لا يزال التقدم بطيئا
أسفر انفجار في جنازة شمال شرقي بغداد الأسبوع قبل الماضي عن مقتل وإصابة عشرات الأشخاص. وكان هذا ثالث هجوم من نوعه خلال أسبوعين، ما يلقي بظلال جديدة من الشكوك حول قدرة الحكومة العراقية والقوات المسلحة على الحفاظ على أمن الدولة مع بدء الأمريكيين بالرحيل إلى ديارهم. ورئيس الوزراء، نوري المالكي، حريص على ضمان انتقال سلس للسلطة في المحافظات العراقية بعد الانتخابات التي جرت قبل شهرين. ولا يزال عليه إجراء انتخابات قد تؤدي إلى تفجر الأوضاع لانتخاب مجلس محافظة جديد في كركوك، المدينة المنقسمة عرقيا والمتنازع عليها الواقعة على خط الصدع بين الأجزاء العربية من العراق ومنطقة كردستان التي تتمتع بالحكم الذاتي.
ويجب على المالكي أيضا أن يتوقف عن تجنيد أفراد جدد في الشرطة، بسبب انخفاض سعر النفط وتشديد الميزانية. وقد تباطأت أيضا خطط ضم المتمردين السابقين إلى قوات الأمن النظامية في العراق، ما أثار المخاوف بأن يصبح "أبناء العراق"، الميليشيات القبلية السنية في معظمها التي حولت الأمور ضد الجهاديين المرتبطين بالقاعدة خلال العام الماضي أو نحو ذلك، إلى متمردين مرة أخرى.
ويبدو المالكي واثقا من نفسه على العلن. فقد قال أخيرا: "فيما يتعلق بسحب القوات الأمريكية، أعتقد أن العراقيين قادرون على السيطرة على الأمور". ولكن على الرغم من أن مستوى الأمن في العراق أفضل بكثير مما كان عليه قبل عامين، إلا أن التمرد لم ينته على الإطلاق.
وتحتفظ حركة القاعدة في بلاد الرافدين، كما يطلق على نفسه الجناح العراقي من الحركة الجهادية، بموطئ قدم في الموصل، أكبر مدينة شمالي العراق، حيث لا تنتهي عمليات التفجير والاغتيالات. ولا تزال أجزاء من محافظة ديالا، الواقعة شمال شرقي بغداد، عنيفة، حيث تتصاعد حدة التوترات بين الأكراد والعرب على طول حدودها الشمالية مع كردستان، حيث وقع التفجير الانتحاري. وفي انتخابات كانون الثاني (يناير)، فاز العرب السنة الذين كانوا محرومين من حقوقهم في السابق بعدد أكبر بكثير من المقاعد في مجالس المحافظات في نينوى (التي تعد الموصل المدينة الرئيسية فيها) وديالا. إلا أن هذا لم يضعف بعد التمرد في أي من المحافظتين. وقد أدت مزاعم التزوير الانتخابي في ديالا إلى تأجيل تأكيد النتائج، ومنحت المتمردين مبررات أكثر لافتعال المشكلات.
وقد تغير تماما الوضع في جنوب العراق، خاصة في مدينة البصرة الغنية بالنفط، عما كان عليه قبل عام، حين قامت القوات العراقية والأمريكية، بتحريض من المالكي، بمهاجمة والتغلب على الميليشيات الشيعية التي كان قد سمح لها بإدارة زمام الأمور في فترة مراقبة القوات البريطانية في المنطقة. وساعد هذا النجاح ائتلاف الأحزاب، بقيادة حزب الدعوة الذي يترأسه المالكي، على تحقيق فوز ساحق في محافظات الجنوب قبل شهرين على حساب المجلس الأعلى الإسلامي في العراق، وهي حركة شيعية منافسة.
ولكن هناك مخاوف من أن يثير فيلق بدر، الميليشيا التابعة للمجلس الأعلى الإسلامي في العراق، والتي لها علاقات مع إيران، المشكلات لتقويض المالكي. ومن غير الواضح أيضا فيما إذا كان جيش المهدي الموالي لمقتدى الصدر، رجل الدين الشيعي المتطرف المدعوم أيضا من قبل إيران، سيستمر في التواري عن الأنظار أم يخطط للعودة للعنف. فقد كان يسيطر على مساحات كبيرة من الجنوب قبل عام فقط. ولم يختف تماما بعد - وقد يثير الفتنة من جديد.
وقد زادت مثل هذه المخاوف في الآونة الأخيرة حين تم ضرب القاعدة البريطانية الرئيسية خارج البصرة بصاروخ للمرة الأولى هذا العام. وسيتم خلال الأشهر المقبلة استبدال الجنود البريطانيين هناك، البالغ عددهم 4100، بجنود أمريكيين. وسيتم في غضون بضعة أيام إقامة مراسم الاحتفال بنقل السلطة من جنرال بريطاني إلى جنرال أمريكي. إلا أن استمرار وجود القوات الأجنبية في الجنوب قد يثير الميليشيات النائمة حتى الآن، خاصة بما أن القوات الأمريكية تفرض وجودها بصورة أقوى من نظرائها البريطانيين في الشوارع. وتعج قاعدة البصرة بالفعل بمدرعات الهمفي والآلات القوية التي تسمى المركبات المقاومة للألغام والكمائن.
ويعتمد الكثير على قدرة مجلس المحافظة الجديد في البصرة على البدء بمشاريع البناء الكبيرة، وتحسين الخدمات العامة، ومساعدة مئات الآلاف من العاطلين عن العمل من الشباب والنساء على العودة إلى العمل. ويقول مصطفى عطير ريزان، عضو المجلس الذي تم انتخابه حديثا والذي يدعم المالكي: "نحن بحاجة إلى شبكة صرف صحي ومياه الصنابير وإمدادات كهرباء أفضل. والخدمات الصحية أسوأ مما هي عليه حتى في أكثر الدول فقرا." وأضاف أن التعليم مريع. "ولكن بدأ شيء إيجابي يحدث في العراق."
وبعد مرور ست سنوات على إسقاط صدام حسين من قبل الأمريكيين، لا تزال تجربة العراق في الديمقراطية تتقدم بصورة مضطربة. وقد بدأ القادة السياسيون الجدد في اكتساب الشرعية في أذهان الناس، على الرغم من وجود الجنود الأمريكيين خلفهم. وحين تنسحب قوات الاحتلال من مراكز المدن إلى القواعد خارجها، كما هو مقرر بحلول نهاية حزيران (يونيو)، قد يبدو القادة العراقيون مسؤولين عن السيطرة على الأمور في دولتهم. علاوة على ذلك، فإن الأحزاب الدينية المسؤولة عن الكثير من النزاعات الطائفية التي دمرت العراق في الأعوام من 2005 إلى 2007 أقل بروزا اليوم، بعد أدائها السيئ في الانتخابات المحلية.
ولكن لا تزال السياسة تبدو غالبا فاسدة. وربما لا تزال السلطة والمال أكثر أهمية من الأصوات. وفي محافظة كربلاء جنوبي العراق، كان يتوقع أن يصبح المرشح المستقل الذي فاز بنسبة 13 في المائة من الأصوات، وهي نسبة أكثر من أي شخص آخر، حين رشح نفسه على أساس برنامج علماني مناهض للفساد، حاكم المحافظة. ولكن تم منعه من ذلك، بسبب قواعد الانتخابات التي تفضل الأحزاب الكبيرة. ولا تزال الصراعات بين الأحزاب المتنافسة تضر بمصالح العراق، حيث يسجل السياسيون النقاط على حساب بعضهم بعضا في البرلمان، مما أدى إلى طريق مسدود فيما يتعلق بالتصويت لإقرار تشريعات حيوية مثل قانون النفط الذي طال انتظاره.
والحدث المهم التالي في العراق هو الانتخابات العامة في نهاية هذا العام، والتي من المحتمل أن تغير شكل حكومة التحالف، التي هي حاليا مزيج سيئ من العرب الشيعة، الذين يشغلون معظم المناصب، والعرب السنة والأكراد، وهو شركاء أقلية. ومن المرجح أن يحاول المالكي، وهو من العرب الشيعة، الفوز بولاية ثانية كرئيس للوزراء. وبغض النظر عمن سيفوز، فلا أحد على يقين من أن الأحزاب المهزومة وقادتها ستتقبل بهدوء حكم الشعب.