ريادة الأعمال .. سوق منافسة
يلقى مجال ريادة الأعمال اهتماما كبيرا في المملكة العربية السعودية، ما مكنها خلال الفترة الأخيرة من التفوق على كثير من الدول في مجال التطوير المستمر لريادة الأعمال. ويرجع الفضل في ذلك إلى الدور الكبير الذي عملته السعودية في النواحي التي تركز عليها المؤشرات الستة التابعة لمؤشر سهولة ممارسة الأعمال، واستعانتها بالأنظمة والمعايير الدولية، ما أسهم في نقلها إلى مراكز متميزة.
وتؤكد الدراسات والأبحاث والتقارير الدورية التي تصدر حول العالم تباعا، أن آثار الجائحة كانت مؤلمة للغاية في الأنشطة التجارية، خاصة المتوسطة والصغيرة، ورغم الجهود الكبيرة التي بذلتها دول مجموعة العشرين خلال الأزمة بقيادة العاصمة الرياض من أجل دعم الاقتصاد العالمي، وضخ أكثر من 11 مليارا عام 2020 وإعفاء كثير من الدول الفقيرة من الديون، إلا أن الآثار بقيت حادة وتسببت في تسريح العمال من وظائفهم.
كما اتضح بشكل كبير تأثر دخل الأسر في عدد من الدول بشكل كبير، فوفقا لتقرير نشره المرصد العالمي لريادة الأعمال GEM، فإن واحدا من كل ثلاثة يرى أن دخل الأسرة قد انخفض في أوروبا بسبب الوباء، بينما يؤكد انخفاض دخل الأسرة المكونة من اثنين من بين ثلاثة أشخاص في خارج أوروبا، ودول أمريكا الشمالية. ويشير التقرير إلى أن حالة انخفاض الدخل تختلف بشكل كبير بين دول العالم بحسب خطط الحكومة وآليات دعم الأعمال التجارية التي تبنتها الدول خلال الأزمة.
ويستند تقرير المرصد العالمي لريادة الأعمال إلى مقابلات مع نحو 140 ألف شخص تراوح أعمارهم بين 18 و64 عاما من 46 اقتصادا، ما يقدم تقييما قائما على الأدلة بشأن تأثير الدعم الحكومي في مستويات ريادة الأعمال، وبالتالي دخل الأسر.
فوفقا لهذا التقرير الدولي القائم على الأدلة الموضوعية والعلمية، سجلت السعودية تفوقا عالميا في أربعة مؤشرات دولية فرعية في مجال ريادة الأعمال خلال العام الجاري، كما حققت مراتب متقدمة في ستة مؤشرات أخرى. في حين يؤكد التقرير تصدر السعودية المرتبة الأولى عالميا في مؤشري توفر الفرص الجيدة لبدء عمل تجاري وسهولة البدء في عمل تجاري، ويعد هذا أهم مؤشر في قائمة مؤشرات المرصد العالمي، خاصة في مرحلة ما بعد الجائحة.
هناك اليوم تغيرات كبيرة فرضتها التحولات الاقتصادية التي نشأت مع الجائحة، وتمثل معظمها في دخول الذكاء الاصطناعي والعمل عن بعد، لذلك فإن الاقتصاد القادر على منح أفراده فرصة رؤية واكتشاف الفرص وسهولة بدء الأعمال سيكون له اليد الطولى في المستقبل، والأكثر قدرة على العودة إلى النمو والتعافي بسرعة. وفي الوقت الذي يضع فيه التقرير الدولي خطا أحمر بالنسبة إلى بعض الحكومات في بعض الاقتصادات المتقدمة، إلا أنه يمتدح بصورة واضحة جهود السعودية التي بذلتها خلال الجائحة، بالنظر إلى أن هذه الجهود والإجراءات مكنت رواد الأعمال من المحافظة على مستويات عالية من الطموح الرغبة في العمل، ومكنتهم من اكتشاف الفرص المتاحة، التي أفرزتها الجائحة.
كما أن سهولة بدء العمل، وفقا للتقرير، جعلت الرغبة عالية في المخاطرة ببدء الأعمال، حيث إن تكلفة بدء العمل تقل بشكل لافت، لهذا فقد تصدرت السعودية المرتبة الأولى أيضا في مؤشري استجابة رواد الأعمال للجائحة واستجابة حكومتها للجائحة من بين 45 دولة.
ولا شك الآن، ومع القراءة المتأنية للتقرير ونتائجه، فإن هناك ارتباطا بين المؤشرين، فلا يمكن أن يحقق رواد الأعمال استجابة قوية للجائحة إذا لم تكن الأجهزة الحكومية قد استجابت لها بشكل مسبق، وتعاملت معها بالطريقة الصحيحة، وهذا كله يعود بالفضل إلى حكمة توجيهات خادم الحرمين الشريفين إلى جميع الأجهزة الحكومة بشأن بدء الإجراءات الاستباقية. ولقد كانت متابعة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، وإشرافه الدقيق والمباشر على أعمال جميع الأجهزة، الأثر الكبير في تحقق هذه الإنجازات، وتقديم كل هذه المحفزات الكبيرة والتسهيلات لدعم رواد الأعمال.
كما جاءت توجيهات ولي العهد، أثناء الجائحة، بضرورة المحافظة على الإنجازات التي تحققت لرؤية المملكة 2030، التي كانت تستهدف القطاع الخاص، وتمكين رواد الأعمال بمختلف توجهاتهم من سياسة الإبداع والابتكار، وغرس مفاهيم الاقتصاد المعرفي، ولذلك جاءت جهود الدولة في الاستجابة للجائحة متوافقة تماما مع خطط الرؤية ومعززة لبرامجها.
التقرير الدولي أشار إلى أن السعودية حققت المرتبة الثانية في مؤشر امتلاك المهارات والمعرفة لدى الأفراد، ومؤشر البنية التحتية الذي يعنى بسهولة الوصول إلى الطرق والمطارات، وكذلك المرافق، مثل الكهرباء والإنترنت وغيرهما، وإمكانية الوصول إليها من قبل أصحاب المشاريع، ومراكز متقدمة في سهولة الحصول على تمويل للشركات ورواد الأعمال، وسهولة الدخول وديناميكيات السوق، وهذه المؤشرات جميعها كانت نتاج براعة رؤية المملكة 2030، منذ انطلاقتها عام 2016. ولهذا فإن الرؤية وما تحقق من إنجازاتها، كانت خط الدفاع الأول أمام الجائحة وآثارها السلبية، وهي أيضا طريق متجدد لاستخدام المفاهيم، والمعايير الاقتصادية الحديثة.