شريف يفوز في معركة
لقد كان الحدث السياسي في باكستان مثيرا، فمع اقتراب الحشد الغاضب من الطوق الذي فرضته الشرطة خارج منزل زعيم المعارضة الباكستاني، نواز شريف، "أسد البنجاب"، في 15 آذار (مارس)، انهارت الشرطة مثلما يذوب ثلج الربيع. وقد كان يعتقد أنهم احتجزوا شريف في منزله ذلك الصباح، واعتقلوا العشرات من مؤيديه خارجه. ولكنهم كانوا من البنجاب المخلصين، وشريف، الذي شغل منصب رئيس الوزراء مرتين في السابق، هو من البنجاب. وخرج شريف ورفاقه من مخبئهم مع هدير السيارات الرياضية مخترقين الحواجز.
وحين وصل موكبه إلى وسط لاهور، عاصمة البنجاب، اجتذب مئات الأشخاص، الذين كان يلوح عديد منهم بالعلم الأخضر الإسلامي لحزبه، الرابطة الإسلامية الباكستانية (نواز). وانضم إليه بعض رجال الشرطة، الذين كانوا قد ألقوا في السابق قنابل مسيلة للدموع على الحشود. وتحدث شريف من خلال مكبر صوت من ظهر سيارته المضادة للرصاص من نوع Toyota Landcruiser، وأعلن أن الثورة قد بدأت. وقاد شريف الموكب الذي يضم سيارات الدفع الرباعي والسيارات الصغيرة والدراجات البخارية، انطلق إلى إسلام آباد، التي تبعد 300 كيلومتر (185 ميلا)، حيث كان الرئيس المستبد تعيس الحظ، آصف زرداري، يقبع خائفا.
وبعد منتصف الليل بقليل، تسربت أخبار بأن رئيس وزراء زرداري، يوسف رضا جيلاني، سيدلي بتصريح. وكان المستبد قد تراجع على الرغم من انقضاء ست ساعات قبل خطاب جيلاني المتلفز. وأعلن أنه ستتم إعادة افتخار تشودري، رئيس المحكمة العليا الذي أقاله الرئيس السابق، برويز مشرّف عام 2007 والذي يدافع عنه شريف منذ ذلك الحين، وذلك في 21 آذار (مارس). وذهب شريف وأنصاره إلى منازلهم منتصرين.
ولا بد أنه كان يتوقع هذا. ومع أن هذا الحدث الدرامي لم يكن مخططا له بدقة، إلا أنه كان يتم التخطيط له خلال عشرة أيام من المفاوضات المحمومة بين زرداري وشريف وقائد الجيش، الجنرال أشفق كياني، مع وساطة أمريكا وبريطانيا. وفي دولة ليس لها تاريخ يذكر في التسويات السياسية، يستحق الجميع الثناء على هذا، حتى زرداري، الذي أثار الأزمة حين ضغط على المحكمة العليا التي منعت الشهر الماضي شريف وشقيقه، شهباز، من شغل مناصب عليا، وحين حل حكومتهم في البنجاب.
كما أن النتائج السياسية تستحق الاحتفال بها. فقد تراجعت مكانة زرداري، الرئيس الذي لا يحظى بالشعبية لدولة يُزعم أنه نهبها. وبإعادة تشودري، تم استعادة الحلم بتحقيق الاستقلال القضائي في الباكستان. أما شريف، الزعيم الشعبي المحافظ، الذي كان منبوذا من قبل الإدارتين السابقتين في باكستان وأمريكا، فيتحدث الآن إلى الجميع وهو واثق من فوزه بالسلطة في الانتخابات المقبلة في الباكستان، ولا شك أنه على استعداد تام للتقيد بالقوانين. ولتشجيعه – وكدلالته على استسلام زرداري في قضية تشودري - أعلن جيلاني أن الحكومة ستطلب من المحكمة العليا إعادة النظر في الحكم الذي أصدرته ضد الأخوين شريف. وفي الواقع، فإن جيلاني، والنظام البرلماني الذي يمثله، هو أحد الفائزين أيضا. ومن المفترض أن إذلال زرداري سيجعله أكثر احتمالية الآن بأن يفي بالوعد الذي قطعه منذ فترة طويلة بإعادة بعض السلطات الرئاسية التي ورثها من مشرّف.
ومع أنهم تضرروا جراء العار الذي لحق بزعيمهم، إلا أن بعض كبار الشخصيات في حزب الشعب الباكستاني الذي يترأسه زرداري يشعرون بالرضا في السر. فزرداري، أرمل بناظير بوتو، رئيسة الوزراء الراحلة، أصبح حاكما أخرق لإمبراطوريتها، حيث أثار استياء الحزب الذي يعتبر نفسه أكثر أحزاب الباكستان ليبرالية وديمقراطية. وقد كانت استقالة اثنين من الوزراء الذين ينتمون لحزب الشعب الباكستاني أخيرا والذين كانوا في السابق مقربين من بوتو، وهما رضا رباني وشيري رحمان، دليل على ذلك. فقد استقالة رحمان، وزيرة الإعلام، بعد أن تم وقف بث قنوات التلفزيون الإخبارية من قبل وزير الداخلية الحالية، رحمان مالك - أحد المقرّبين العديدين غير المنتخبين الذي كان زرداري يسيء حكم دولته التي ضربتها الأزمة من خلالهم.
ووعد جيلاني بحكومة أكثر نضجا، وتعهد بإقرار "ميثاق الديمقراطية"، وهو مخطط لتخليص المؤسسات الباكستانية، بما في ذلك القضاء، من النفوذ السياسي، وتقليل النفوذ السياسي للجيش، والذي كانت بوتو وشريف قد تفاوضا بشأنه حين كانا في المنفى عام 2006. وفي 17 آذار (مارس)، لمح رئيس الوزراء أنه يمكن تجديد التحالف بين حزب الشعب الباكستاني وحزب الرابطة الإسلامية الباكستانية (نواز)، الذي تم تشكيله بعد سحق أنصار مشرّف في الانتخابات العام الماضي والذي انهار بعد أن أخلف زرداري بوعده بإعادة تشودري. ولا يبدو هذا محتملا. إلا أن لدى قادة الباكستان الآن فرصة ثانية لإنجاح هذه الحكومة. وهذه أمر ضروري للغاية. فقد كان التفجير الانتحاري في روالبندي في 16 آذار (مارس)، على الطريق المخطط لمسيرة شريف التي تم إجهاضها، بمثابة تذكير على خطر الجهادية المتنامي.
ومن المؤسف أن الضرورة العامة لم يسبق أن ألهمت السياسيين في باكستان بالامتناع عن التناحر بينهم. وقد يوفر تشودري، القاضي المستقل الذي لم يحصل على كثير من الثناء إلا بعد محاولته المتأخرة لمواجهة مشرّف، أسباب لذلك. فقد تمت إقالته من قبل قائد الجيش الديكتاتوري السابق، تحت ستار حالة الطوارئ، لأنه كان يبدو مستعدا لإعلان أن إعادة انتخاب مشرّف الوشيكة حينها كرئيس والعفو الذي تم منحه لبوتو وزرداري على تهم الفساد يتعارضان مع الدستور. ولهذا السبب كان زرداري والجيش غير راغبين في إعادة تشودري.
ويقول حلفاء القاضي إنه لن يعيد فتح هذه المجادلات. إلا أن معارضي الحكومة والجيش، بمن فيهم عمران خان، لاعب الكريكيت الذي دخل المجال السياسي، يصطفون الآن لتقديم التماس لمحكمته بفعل ذلك. ويمكن الضغط بقوة على القضاة، وإن كانوا مستقلين إلى حد ما، لكيلا يصدروا قرار بأن مشرّف مثلا استولى على السلطة (مرتين) بصورة غير شرعية، وأنه يجب أن تتم محاكمة زرداري بسبب الفساد حالما يفقد حصانته الرئاسية. ولتفادي الأزمات التي قد تنتج عن ذلك، قد يرسخ البرلمان، بقيادة شريف وزرداري، الآن تراث مشرّف المشكوك فيه قانونيا في الدستور. ومن المرجح أن يكون هذا في إطار مجموعة من الإصلاحات الدستورية، بما في ذلك بعض الإصلاحات التي تصورتها بوتو وشريف - مثل رفع الحظر عن الولاية الثالثة لرئاسة الوزراء وإلغاء سلطة الرئيس بإقالة الحكومة.
ومن الصعب أن يؤمل بكل هذا. فشريف يكره مشرّف، منفذ الانقلاب الذي أطاح به، وهو معروف بنزعته الانتقامية. كما أن زرداري وشريف لا يثقان ببعضهما بعضا أبدا. ولكن على الأقل يبدو أن الجيش، وكذلك أمريكا، عازمان هذه المرة على محاسبة السياسيين بنزاهة. ومن تاريخه المؤلم، يعرف شريف ثمن إحباط آماله. وينبغي على زرداري أن يعرف هذا أيضا الآن.