خطة أوباما الجديدة .. هل حل الربيع بعد شتاء بارد طويل؟

خطة أوباما الجديدة .. هل حل الربيع بعد شتاء بارد طويل؟

هل حل الربيع أخيراً بعد شتاء بارد طويل؟ رد الفعل الذي استُقبِلَتْ به صفقة الإنقاذ التي أعلنت عنها الحكومة الأمريكية على ما يبدو تشير إلى أن هذا صحيح. النشوة التي شعر بها الناس أصبحت كبيرة تماماً لأن سوق الإسكان في الولايات المتحدة، التي هي من عدة اعتبارات المحرك الرئيسي للأزمة الحالية، تُظهِر منذ فترة علامات غير متوقعة على الحياة. التطورات الإيجابية يبدو أنها تؤدي إلى مفعول أوباما مؤجل (أو لعله مجدَّد)، حيث إن الأسواق في مختلف أنحاء العالم تشعر بالابتهاج من هذا الخبر. حتى سعر النفط تحسن بصورة ملحوظة، على خلفية التوقع باحتمال انتهاء الفترة الطويلة من انهيار الطلب الذي كان يبدو أنه لا نهاية له. ورغم أن هذا الخبر يبعث على التشجيع، إلا أن فترة استمرار هذا الانقلاب في الأوضاع أمر في غاية الأهمية.

خطة جايثنر (وزير خزانة أمريكا) هي خطوة مهمة تعد عملياً علامة تأخرت كثيراً على افتتاح جبهة جديدة في معركة السلطات الأمريكية ضد الأزمة الاقتصادية العالمية. الخطة تعمل (بصورة متأخرة) على إحياء النية الأصلية لبرنامج "إغاثة الموجودات المعتلة" الذي وضعه وزير المالية الأمريكي السابق هنري بولسون، للتصدي للجبل الكبير من الموجودات السامة الموجودة في حوزة البنوك الأمريكية. برنامج الإغاثة الأصلي تم تعديله بسبب الصعوبات في تسعير الموجودات المعتلة والخلافات حول كيفية استخدام الأموال بأكبر قدر من الكفاءة في ظل البيئة الهشة تماماً في أعقاب انهيار بنك ليمان براذرز. ولعل من المناسب أن الخطة تستفيد من نحو 75 مليارا إلى 100 مليار دولار من المبالغ المتبقية في البرنامج.

الخطة مبنية على برنامج الاستثمار بين القطاعين العام والخاص. إضافة إلى المبالغ المباشرة التي تضعها وزارة المالية، تتوقع الخطة أن يتم تجميع مساهمات مقابلة من مستثمري القطاع الخاص. لكن أهم ما في الخطة أن جوهر التمويل مهيكل حول ضمانات القروض، وهي ضمانات مقدمة من البنك المركزي الأمريكي ومن المؤسسة الفيدرالية للتأمين على الودائع. هذه الخطة، حين تدعم الميزانيات العمومية بضمانات الأموال (وليس بالتقديم المباشر للأموال)، فإنها تتجنب تقديم طلب آخر للحصول على الأموال الحكومية من الكونجرس، وهو طلب ينطوي على الإحراج وربما لا يكون ممكناً من الناحية السياسية.

تعد هذه الخطة بشرى سارة من عدة وجوه. لعل أهم جانب فيها هو أنها حين تخلق سوقاً للموجودات المعتلة فإنها بذلك تعطي فرصة للبدء في عمليات تنظيف هذا الحمل الثقيل الذي أحدث شللا في كثير من الأسواق وأدى إلى تكبيل قدرة البنوك على أداء دورها الطبيعي. على حد تعبير جان كلود تريشيه، رئيس البنك المركزي الأوروبي: "لن يكون أي شيء قادرا فعلاً على العمل إلا حين يعود القطاع المالي إلى وضعه الطبيعي ويكون جاهزاً للإقراض بصفة مستدامة". تستطيع الخطة تسريع عملية التطبيع والمساعدة في تقليص المطلوبات التي ستقع على عاتق المواطن العادي دافع الضرائب. بصورة عامة، يعد البرنامج خطوة مهمة في السياسة العامة الرامية إلى التصدي لجذور الأسباب التي أدت إلى الأزمة الاقتصادية. بهذا المعنى يحتاج البرنامج إلى أن يُنظَر إليه في سياق الخطوات الأخيرة التي اتخذها البنك المركزي الأمريكي لتعزيز التيسير الكمي بصورة لا يستهان بها، وخطط الميزانية الطموحة للإدارة. فضلاً عن ذلك، تسعى الخطوات الفردية في السياسة النقدية والاقتصادية إلى التصدي للصعوبات التي تعانيها سوق العقارات.

تعد الخطة كذلك بشرى سارة للإدارة الأمريكية، على الأقل حتى الآن. جايثنر، الذي خيب توقعات السوق في البداية حين قدم إطاره قبل ستة أسابيع، تمكن من التفوق عليها الآن. مؤشر ستاندارد آند بورز 500 رحب بالخطة بأن قفز إلى الأعلى بنسبة 7 في المائة. من الواضح أن الإدارة الأمريكية مهدت الأرض لهذه الخطة بقدر من الحذر والعناية أكبر كثيراً من ذي قبل، بأن حصلت على موافقات عليها من اللاعبين الرئيسيين في السوق، مثل شركة بلاك روك Black Rock وشركة بيمكو Pimco.

وعلى الرغم من أن الخطة تنطوي على قدر كبير من إمكانية النجاح، إلا أنه لا يمكن بأي حال من الأحوال اعتبارها حلاً مضموناً. ذلك أن هناك عدداً من المخاطر المرتبطة بها.

- الأمر الأول والأساسي تماماً هو أننا لا نعلم إلى أي مدى ستعمل هذه الخطة على حل المشكلة التي وُضِعت لحلها. حتى تنجح الخطة فإنها بحاجة إلى ضمان أن تكون عملية التسعير ذات كفاءة بشكل أو بآخر. مع ذلك فإن هيكل الخطة لا يضمن ذلك بأي حال من الأحوال. والواقع أن المستويات العالية من الأموال المتوافرة كضمان ربما تدفع المشاركين في الخطة إلى دفع مبالغ أكثر من اللازم مقابل الموجودات المعتلة، ما يخلق بالتالي مخاطر غير ضرورية لضامني الخطة. هناك احتمال كبير بأن السوق التي تُخلَق بناء على أسعار مفتعلة ستقع في المشكلات مع الزمن، خصوصاً إذا تم تعديل الآجال والأحكام.

- إذا حققت الخطة النجاح بدرجة معقولة، هناك مخاوف مشروعة من أنها لن تكون بالحجم الكافي. الحجم المقترح للخطة، الذي يراوح بين 500 مليار وألف مليار دولار، أبعد ما يكون عن الكفاية لتنظيف الركام الهائل من الموجودات المعتلة، التي لا يزال حجمها في ازدياد بسبب التراجع الاقتصادي. وحيث إن حجم الموجودات المعتلة في الولايات المتحدة وحدها يقدر بنحو تريليوني دولار، فربما يكون من الضروري اتخاذ إجراءات مكلفة أخرى. ربما يتحقق بعض التقدم بفعل الحقيقة التي تقول إن الخطة تَعِد بخلق سوق لهذه الموجودات. مع ذلك فإننا لا نعلم إذا ما كانت السوق قادرة على العمل دون مساندة مباشرة من الحكومة. وهذا موضوع حساس بشكل خاص، وذلك بالنظر إلى التكاليف المتصاعدة للبرامج المختلفة التي تقترحها إدارة الرئيس أوباما، وبالنظر بصورة خاصة إلى الخلاف حول ما ينطوي عليه ذلك بالنسبة للميزانية المقترحة للدين الحكومي.

- لا يزال من غير الواضح حتى الآن إنْ كان البرنامج قابلاً للتصديق في أعين المشاركين المحتملين. النغمات التي تتسم بصورة متزايدة بالشعبوية في الجدال السياسي، وما يرافقها من العداوة المكشوفة، من كثير من أعضاء "الكونجرس" إلى رموز "وول ستريت"، تجعل عدداً متزايداً من الشركات يشعر بالتخوف من التعاون مع الحكومة. كما أن الجهود الرامية إلى استعادة العلاوات المدفوعة للتنفيذيين في المجموعة الدولية الأمريكية للتأمين AIG عمقت أكثر من ذي قبل الانطباع بتقلب الحكومة وعدم القدرة على التنبؤ بتصرفاتها. ورغم أن الحكومة خففت من لهجتها ووعدت بمعاملة المشاركين في الخطة على أنهم شركاء كرام، إلا أن الإحساس بعدم الثقة أصبح متجذراً بصورة عميقة. كثير من الشركات ربما تؤجل مشاركتها، وشركات أخرى ربما تنسحب إذا رأت علامات أخرى على المتاعب. إحدى المخاطر، من وجهة نظر سياسية بحتة، هي أن الخطة ستتعرض للانتقاد بأنها تقدم أرباحاً "مفرطة" إلى المشاركين فيها.

- كما هي الحال مع كثير من الخطوات التي اتخذتها السلطات الأمريكية، هناك مخاوف من أن الحل المحتمل لن يكون من شأنه إلا تحويل مشكلة إلى مشكلة أخرى. وفي حين أن هذا ربما يكون أمراً مرغوباً، خصوصاً في الحالات التي يتم فيها اكتساب مساحة لالتقاط الأنفاس في وقت عصيب من خلال تأجيل المشكلات، إلا أن هذا يأتي بصحبة مخاطر لا يستهان بها. ربما يعمل التيسير الكمي على تخفيف الضغط على الاقتصاد في الوقت الحاضر، ولكنه يخاطر بانفلات عقال التضخم. في الوقت الحاضر ربما تؤدي صفقة التحفيز من المالية العامة إلى تخفيف الضغط على الأجل القصير، ولكنها يمكن أن تخلق جبلاً من الديون. بالمثل، ربما يكون من شأن الخطة (ما لم يسِرْ كل شيء حسبما هو مرسوم له) أنها ببساطة تزيد من الفاتورة التي ستستحق السداد في يوم من الأيام.

أخيراً فإن آثار خطة جايثنر لا يمكن تقييمها إلا بعد بدء العمل بها. هناك احتمال بأنها ستخضع لمزيد من المراجعة، خصوصاً إذا كانت كمية الشراء المبدئية محدودة أو إذا كان وقع الخطة محدوداً. الأمر المرجح في هذه المرحلة هو أن التعديلات التي من هذا القبيل ستحمل الخطة إلى مستوى من التدخل الحكومي يكون أكبر حتى من ذي قبل. هناك بعض الخطر في انزعاج "الكونجرس" في منتصف الطريق إذا ظلت الإدارة عازفة عن التأميم أو اللجوء إلى حلول على نمط "البنك الرديء لاقتناء الموجودات الرديئة" في حالة عدم تحقيق النتائج المرجوة من المنهج القائم على التعامل مع السوق.

خطة جايثنر ليست كاملة وهناك احتمال كبير أن ينتهي المطاف إلى صرف النظر عنها في سبيل حلول أفضل. لكن أكثر الآمال الملموسة المعقودة على هذه الخطة هي أنها ستحقق الاستقرار النسبي في الأسواق، وبالتالي تقديم المساندة المؤقتة على الأقل لعملية قلب مسار التراجع الاقتصادي المندفع الذي اتسمت به الأشهر الأخيرة. هناك فرصة لخلق مزيد من الزخم الإيجابي، خصوصاً من خلال قمة العشرين المقبلة التي ستعقد في لندن، وهي قمة تنطوي على احتمال التفوق على التوقعات، على اعتبار أن التوقعات منها متدنية. لكن يظل الواقع أنه رغم أن النقطة الدنيا في الأزمة أصبحت أقرب من ذي قبل، إلا أن الأساسيات الاقتصادية لا تزال تبدو مثيرة للقلق الكبير ومملوءة بمخاطر لا يستهان بها.

كبير الاقتصاديين في "إن. سي. بي كابيتال" – الذراع الاستثمارية للبنك الأهلي السعودي.

الأكثر قراءة