أجواء الطيران والتحليق المنخفض
لم يكن غريبا أن يصنف قطاع الطيران العالمي أول "المصابين" من ضربات جائحة "كورونا". فالعالم انقطع مباشرة عبر توقف محطات شبكات النقل كلها، في محاولة أولى لحصر انتشار هذا الوباء في أضيق مساحة ممكنة. هذا القطاع عانى وتضرر كثيرا، واضطرت الحكومات إلى التدخل بكل قوة لإبقائه على الساحة الطبيعية، خصوصا الشركات التي باتت عبر العقود الماضية تمثل واحدة من الرموز الوطنية.
بالطبع خرجت بعض شركات الطيران من السوق خاسرة مثقلة بالديون والمشكلات القضائية، ولا سيما تلك التي كانت تواجه مصاعب مالية أصلا قبل تفشي فيروس "كوفيد - 19"، وذلك كغيرها من بعض الشركات في أغلبية القطاعات الأخرى. لكن اللافت أن قطاع الطيران الذي كان أول "المصابين" بسبب "كورونا"، لم يكن أول العائدين إلى العمل بعد أن استئناف الحراك الاقتصادي بشكل عام. فقد ساهمت القوانين المقيدة للحركة في عودة تدريجية إلى الساحة مجددا. ويقول الاتحاد الجوي العالمي إن شركات الطيران العالمية تحتاج إلى 70-80 مليار دولار أخرى من الدعم الحكومي لتجاوز الأزمة الناجمة عن وباء كورونا.
وأدت قيود السفر الحكومية والهبوط الكبير في ثقة المسافرين بسبب الإجراءات والاحترازات الصحية إلى تراجع الطلب العالمي على الرحلات بنحو 60 في المائة العام الماضي، وفقا لأرقام اتحاد النقل الجوي الدولي. وهذا يعني أن عام 2020 شهد سفر نحو 1.8 مليار مسافر، بدلا من 4.5 مليار مسافر في عام 2019. وفي قطاع كانت فيه هوامش الربح ضعيفة بالفعل، فهذا يعني أن شركات الطيران قد خسرت 118 مليار دولار، مع توقع حدوث الأسوأ. ولم تكن جميع شركات الطيران قادرة على تحمل تلك الخسائر. كما أن 35 - 40 شركة طيران قد اختفت بالفعل من خريطة العمل والعديد منها شركات طيران إقليمية صغرى والتي توقفت فورا عند بداية تفشي الوباء.
قطاع الطيران يساهم بنحو 880 مليار دولار سنويا في الناتج المحلي الإجمالي العالمي، أو ما يوازي 2.4 في المائة من حجم هذا الناتج. كما أنه يدعم نحو 88 مليون وظيفة مباشرة وغير مباشرة، منها 11 مليون وظيفة أرضية. ويدعم القطاع حراك الكثير من القطاعات المحلية الأخرى في هذا البلد أو ذاك، ويمثل محورا رئيسا على صعيد التنمية بشكل عام. ولذلك، فإن الأضرار التي لحقت به من جراء جائحة حتمت على العالم عدم الحراك لفترة طويلة، أصابت كثيرا من القطاعات بالضرر والخسائر، وخصوصا التي ترتبط بالسياحة والأعمال والترفيه وغير ذلك. ولأن هذا القطاع محوري، فقد تلقت شركات الطيران دعما ماليا كان في بعض الأحيان "إنقاذيا" من الحكومات عبر دفع رواتب موظفيه، وحماية أصوله.
قدرت خسائر شركات الطيران المدني في الأشهر الستة الأولى من العام الماضي (عام الجائحة) بنحو 314 مليار دولار، إضافة إلى خسائر أخرى قدرت آنذاك بـ 550 مليار دولار، وهي عبارة عن ديون ناتجة عن توقف النشاط. واستمرت هذه الخسائر بالطبع إلى طوال العام الماضي، إلى أن تراجعت (ولم تتوقف) في الربع الثاني من العام الجاري، وذلك مع عودة النشاط بصورة لافتة، رغم أنه مهدد بالتوقف في أي وقت، نتيجة عدم السيطرة الكلية العالمية بعد على "كوفيد - 19".
ومع عودة هذا النشاط الذي تمنته كل الجهات حول العالم، إلا أن عدد الرحلات الجوية سينخفض بنحو 400 مليون شخص في العام الجاري، وذلك مقارنة بتقديرات في أواخر العام الماضي أطلقها الاتحاد الدولي للطيران المدني "أياتا". ففي عام 2019 سافر نحو 4.5 مليار شخص جوا، وسيهبط العدد إلى النصف هذا العام، وفق الهيئة الدولية للنقل الجوي.
وفي كل الأحوال ساهمت عودة النشاط العالمي التجاري بشكل عام في دفع الآمال على صعيد الطيران المدني إلى الأعلى، ما رفع أسهم شركات الطيران في الأسواق الدولية الرئيسة، لكن تحت مستوى الارتفاعات التي كانت تحققها قبل الجائحة. الأسهم ترتفع لكنها لم تحلق عاليا. علما بأن التوقعات إيجابية حيال وضعية هذا القطاع في النصف الثاني من العام الجاري. دون أن ننسى، وأن الأمور لا تزال مضطربة على صعيد العودة الكاملة للحراك الاقتصادي العالمي. وكل شيء بات مرتبطا بتوسيع رقعة التطعيم على الساحة الدولية، ما يضمن الاستمرار في رفع مستوى النشاط العائد إلى الميدان.
فقطاع الطيران يعد الخاسر الكبير العام الماضي، وكان جزءا أصيلا من قطاع السياحة المتضررة الأكبر في العام المذكور. فطبقا لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية "أونكتاد"، فإن انهيار السياحة الناجمة عن "كوفيد - 19" سيكلف الاقتصاد العالمي أربعة تريليونات دولار في عامي 2020 و2021.