لندن: "الحمائية التجارية" تزيد الأزمة عمقا ولا تعالجها

لندن: "الحمائية التجارية" تزيد الأزمة عمقا ولا تعالجها

بدأت الحكومة البريطانية التي تستضيف قمة العشرين المقبلة، تشيع رسائل في أسواق العالم حول الملف الأساسي للقمة التي تعد الثانية في تاريخ المجموعة حيث انعقدت الأولى في واشنطن منتصف تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل.
وأعلن ممثل بريطانيا في اجتماع مجموعة العشرين أمس أن القمة التي ستضم الزعماء السياسيين في العالم الشهر المقبل ينبغي أن تتناول قضية تراجع النشاط التجاري العالمي الذي "ألحق آثارا مدمرة" بكثير من الدول.
وأوضح مارك مالوك براون وزير الدولة للشؤون الخارجية البريطاني أن قادة الاقتصادات الكبرى والناشئة في العالم الذي سيجتمعون في لندن يوم الثاني من نيسان (أبريل) يفهمون الآن أن التعافي من الأزمة المالية العالمية يرتكز على اتفاق مشترك وليس إلى إجراءات للحماية التجارية.
وقال وزير الدولة للشؤون الخارجية البريطاني لتلفزيون هيئة الإذاعة البريطانية "بي.بي.سي" أعتقد أن التجارة الحرة هي أكثر القضايا تفاعلا في الأيام القليلة التي تسبق القمة لأنه في أي مكان أتوجه إليه في العالم للتشاور بشأن هذه القمة أجد الدول وقد تضررت بشدة جراء الانهيار المفاجئ للتجارة، وأضاف "كل زعماء مجموعة العشرين يعرفون أن أكبر المخاطر الناجمة عن ذلك هو أن يغادروا هذه القمة باقتصاد عالمي مفتت ومتصارع".
وأفاد تقرير للبنك الدولي الأسبوع الماضي أن دولا بينها 17 دولة عضوا في مجموعة العشرين طبقت 47 شكلا من القيود التجارية رغم موافقة الزعماء خلال اجتماع سابق في تشرين الثاني (نوفمبر) على عدم فرض أي عوائق تجارية جديدة.
وفي الأسبوع الماضي تعهد الممثل التجاري الأمريكي رون كيرك والمفوضة التجارية الأوروبية كاثرين آشتون بالضغط من أجل التوصل إلى اتفاق في جولة الدوحة من محادثات منظمة التجارة العالمية بأسرع وقت ممكن.
وقال مالوك براون إن إنهيار التجارة أدى إلى انكماش صادرات بعض الدول الآسيوية 30 في المائة الشهر الماضي، وأضاف أنه رغم أن مجموعة العشرين ليست منتدى لإبرام الصفقات التجارية إلا أن بوسعها الاتفاق على إجراءات لا لتجنب الحماية التجارية بل لتدبير التمويل اللازم لاستئناف التجارة والاتفاق على تبادل الرقابة لاستعادة الثقة.
وكان الدكتور إبراهيم العساف وزير المالية السعودية قد أبلغ "الاقتصادية" قبل أسبوعين، أن العالم بدأ يعاني "الحمائية التجارية" التي ظهرت في أعقاب توسع نطاق الأزمة المالية العالمية. وقال الوزير في حينها إن قمة لندن "قمة العشرين" ستناقش هذه المسائل، خاصة مع النظر إلى أن حجم التجارة العالمية تقلص في الأشهر الأخيرة بسبب هذه الحمائية.
ولن يكون بحث "الحمائية التجارية" على حساب الملف الأول في القمة وهو الأزمة المالية العالمية وكيفية دعم القطاع المالي بالدرجة الأولى. وكانت واشنطن قد سربت إلى اجتماع وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية قبل أسبوعين أنها ستعمل جاهدة لمعالجة الأصول السامة في مصارفها لإنقاذ الاقتصاد العالمي.
وأكد مصدر مطلع أمس الأول أن وزارة الخزانة الأمريكية ستكشف على الأرجح وفي وقت قريب ربما الأسبوع المقبل عن خطة من ثلاثة أجزاء لتخليص النظام المالي الأمريكي من الأصول الفاسدة التي تخنق ميزانيات البنوك.
وقال المصدر إن الحكومة تعتزم إقامة كيان تديره مؤسسة التأمين على الودائع الاتحادية من أجل تقديم قروض بفائدة منخفضة للرساميل الخاصة لشراء الأصول الفاسدة من البنوك التي يرتبط كثير منها برهون عقارية وقد تدهورت قيمته.
وبحسب المصدر ستستعين الخزانة بمديري استثمار من خارجها لإدارة علاقات شراكة بين القطاعين العام والخاص لشراء الرهون العقارية المتعثرة بمساهمات رأسمالية متساوية بين الطرفين.
وقال المصدر إن المكون الأخير من الخطة ينطوي على قيام مجلس الاحتياطي الاتحادي "البنك المركزي الأمريكي" بتوسيع نطاق تسهيل لإقراض حملة الأوراق المالية المعززة بأصول ليشمل ما يسمى بالأصول "القديمة" وهي أوراق مالية قديمة تشكل ضغوطا كبيرة على النظام المصرفي لكن تسهيل البنك المركزي لم يكن يشملها.
وأضاف المصدر أنه لم يتضح بعد متى بالضبط ستكشف الخزانة عن خطتها إذ تود أولا تسوية مسألة مكافآت كبار المديرين التي يحاول المشرعون كبحها بالنسبة للمؤسسات التي تشملها جهود الإنقاذ الحكومية.
على صعيد ذي صلة، أفاد مصدر دبلوماسي فرنسي أن وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير الذي وصل الرياض أمس في زيارة للسعودية تستغرق يوما واحدا، سيتطرق في مباحثاته مع المسؤولين السعوديين إلى الأزمة المالية العالمية وإعادة تنظيم النظام المالي العالمي قبل أيام من قمة مجموعة العشرين".
والسعودية عضو في مجموعة العشرين التي تضم الدول الصناعية الرئيسة والنامية وستعقد قمة مخصصة للأزمة المالية العالمية في الثاني من نيسان (أبريل) قرب لندن.
من جهة أخرى، تعهد زعماء الاتحاد الأوروبي يوم الجمعة الماضي بتقديم نحو 100 مليار دولار كقروض إضافية لصندوق النقد الدولي ووضع نظام مالي للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي خارج منطقة اليورو في محاولة لمنع سقوط مزيد من الدول في هاوية الانهيار المالي.
وقال رئيس الوزراء البريطاني جوردون براون إن "القرارات التي اتخذناها اليوم والأموال الإضافية التي يتم الإعلان عنها ستساعد في ضمان أننا نبذل كل ما في وسعنا لإعادة الاقتصاد العالمي إلى النمو في أقرب فرصة ممكنة".
واتفق زعماء الاتحاد الأوروبي، خلال قمة تستمر يومين، على تقديم 75 مليار يورو (101.5 مليار دولار) كقروض لصندوق النقد الدولي إذا ما طلبت مساعدة وفي إطار دعوة المجتمع الدولي لمضاعفة الموارد المالية للصندوق.
وقال رئيس وزراء التشيك ميريك توبولانيك الذي تتولي بلاده الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي في تصريح للصحافيين إن القرض "سيمكن صندوق النقد الدولي من الاستجابة بشكل أفضل في سياق الأزمة".
في البداية كان الاتحاد الأوروبي يناقش تقديم ما بين 75 و100 مليار دولار لصندوق النقد الدولي، ووافق زعماء الاتحاد الأوروبي يوم الجمعة الماضي أيضا على مضاعفة قيمة القروض الممنوحة لصندوق أنشئ بهدف إنقاذ دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي خارج منطقة اليورو إلى 50 مليار يورو إذا بدأ أنهم على شفا التعثر في الوفاء بالدين العام لديها.
وقال دبلوماسيون إن هذه الخطوة لا يجب أن تفسر على أنها إشارة على أنهم يتوقعون أن يحذو مزيد من الأعضاء حذو كل من المجر، لاتفيا، ورومانيا الذين طالبوا بما يقدر بـ 16 مليار يورو كمساعدات من الصندوق لحماية عملاتهم من الإنهيار.
من جانبه، قال فالديس دومبروفسكيس رئيس وزراء لاتفيا الجديد في حديث لوكالة الأنباء الألمانية "د.ب.أ" إن بلاده قد لا تستطيع المحافظة على حدود عجز الميزانية المفروضة عليها في إطار خطة إنقاذ من صندوق النقد الدولي بسبب التباطؤ الذي جاء أكثر من المتوقع لكنه أعرب عن أمله في إعادة التفاوض بخصوص شروط الصندوق وقروض الاتحاد الأوروبي دون طلب مزيد من الأموال.
وبين رئيس وزراء لوكسمبورج جان كلود يونكر رئيس المجموعة غير الرسمية للدول التي تستخدم اليورو أن هذه الخطوة الهدف منها "أن نظهر لشركائنا في وسط وشرق أوروبا أن الاتحاد الأوروبي ككل على استعداد للتضامن كلما كانت هناك حاجة لهذا التضامن، وأنا أعتقد أنه لن يتم استهلاك هذا الحد من القرض".
ووافق الزعماء أيضا أخيرا بعد خمسة أشهر من الخلافات على خطة تهدف لإنفاق خمسة مليارات يورو من ميزانية الاتحاد الأوروبي على مشاريع لتحسين الطاقة وخدمات الإنترنت السريع وهي خطة رفضتها المفوضية الأوروبية الجناح التنفيذي للاتحاد الأوروبي في تشرين الثاني (نوفمبر).
وأقرت القمة الأوروبية أمس إطلاق شراكة جديدة مع جيران الاتحاد الأوروبي من دول جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق التي تضم أرمينيا، أذربيجان، جورجيا، مولدوفا، أوكرانيا، وبيلاروس "روسيا البيضاء" في أيار (مايو) المقبل.
وتمكن الزعماء الأوروبيون من التوصل إلى موقف مشترك قبل قمة مجموعة العشرين للاقتصادات الرائدة في لندن في الثاني من نيسان (أبريل) واتفقوا على أن تتركز قمة تعقد مع الرئيس الأمريكي باراك أوباما مقررة في الخامس من نيسان (أبريل) على أمن الطاقة والتغير المناخي والعلاقات مع الشرق الأوسط، جنوب القوقاز، وإيران.
من ناحية أخرى اقترب خوسيه مانويل باروسو يوم الجمعة الماضي أكثر من الحصول على الموافقة بفترة رئاسة ثانية للمفوضية الأوروبية بعد أن حصل على دعم أساسي من الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي.
وقال ساركوزي "أحببت دائما طريقته في العمل ولم أغير رأيي ولن أشعر بالخجل من تأييده"، وبدأ ساركوزي في السابق أقل حماسا بشأن تأييد باروسو رئيس وزراء البرتغال السابق المحافظ.
واقترح ساركوزي تأجيل ترشيح باروسو حتى بعد استفتاء تشرين الأول (أكتوبر) في أيرلندا الذي يأمل مؤيدون أن يمهد الطريق إلى تطبيق قواعد جديدة تحكم عملية تشكيل المفوضية الأوروبية.
يشار إلى أن حزب الشعب المحافظ في البرلمان الأوروبي أعرب عن تأييده الخميس الماضي لباروسو خلال اجتماع حضرته المستشارة الألمانية صاحبة النفوذ أنجيلا ميركل، وقال نائب رئيس الحزب بيتر هنتسيه في تصريح لوكالة الأنباء الألمانية "فيما يتعلق بهذه الأزمة على نحو خاص، يحتاج الاتحاد الأوروبي للوضوح والاستمرارية".
ويعد حزب الشعب المحافظ أكبر حزب في البرلمان الأوروبي وكان قد أيد باروسو قبل قمة الاتحاد الأوروبي التي عقدت في تشرين أول (أكتوبر)، ويتولى باروسو، الذي سيكمل عامه الـ 53، رئاسة المفوضية الأوروبية التي يعمل فيها أكثر من 20 ألف شخص منذ عام 2004.

الأكثر قراءة