شكرا يا أزمة!
"ما تحتاج إليه أمريكا.. أظافر أكثر اتساخاً وعقول أكثر نظافة"
الممثل الكوميدي الأمريكي ويل روجرز
على العالم العربي ـ الغارق كغيره في أسوأ أزمة اقتصادية عالمية ـ أن يلطف قليلا من كراهيته وحقده وضيقه لهذه الأزمة، وأن ينظر إلى الجوانب الإيجابية لها، سواء حيث إيجاد الحلول لها، أومن خلال التحولات (لاسيما السياسية منها) التي أفرزتها. صحيح أنها أنتجت له المصاعب ـ وأحيانا المصائب - وأربكت معيشته اليومية. وصحيح أنها نالت من الحاضر، ومساحة زمنية ليست قصيرة من المستقبل. وصحيح أيضا أنها قلبت الأولويات وعكرت "صفو" الروتين السياسي والاجتماعي، وقللت من حجم الآمال، وعبثت بالأحلام الوردية. وصحيح أيضا وأيضا.. أنها أفرغت الجيوب، وملأت كشوف الحسابات المصرفية بالديون. كل هذا صحيح وأكثر, لكن الصحيح أيضا أنها ـ أي الأزمة - أحدثت شيئا ما كان للعرب ( والعالم أيضا) أن يتوقعوا حدوثه، بل ما كان لهم أن يحلموا بحدوثه. شيء.. ليس من الخيال, هو من الواقع. شيء اكتسب أهميته، ليس من جوهريته (هذه تحتاج إلى زمن طويل لتتكرس)، بل من فرادة حدوثه.
ما هذا الشيء؟ إنه خوف إسرائيل (لأول مرة) من تقليص المساعدات الأمريكية - العسكرية وغير العسكرية - المقدمة لها، بينما لا تزال الولايات المتحدة غارقة في محيط الأزمة. والواقع أن واشنطن أقدمت في مطلع العام الحالي على فرض قيود في المجال العسكري، ولم تسمح لإسرائيل بالحصول على مجموعة من الأسلحة طلبتها البعثة الأمنية الإسرائيلية في العاصمة الأمريكية، ما هز الدوائر الأمنية الإسرائيلية، ومعها المسؤولون الحمائم منهم ـ إن وجدوا- والصقور المنتشرون في كل الأرجاء. وتزداد الخشية أيضا في تل أبيب على صعيد المساعدات الأمريكية الأخرى، ولا سيما في ظل وجود إدارة ورثت أبشع اقتصاد في تاريخ البلاد، وأسوأ آليات اقتصادية للحلول، من إدارة بددت الأموال برعونتها، وقتلت الأخلاق بجهلها، ودمرت ما تبقى من سمعة بلادها بحمقها. ولكيلا أتهم بأنني من الحالمين، أعترف مسبقا بأن الثوابت الأمريكية تجاه إسرائيل لن تتغير، وأن الالتزام الأمريكي حيال هذه الدولة الغاصبة لن يحيد عن مساره، وأن اللوبي العربي في الولايات المتحدة ـ مهما علا شأنه - لن يجاري مستوى قوى الضغط الإسرائيلية واليهودية في واشنطن.
وللتأكيد على ذلك، أقول: حصلت إسرائيل من الولايات المتحدة منذ عام 1949 حتى يومنا هذا، على أكبر المساعدات المالية والعسكرية، مقارنة بأية دولة أخرى على وجه الأرض. فمنذ ذلك العام حتى عام 1997 (حسب تقرير واشنطن حول الشرق الأوسط) بلغ حجم المساعدات والقروض الأمريكية لإسرائيل 74.157.600.000 دولار أمريكي. وبلغت المساعدات الأخرى ( التي تدخل ضمن نطاق مساعدات واشنطن الخارجية) 9.047.227.200 دولار. ووصل حجم الأموال الناتجة عن الفوائد التي تستفيد منها إسرائيل لأنها تحصل على المساعدات كاملة دفعة واحدة (مساعدات الولايات المتحدة للدول الأخرى تقدم بالتقسيط) 1.650.000.000 دولار. وبذلك يصل المجموع الكلي لهذه المساعدات بين العامين المذكورين إلى 84.854.827.200 دولار. ولكي أؤكد أنني لا أحلم، أقول: إن حصة الفرد الإسرائيلي من المساعدات الأمريكية تبلغ 14.630 دولار، بينما تصل حصة الفرد الأمريكي في تقديم هذه المساعدات إلى 23.240 دولار. وإذا ما جمعنا الفوائد على مجموع المساعدات، مع حجم المساعدات نفسها، تكون إسرائيل قد تسلمت في غضون 48 سنة 134.791.507.200 دولار أمريكيا, وهذا يعني أن تل أبيب حصلت على 2.808.156.400 سنويا بين العامين 1949 و1997. وطبقا لتقرير آخر صدر في واشنطن أواخر عام 2008، فقد تسلمت إسرائيل من واشنطن بين عامي 1998 و2008 أكثر من 32.451.670.000 دولار. وبذلك يصبح المجموع الكلي لهذه المساعدات 167.243.177.200 دولار أمريكي.
هذا عن الأرقام.. أما عن الوقاحة الإسرائيلية فلا منافس لها.. لماذا؟. في أيلول (سبتمبر) من العام الماضي طلبت وزيرة الخارجية الإسرائيلية السابقة تسيبي ليفني من نظيرتها الأمريكية السابقة كونداليزا رايس، أن تحول واشنطن مساعداتها لتل أبيب باليورو وليس بالدولار الأمريكي، لأن العملة الأمريكية كانت مصابة بالتراجع المتواصل في ذلك الحين!. هل من وقاحة أعمق من ذلك؟! لكن لنستعرض رد رايس الصادم بتملقه للدولة العبرية. ماذا قالت لـ "الحبيبة" الإسرائيلية؟ : "لا يوجد اتفاق بين بلدينا يحدد نوع العملة التي يجب أن نقدم بها مساعداتنا, ولذلك فإننا سنقوم بتحويل الأموال باليورو أو أية عملة أخرى، بما يكفل المصلحة الإسرائيلية". يا إلهي.. لقد قامت رايس بتحقير وضعية عملة بلادها الوطنية (والعالمية)، من أجل المصلحة الإسرائيلية، بعد أن وعدت قبل عامين، بزيادة مساعدات الولايات المتحدة إلى إسرائيل، لتصل إلى 30 مليار دولار على مدى السنوات العشر المقبلة.
كل هذا وأكثر، يعزز – مجددا - حقيقة العلاقة المتكاملة بين الولايات المتحدة وإسرائيل. لكن الموقف الأمريكي الأخير، المتمثل في القيود الأمريكية التي فرضت على مجموعة من الأسلحة ترغب إسرائيل في الحصول عليها، يحتاج إلى وقفة، خصوصا مع الأزمة الاقتصادية العالمية، ومع وجود إدارة أمريكية أكثر اطلاعا على الواقع، وأكثر ممارسة للحسابات السياسية والاقتصادية والعسكرية، مقارنة بالإدارة الجمهورية الراحلة. إن الفارق بين هذه القيود، وتلك التي أعلنها الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الأب، ضد إسرائيل لإجبار قادتها على المرونة، خلال مؤتمر السلام الدولي الشهير حول الشرق الأوسط، الذي عقد في مدريد عام 1991 بحضور جميع أطراف النزاع.. أقول: إن الفارق كبير جدا. فقيود الرئيس الحالي باراك أوباما كانت عملية، بينما دخلت قيود بوش الأب في نطاق الاستهلاك الإعلامي.
والذي يعزز هذا التوجه، تحول جديد في واشنطن، مرتبط بالقوة النووية الإسرائيلية، التي لا يزال المسؤولون الإسرائيليون – منذ خمسينيات القرن الماضي- ينفون وجودها أصلا. فالأول مرة في التاريخ، تعترف الولايات المتحدة بامتلاك إسرائيل السلاح النووي، عن طريق وثيقة نشرتها وزارة الدفاع الأمريكية أخيرا. الوثيقة كانت سرية، لكنها نشرت بعد ذلك على الموقع الإلكتروني للوزارة، وتقع في 37 صفحة، تؤكد الحقيقة التي يعرفها الجميع (على الأقل منذ عام 1986 عندما فجر المهندس النووي الإسرائيلي مردخاي فانونو فضحية إسرائيل النووية)، ولم تكن واشنطن طوال عقود مستعدة (أو مهيأة) للاعتراف بها. الوثيقة لا تكتف بالاعتراف فقط، بل تؤكد أن إسرائيل " قوة نووية متنامية". صحيح أن هذه الوثيقة وضعت إيران وباكستان والهند والصين وكوريا الشمالية ضمن النطاق النووي.. لكن ما الجديد في هذا؟. الكل يعترف بامتلاك هذه الدول للقوة النووية.
في الولايات المتحدة قانون صدر عام 1977 باسم "سمنغتون" ( نسبة لواضعه السيناتور الديمقراطي ستيورات سمنغتون) حول المساعدات الأمريكية للدول الأجنبية. هذا القانون ينص على حجب المساعدات عن الدول التي توسع برامجها النووية والعسكرية وترفض تفتيش خبراء وكالة الطاقة النووية. نحن نعلم أن القوانين الأمريكية التي تنال من إسرائيل لا تطبق, بل يسعى السياسيون الأمريكيون إلى التفنن في اختلاق الحيل للالتفاف حولها. لكن مجرد الاعتراف الرسمي الأمريكي بوجود السلاح النووي الإسرائيلي يمثل تحولا كبيرا، يمكن التأسيس عليه في سياق التحرك المناوئ لإسرائيل على الساحة الأمريكية، ومن الأفضل للقوى العربية التشبث به إلى آخر مدى، والاستعانة بـ "السلاح" الذي توفره الأزمة الاقتصادية العالمية.
لكن هل كان العالم في حاجة إلى أزمة بهذا الحجم وتلك القوة، وبهذه البشاعة، لكي يشهد التحول الطفيف – الجديد في المواقف الأمريكية حيال إسرائيل؟ إذا تعمق هذا التحول في المستقبل، وأخذ مكانا مؤثرا ضمن الآليات السياسية الأمريكية، يجب علينا أن نقول: "شكرا يا أزمة"؟!