رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


المناطق الصناعية .. الاحتياط للمستقبل

قبل أكثر من عام كتبت في "الاقتصادية" بتاريخ 9 شوال 1428هـ مقالا بمناسبة وضع حجر الأساس لمشروع جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية ذكرت فيه أنه ليس من المبالغة القول إن المرء كلما تمعن في فكرة إنشاء الجامعة تبدت له ملامح وآفاق جديدة من الإبداع في ذلك المشروع الحضاري الكبير، وهو أمر ليس مستغرباً، إذ جاء ذلك المشروع في إطار رؤية شاملة تبناها خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز تستشرف مستقبل هذه الأمة من منظور تاريخي فحواه أن التقدم الاقتصادي للأمم لا يدوم إن لم تسنده قاعدة متينة من أدوات البحث والابتكار في نظام اجتماعي ينعم بالأمن والاستقرار. تلك الرؤية الحكيمة أثبتتها خلال القرنين الماضيين تجارب الشعوب شرقاً وغرباً.
من بين ملامح ذلك الإبداع في مشروع الجامعة أنها باتت نقطة جذب لعديد من المشاريع الكبرى الاقتصادية والاجتماعية كالمنطقة الصناعية التي أعلنت عنها في الآونة الأخيرة أمانة محافظة جدة في شرق "ثول" بمساحة تزيد على تسعة ملايين متر مربع، وما أعلنته أيضا الأمانة عن تخصيص موقع بمساحة مماثلة تقريبا لإنشاء مدينة الملك عبد الله الرياضية جنوب "ثول" على طريق جدة - المدينة السريع. ثم هناك الحراك الذي كشفت عنه أخيرا مدينة الملك عبد الله الاقتصادية في تسليم عدد من المستثمرين مواقع في منطقتها الصناعية الواقعة شمال "ثول". بمعنى آخر أن الخريطة الجغرافية للنشاط الاقتصادي والاجتماعي حول جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية بدأت تتشكل بوتيرة متسارعة.
تلك الاستثمارات جديرة بالإعجاب والدعم على كل المستويات الرسمية والأهلية، إلا أن إيقاعها السريع لابد أن يواكبه إيقاع مماثل في التخطيط والتنسيق لتلافي أية تداخلات أو مؤثرات ضارة، لا سمح الله، سواء كانت اجتماعية أو بيئية. إذ لابد، على سبيل المثال، أن نحافظ في الشريط الساحلي على معايير بيئية عالية الجودة فيما يخص الهواء، مياه الشرب، الشواطئ، وغيرها. تلك الاشتراطات تقودنا بالضرورة إلى اختيار مواقع قصية للصناعات تدرأ عن المناطق الساحلية عوادمها وضوضاءها المرتقبة. ليس ذلك فحسب، بل إن إبعاد المناطق الصناعية عن مراكز العمران الحالية والمستقبلية له مزايا أخرى لعل من أهمها قدرة الصناعة على التوسع مستقبلا إذا حجزت لها مساحات كافية من الآن. ذلك البعد لن يشكل تكلفة إضافية أو يؤثر في الجدوى الاقتصادية للمشاريع الصناعية التي قد تقام هناك بعد أن أبرم عقد المرحلة الأولى من مشروع قطار الحرمين في مطلع العام الجاري. إذ إن وجود شبكة نقل ذات تكلفة منخفضة نسبيا يمكن توظيفها بشكل إيجابي يخدم المنطقة الصناعية في "رابغ" والأخرى المزمع إنشاؤها في شرق "ثول" بربطهما بميناء جدة الإسلامي والجسر البري الذي سيمتد بين الساحل الغربي للمملكة وبين ساحلها الشرقي.
ذلك الدور الذي يمكن أن تلعبه شبكة النقل في توسعة الخيارات المتاحة لإقامة المناطق الصناعية يحسن تفعيله من الآن قبل أن نجد أنفسنا أمام واقع يصعب تغييره ولاسيما في المواقع القريبة نسبيا لتجمعات سكنية ساحلية من المنتظر أن تشهد قريبا نموا غير مسبوق. على أن تلك المرونة في الاختيارات لا ينبغي أن نقصرها على ملف المدن الصناعية فحسب، بل لابد من مراعاتها في التخطيط الشامل لكل الاستخدامات الجديدة في ذلك الموقع البكر.
وفي ذلك السياق نتطلع أن تزاد المساحة المخصصة للمنطقة الصناعية المزمع إنشاؤها في "ثول" إلى عشرات الملايين من الأمتار المربعة كي تفي باحتياجات تلك البقعة الواعدة وما ينتظرها من نشاط اقتصادي - علمي خلال الخمسين عاما المقبلة. كما نتطلع أن تكون تلك الصناعات ورديفتها شمالا في مدينة الملك عبد الله الاقتصادية في رابغ حقولاً خصبة لاحتضان ما ستجود به عقول ومختبرات جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية من اكتشافات واختراعات. ولا أظن أن هناك حاجة إلى التأكيد على أهمية المحافظة على بيئة عمل لتلك العقول بعيدة عن كل مصادر التلوث المحتملة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي