الخطط المالية الأمريكية تنعش الأسواق العالمية
تجاوبت الأسواق العالمية بشدة مع مبادرتين رئيسيتين بشأن السياسة الاقتصادية أعلنتهما الحكومة الأمريكية ترميان إلى تخليص القطاع المالي من أصول الرهن العقاري المسمومة ومن ثم إنعاش الاقتصاد.
وكانت وزارة الخزانة الأمريكية قد كشفت يوم الإثنين عن خطة لمعالجة معضلة الأصول المالية المسمومة التي تعانيها البنوك، تقوم على خلق شراكات بين الحكومة والمستثمرين من القطاع الخاص. وتتلخص الفكرة في أن يؤدي تخصيص الحكومة رأسمالا يراوح بين 75 و100 مليار دولار ودمجه مع أموال من القطاع الخاص وتسهيلات ائتمانية يقدمها "الاحتياطي الفيدرالي" وشركة ضمان الودائع الفيدرالية إلى تكوين مبلغ مشترك تبلغ قيمته نحو 500 مليار دولار (يمكن رفعه إلى 100 تريليون دولار) لشراء قروض عقارية متعثرة تعانيها البنوك. وتقوم الشراكات المختلفة بين الحكومة والقطاع الخاص بتقديم عروض لشراء تلك الأصول المتعثرة التي تود البنوك التخلص منها حيث يناط بالشريك من القطاع الخاص مهمة إدارة الأصول التي تم شراؤها بموجب تلك الشراكة. علاوة على ذلك تتضمن خطة وزارة الخزانة برنامج إقراض جديدا لدعم مشتريات القطاع الخاص من أنواع معينة من الأوراق المالية المضمونة برهن عقاري.
وقال تقرير أعده براد بورلاند رئيس الدائرة الاقتصادية والأبحاث في "جدوى للاستثمار" إن ابتكار آلية فاعلة للتخلص من القروض المتعثرة في ميزانيات البنوك يعد أمراً حيوياً لاستعادة سلامة القطاع المصرفي التي تعد بدورها شرطاً رئيساً لإنعاش الاقتصاد. وتتعاطى هذه الخطة مع إحدى العقبات الكأداء التي أعاقت المحاولات السابقة لمعالجة الأصول المتعثرة من خلال استخدام عملية تقديم عروض من القطاع الخاص لتحديد سعر السوق للقروض والأوراق المالية. وقد رحبت الأسواق بهذه الخطة إذ جاءت الاستجابة الأولية للدعم من قبل كبار المستثمرين مشجعة، ولكن يعتمد النجاح النهائي لها على حجم مشاركة القطاع الخاص وعلى إمكانية اتفاق القطاع الخاص والبنوك على سعر مناسب تتم بموجبه عملية بيع الأصول.
ومن ناحية أخرى اتخذ مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي (البنك المركزي) يوم الأربعاء خطوة جريئة أخرى في سعيه الحثيث لإنعاش الاقتصاد، تتلخص في إعلانه نيته شراء دين حكومي أمريكي بقيمة 300 مليار دولار خلال الأشهر الستة المقبلة، فضلاً عن زيادة قيمة مشترياته من ديون الرهن العقاري التي كان قد رصد لها سابقاً قيمة 750 مليار دولار إلى 1.25 تريليون دولار، وكذلك توسيع فئة الأصول التي ستستفيد من مشروع تسهيلات الأصول المصرفية المورّقة التي تدعم إصدار القروض للسيارات والطلاب وبطاقات الائتمان.
وترمي خطوات مجلس الاحتياطي إلى خفض أسعار الفائدة وبالتالي التشجيع على عمليات الإقراض وكذلك إلى خفض تكلفة خدمة الدين. وستركز المشتريات على السندات لأجل يراوح بين سنتين إلى عشر سنوات، حيث لم تنخفض أسعار الفائدة لتلك الآجال بمستوى انخفاضها نفسه بالنسبة للاقتراض قصير الأجل. ورغم أن عائدات السندات الحكومية تراجعت مع الإعلان لكن ليس ثمة ضمان بأن يترجم هذا الأمر إلى زيادة في الطلب على الاقتراض في ظل الغموض الشامل الذي يكتنف وضع الاقتصاد العالمي. وعلى أية حال تعد هذه الخطوة دليلا واضحا آخر على عزم وتصميم مجلس الاحتياطي الفيدرالي على فعل كل ما في وسعه لإنعاش الاقتصاد، إلا أن الإجراءات الحكومية تستغرق بعض الوقت حتى تكتسب الزخم المطلوب.
#2#
وقد تفاوت مستوى تجاوب الأسواق إزاء تلك الإجراءات الأخيرة بحسب فئات الأصول، حيث هبطت العائدات على سندات الحكومة الأمريكية هبوطاً حاداً (سجلت العائدات على سندات الحكومة الأمريكية لأجل عشر سنوات يوم الأربعاء أكبر تراجع لها في يوم واحد منذ 20 عاماً)، بينما أدت المخاوف بشأن التضخم الناتج عن النمو السريع في عرض النقود اللازمة لشراء الدين إلى انخفاض قيمة الدولار الذي سجل أكبر خسارة أسبوعية له مقابل اليورو فيما يقارب خمس سنوات.
وقد ركزت أسواق السلع على التأثير الإيجابي المتوقع لتلك الإجراءات على الاقتصاد، ما أدى إلى تخطي أسعار النفط (خام غرب تكساس القياسي) مستوى 50 دولاراً للبرميل لأول مرة منذ نهاية تشرين الثاني (نوفمبر). وتشير عملية جني الأرباح التي جرت بعد الارتداد الصعودي الأخير إلى أنّ تأثر أسواق الأسهم العالمية بقرار مجلس الاحتياطي جاء ضعيفاً رغم استجابته القوية لخطة معالجة الأصول المسمومة (ارتفع مؤشر "داو جونز" الصناعي يوم الإثنين بنسبة تقارب 7 في المائة). وقد أدى ارتفاع أسعار النفط والمكاسب التي حققتها أسواق الأسهم العالمية إلى دعم سوق الأسهم السعودي الذي سجل ارتفاعاً في سبع من آخر ثماني جلسات محققاً ارتفاعاً كلياً يشارف 11 في المائة.
التداعيات على اقتصاد المملكة
عادة ما تتعقب السياسة النقدية في السعودية نظيرتها الأمريكية بسبب الربط بين سعر صرف الريال مع الدولار وبسبب غياب وسائل مراقبة رأس المال (في الظروف الطبيعية تؤدي الفروقات الكبيرة بين أسعار الفائدة السعودية والأمريكية إلى تدفق رؤوس الأموال بصورة ملحوظة إلى الدولة التي تكون فيها أسعار الفائدة أعلى). وكان البيان المصاحب للتدابير الأخيرة التي اتخذها "الاحتياطي الفيدرالي" قد أشار إلى أن أسعار الفائدة ستستقر عند مستوى الصفر لبعض الوقت، ولذلك سينصب التركيز على أدوات مالية أخرى من أجل تحفيز الاقتصاد. وبما أن أوضاع الاقتصاد والقطاع المالي في المملكة يعتبران أفضل كثيراً من تلك في الولايات المتحدة، فليس هناك أي احتمال أن تتبنى السعودية أياً من تلك التدابير المالية غير المألوفة التي سيتم تطبيقها في أمريكا.
وفي واقع الأمر تناسب أسعار الفائدة الحالية المنخفضة جداً الاقتصاد السعودي، ولكننا نعتقد أن تلك الأسعار في حاجة إلى الارتفاع في المملكة قبل أن ترتفع في الولايات المتحدة بسبب الاختلاف الكبير في القوة النسبية للاقتصادين. ورغم أن الحذر المفرط الذي يتوخاه المستثمرون في المرحلة الراهنة يوفر حيزاً لرفع أسعار الفائدة في المملكة (حيث يطلب المستثمرون الأمريكيون فائدة أعلى بكثير لتحويل أموالهم إلى الخارج)، إلا أن هذه المرونة تعد محدودة.
وربما يؤدي إطالة أمد أسعار الفائدة المنخفضة جداً إلى آثار سلبية غير مباشرة على التضخم. وتشهد معدلات التضخم انخفاضاً في جميع أنحاء العالم في الوقت الراهن بسبب تراجع أسعار السلع وتباطؤ النشاط الاقتصادي، بل نرجح أن تشهد تلك المعدلات مزيداً من الانخفاض، إلا أن الضغوط التضخمية المحلية ستظل ماثلة نتيجة لانخفاض أسعار المساكن كثيراً مقارنة بحجم الطلب عليها وبسبب اختناقات أخرى في الاقتصاد. فإذا ما اقترن التضخم بالانخفاض الكبير في أسعار الفائدة وبقيمة الدولار التي ما انفكت تتهالك مع احتمال حدوث قفزة كبيرة في التضخم العالمي بمجرد حدوث الانتعاش، فإنه مرشح للانطلاق مرة أخرى في المملكة في النصف الثاني من عام 2010.