي أن يجعلنا أكثر تفاؤلا بشأن النمو. لكن إذا كان كل هذا الاستثمار يتجه نحو الداخل، ويهدف إلى استبدال التجارة العالمية بدلا من أن يكون مكملا لها، فمن الصعب الشعور بالحماسة إزاء دفعة جديدة من الاستثمار العالمي.
*رئيس اقتصادات الأسواق الناشئة في سيتي بانك