انعكاس قرارات قمة لندن على الاقتصاد العالمي لن يحدث بين ليلة وضحاها
طغت أخبار قمة مجموعة العشرين، التي تتكون من أقوى 20 اقتصاداً في العالم (وتضم السعودية) على جميع الأخبار الاقتصادية خلال الأيام القليلة الماضية، حيث وضع قادة تلك المجموعة خططاً لإنعاش الاقتصاد العالمي وإجراء إصلاحات على تشريعات وأنظمة مراقبة النظام المالي. وقد تفاعلت الأسواق العالمية بإيجابية مع نتائج القمة التي لن يتضح نجاحها من عدمه إلا على المدى البعيد. هنا تقرير أعده براد بورلاند رئيس الدائرة الاقتصادية والأبحاث في "جدوى للاستثمار"
وتشمل أهم السياسات التي اتفق عليها في قمة مجموعة العشرين: تشديد قوانين وتشريعات مراقبة النظام المالي تأسيس مجلس لاستقرار النظام المالي بهدف تحقيق تناغم وتعاون بين الدول فيما يختص بالتشريعات والإشراف ورصد أي مخاطر محتملة، وستمتد التشريعات لتشمل صناديق التحوط وغيرها من المؤسسات المالية بخلاف البنوك التجارية التي تلعب دوراً مهماً في النظام المالي العالمي. كذلك سيتم تنقيح وتعديل الأنظمة الخاصة بمخصصات ومكافآت العاملين في قطاع المال، فضلاً عن سن تشريعات جديدة لمنع الإفراط في الاستدانة، وحث القطاع المالي على مزيد من الحرص خلال فترات الأداء الاقتصادي الطيبة. وعلاوة على ذلك سيتم فرض عقوبات على دول الملاذات الضريبية التي لا تلتزم بالحد الأدنى من المعايير الدولية للشفافية، كما سيتم تحسين المعايير المحاسبية وجعلها قابلة للتطبيق عالمياً مع رفع درجة الإشراف على وكالات التصنيف الائتماني لمنع تضارب المصالح.
دعم وتعزيز المؤسسات المالية العالمية
تخصيص 1.1 تريليون دولار للمؤسسات المالية الدولية، التي ستشكل مصدراً رئيسياً لتمويل الاقتصادات الناشئة التي تعتبر الآن عاجزة عن الحصول على التمويل من البنوك التجارية الأجنبية. وسوف يتوزع هذا المبلغ كالآتي: سيتلقى صندوق النقد الدولي مبلغ 750 مليار دولار في شكل مساهمات يقدمها أعضاء مجموعة العشرين، كما سيعمل الصندوق نفسه على جذب 250 مليار دولار من خلال إصداره أصولا احتياطية جديدة، إضافة إلى مبلغ 100 مليار دولار قروضا جديدة إلى بنوك التنمية الإقليمية (تم التعهد بنسبة كبيرة من هذا التمويل قبل انعقاد القمة). علاوة على ذلك فقد التزمت القمة بإجراء إصلاحات وتحديث في المؤسسات المالية الدولية تفضي إلى توفير عدد أكبر من الأصوات للاقتصادات الناشئة.
#2#
تطوير التجارة والاستثمار ومكافحة الحمائية
سيتم توفير 250 مليار دولار على الأقل لتمويل التجارة خلال العامين المقبلين عبر برامج تمويل الصادرات الوطنية وهيئات الاستثمار وبنوك التنمية الإقليمية، كما تعهد المؤتمرون بعدم وضع الحواجز أمام التجارة والاستثمار فضلاً عن احترامهم لقوانين منظمة التجارة العالمية.
لكن في واقع الأمر فإن نجاح القمة أو فشلها لن يتضح إلا على المدى البعيد، فبالرغم من سلامة المبادئ التي أُتفق عليها وإن كانت التفاصيل حول جوانب كثيرة منها غير متوافرة حاليا، إلا أن القمة تعتبر جزءاً من عملية متصلة ولن تظهر فاعلية تلك المبادئ إلا في وقت لاحق. وتعد المبادئ التي اتفق عليها، التي سيكون تأثيرها مباشراً في الاقتصاد العالمي قليلة جداً، كما لم تعلن برامج تحفيز اقتصادي جديدة وهي برامج كانت تمثل رغبات بعض الحكومات. ويتوقع أن يقلص الدعم الذي حظي به صندوق النقد الدولي مخاطر حدوث أزمات اقتصادية في الاقتصادات الناشئة، حيث يشير الاتفاق بشأن إجراء إصلاحات شاملة في التشريعات المالية وتعزيز موارد صندوق النقد الدولي إلى احتمال زيادة التعاون الدولي خلال السنوات المقبلة فيما يتعلق بانتشال الاقتصاد العالمي من براثن الركود وصياغة الهيكل المالي الجديد بالرغم من عدم ضمان الالتزام بالتدابير الجديدة، حيث إن أعضاء مجموعة العشرين كانوا قد تعهدوا بمكافحة نظام الحماية في قمتهم العام الماضي ولكنهم أدخلوا عديدا من تدابير الحماية منذ ذلك الوقت وحتى الآن.
وبرز حدثان اقتصاديان مهمان خلال الأيام القليلة الماضية، الأول كان إقدام البنك المركزي الأوربي يوم الخميس على خفض سعر الفائدة بمعدل يقل عما كان متوقعاً حيث تم خفض سعر الإقراض من 1.5 في المائة إلى 1.25 في المائة (توقع المحللون خفضه إلى 1 في المائة)، ولكن البنك أكد عدم نيته الإعلان عن أي خطط لاتخاذ إجراءات مالية غير مألوفة لحفز البنوك على عمليات الإقراض (مثل شراء ديون حكومية) حتى أيار (مايو). وقد ارتفعت قيمة اليورو بنسبة 2 في المائة مقابل الدولار نتيجة لذلك الخفض. أما الحدث الثاني فهو كشف بيانات العمل التي أُعلنت الجمعة في الولايات المتحدة فقدان 663 ألف وظيفة في آذار (مارس) حيث قفز معدل البطالة إلى 8.5 في المائة مسجلاً أعلى معدل له خلال 25 عاماً. وقد فقد الاقتصاد الأمريكي أكثر من مليوني وظيفة خلال الأشهر الثلاثة الأولى من هذا العام. ولكن ورغم أن البيانات جاءت أسوأ بقليل عما كان متوقعاً إلا أنها لم تقوض الشعور الإيجابي في سوق الأسهم، الذي نتج عن اجتماعات قمة العشرين.
التداعيات على الاقتصاد السعودي
على الأرجح ستأتي التداعيات الاقتصادية لقمة مجموعة العشرين على المملكة محدودة الأثر على المدى القريب، فبالرغم من أن المملكة ستستفيد بلا شك من أي انتعاش في الاقتصاد العالمي إلا أن التدابير التي تم اتخاذها في لندن لا تضمن تحقيق ذلك الانتعاش، كما أن أي تحسن في الأوضاع الاقتصادية لن يحدث بين ليلة وضحاها. وبما أن المملكة ظلت تؤكد بصفة مستمرة خططها للإنفاق الاستثماري الذي يبلغ 400 مليار دولار خلال خمس سنوات، فليس من الوارد أن تؤدي أي من تلك التدابير التي تم الاتفاق عليها في قمة العشرين إلى تغيير هذه الخطة.
وتنتهج المملكة سلفا سياسات تنظيمية وإشرافية محافظة لمراقبة البنوك كما تنعدم فيها المؤسسات المالية من شاكلة صناديق التحوط. وبالرغم من أنه قد تكون هناك ضرورة لإجراء بعض التغييرات في تشريعات البنوك في حالة تم الاتفاق على صيغة عالمية بهذا الأمر، إلا أن تداعيات ذلك لن تتضح حتى تتم تسوية التفاصيل الخاصة بتلك التشريعات. من ناحية أخرى صرح بعض المسؤولين الحكوميين أن السعودية لم تسهم بعد في التمويل الإضافي لصندوق النقد ولكنهم يدرسون إمكانية تقديم أشكال أخرى من الدعم، التي ستأتي على الأرجح في شكل ضمانات قروض. ونعتقد أن أهم فائدة جنتها المملكة من قمة العشرين هي مشاركتها فيها، حيث كانت القمة اعترافاً واضحاً بأهمية الدور الذي تلعبه الاقتصادات الناشئة الرئيسية في الاقتصاد العالمي والذي يجب أن يؤدي إلى زيادة إسهامها في وضع سياسات الاقتصاد العالمي.