عصر أسعار الفائدة المنخفضة لم ينته بعد

عصر أسعار الفائدة المنخفضة لم ينته بعد
ثلث السكان في اليابان في عمر 65 عاما وأكثر.

كان أحد الألغاز الكبيرة في الاقتصاد الياباني خلال العشرية الأولى من تحفيز "آبينوميكس" هو معرفة لماذا لم تؤد الشيخوخة المتسارعة للسكان إلى زيادة الأجور لمن هم في سن العمل. فمع كون ثلث السكان في عمر 65 عاما أو أكثر، ظهرت نظرية تقول إن المتقاعدين سيبدؤون بالتأكيد في استنزاف أصولهم، أولا من خلال الإنفاق على وجبات فاخرة في الخارج والذهاب في رحلات إلى ملاعب الغولف، ثم في النهاية من خلال دفع تكاليف الرعاية عندما تبدأ صحتهم في التدهور.
مثل هذا الإنفاق سيترجم إلى طلب على العمالة من مجموعة متناقصة من العاملين الأصغر عمرا. وسيؤدي ذلك بدوره إلى رفع الأجور في جميع المجالات، ومن ثم ستؤدي الأجور المتزايدة إلى رفع الأسعار، ثم تساعد بنك اليابان في محاولته الدؤوبة ـ التي مضت عليها أعوام ـ للوصول إلى هدفه المتمثل في كبح التضخم إلى نسبة 2 في المائة.
الفكرة الأساسية هي أن شيخوخة السكان ستصل إلى مرحلة تتحول فيها مدخرات التقاعد إلى زيادة في كل من الإنفاق والطلب على العمالة، وهي محور الحجة التي طرحها الاقتصاديان تشارلز جودهارت ومانوج برادهان. يرى جودهارت وبراهان أن الانعكاس الديمغرافي سيحول العصر الحالي من ركود الأسعار إلى عصر جديد من التضخم.
لكن حتى الآن لم تتطور الأمور بهذا الشكل في اليابان. ارتفع الطلب على العمالة بالتأكيد، هناك نحو أربع وظائف شاغرة في دور رعاية المسنين اليابانية لكل متقدم. لكن حتى عندما كان الاقتصاد في أقوى حالاته في عام 2018، لم يتحول هذا الطلب إلى أجور أعلى، أو تضخم، أو أسعار فائدة أعلى.
تشير ورقة جديدة أعدها الاقتصاديون أدريان أوكليرت وهانيس مالمبيرغ وفريدريك مارتينيت وماثيو روغنلي إلى أن نظرية جودهارت وبرادهان غير صحيحة، وأن النقص في العاملين اليابانيين الشباب لن يؤدي إلى تضخم في أي وقت قريب.
وتشكل الورقة إضافة إلى دليل مهم على أن عوامل مثل التركيبة السكانية أدت إلى انخفاض أسعار الفائدة الحقيقية، الصاعدة منذ وقت بعيد "عادة ما يتم تعريفها على أنها سعر الفائدة الاسمي مطروح منه التضخم"، مع تأثيرات عميقة على كل من المستثمرين والبنوك المركزية في جميع أنحاء العالم.
يجادل أوكليرت وزملاؤه بأن السكان المسنين سيستهلكون مدخراتهم. لكن الشيخوخة تقلل النمو أيضا، وهذا يقلل الطلب على الاستثمار أكبر حتى. لذلك لن يكون هناك انعكاس يؤدي إلى ارتفاع أسعار الفائدة عندما يصل السكان إلى متوسط عمر معين.
إذا كانت هذه الحجة صحيحة، فإن الانخفاض في أسعار الفائدة الذي كان سمة من سمات العقود الأخيرة لم ينته بعد. مع الأخذ في الحسبان التوقعات الديمغرافية الحالية، فإن نتائج الورقة البحثية تشير إلى أن الشيخوخة ستؤدي إلى انخفاض أسعار الفائدة الحقيقية بمقدار نقطة مئوية أو أكثر في الفترة بين عام 2016 إلى نهاية القرن الـ21.
كما أن الأمر ليس مجرد عوامل ديمغرافية. يوجد دليل جديد على القوى التي تدفع أسعار الفائدة إلى الانخفاض. في إحدى الأوراق البحثية التي تم تقديمها في مؤتمر جاكسون هول الافتراضي خلال إجازة نهاية الأسبوع الماضي، قدم البروفيسور أمير صوفي، من كلية بوث للأعمال في جامعة شيكاغو، بحثا جديدا يشير إلى أن زيادة عدم المساواة تؤثر في أسعار الفائدة أكثر من العوامل الديمغرافية التي تشير إلى التقدم في العمر.
الآلية التي يمكن أن يتسبب بها عدم المساواة في انخفاض أسعار الفائدة معروفة جيدا، الأسر الغنية تتمتع بمعدل ادخار أعلى، لذلك عندما تحصل على حصة أكبر من إجمالي الدخل، فإن المدخرات الإجمالية ترتفع. ومزيد من الادخار، قياسا إلى الاستثمار، يدفع أسعار الفائدة إلى الانخفاض.
لاحظ صوفي وزملاؤه أن معدلات الادخار تختلف أكثر بكثير بحسب الدخل منها بحسب العمر. حتى بين جيل طفرة المواليد ما بعد الحرب العالمية الثانية في الولايات المتحدة، فإن أعلى 10 في المائة من أصحاب الدخل وفروا أكثر من الأجيال السابقة، في حين أن الـ90 في المائة الآخرين ادخروا أقل من ذلك. وفي هذا إشارة إلى أن عدم المساواة كان عاملا أهم من العوامل الديمغرافية.
قد يكون هناك ارتباط في الواقع بين تأثير التركيبة السكانية وعدم المساواة، لأنه كلما زادت المدخرات التي تمتلكها أسرة متقاعدة تحت تصرفها، قلت حاجتها لإنفاق الأصول من أجل دفع تكاليف الرعاية أو للذهاب في رحلات بحرية. لكن سواء أكان عدم المساواة أو التركيبة السكانية هي السبب الأكبر، ليس هناك ما يشير إلى أن أيا من الاتجاهين على وشك الارتداد.
بالنسبة إلى المستثمرين يعد الضغط الهبوطي على أسعار الفائدة الحقيقية سببا في التوقعات بأن تبقى أسعار الأصول مرتفعة، وأن تكون العوائد منخفضة في المستقبل. وعلاوة على ذلك، من الآثار المثيرة للاهتمام للنموذج الديمغرافي هو أن اختلاف أنماط الشيخوخة يمكن أن يتسبب في اختلالات جديدة في الحسابات الجارية حول العالم.
هذا يعني زيادة في مكانة صافي الأصول الأجنبية للصين على مدى الـ30 عاما المقبلة، مع تقدم البلاد في السن، بينما يقابل ذلك عجز في الولايات المتحدة. وفي النصف الثاني من القرن سترتفع مكانة الهند أيضا في الأصول الأجنبية بشكل حاد، حيث تبدأ التركيبة السكانية في التحول، ويقابل ذلك جزئيا انخفاض في اليابان وألمانيا - اللتين بحلول ذلك الوقت، ستكونان مسنتين لأبعد حد.
بالنسبة إلى جاي باول، رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، هذا الضغط الهبوطي الذي لا يفتر على أسعار الفائدة الحقيقية يعد سببا آخر للتفاؤل بشأن الارتفاع الأخير في التضخم في الولايات المتحدة. قال في خطابه في منتدى جاكسون هول، بدلا من التراجع، من المرجح أن هذه العوامل طويلة المدى "ستستمر في التأثير على التضخم مع انتهاء الجائحة".
وبالنسبة إلى المصرفيين المركزيين بشكل عام، الأمر يدعو إلى تعزيز الحجة من أجل تحقيق هدف تضخم أعلى، وبالتالي الوصول إلى معدلات اسمية أعلى، بحيث يكون هناك مجال أكبر لخفض أسعار الفائدة عندما تكون الأوقات سيئة.
بالرجوع إلى اليابان، حيث كان احتمال الوصول إلى أي من أهداف التضخم أمرا بعيد المنال أكثر من أي وقت مضى، من شأن هذا الأمر أن ينقل الأخبار السيئة للعاملين الشباب. الوفرة في الوظائف في دور الرعاية لا تعود عليهم بكثير من النفع إذا كان هناك عدد أقل من الوظائف في المصانع ومواقع البناء. وعلى ما يبدو، فإن هذا هو ما يخبئه المستقبل.

الأكثر قراءة