البنك الدولي يطالب بإصلاحات هيكلية في أسواق العمل الخليجية
قال تقرير حديث للبنك الدولي إن التطورات السكانية العالمية ستؤدي إلى زيادة كبيرة في حركة انتقال العمالة خلال العقود المقبلة، ومن بينها أسواق العمالة في الخليج التي تحتاج إلى إصلاحات هيكلية لأن الإصلاحات الداخلية التي تهدف لتحفيز النمو وخلق الوظائف هي فقط التي يمكن أن تساعد بلدان المنطقة على التعامل مع الزيادة المطردة في أعداد الشباب. وفي الوقت ذاته يؤكد التقرير أن عددا من الإصلاحات المطلوبة في السياسات والمؤسسات بالداخل لتشجيع خلق الوظائف في القطاع الخاص وتعزيز نمو إنتاجية العاملين ينسجم مع الإصلاحات المطلوبة لجذب الوظائف إلى المنطقة واقتناص الفرص في أسواق العمالة العالمية.
في مايلي مزيد من التفاصيل:
قال تقرير حديث للبنك الدولي إن التطورات السكانية العالمية ستؤدي إلى زيادة كبيرة في حركة انتقال العمالة خلال العقود المقبلة. وأظهر التقرير الذي أصدرته إدارة منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في البنك الدولي بعنوان: "رسم ملامح المستقبل منظور طويل المدى لانتقال الأشخاص والوظائف لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا" أنه بحلول عام 2050 يمكن أن يصل الانخفاض في قوة العمل في بعض المناطق إلى ما إجماليه 215 مليون عامل فيما قد تشهد مناطق أخرى زيادة تتجاوز 500 مليون عامل. وجرى استعراض نتائج التقرير خلال حدث بمشاركة المفوضية الأوروبية في بروكسل.
في الوقت نفسه حذر خبير خليجي في أسواق العمل، من أن أسواق العمل الخليجية تواجه تحديات كبيرة ناجمة عن الخصائص الفريدة التي تتميز بها هذه الأسواق بالمقارنة ببقية دول العالم الأخرى.
ومن ضمن النتائج التي توصل إليها التقرير أن الطلب على المهارات على مستوى العالم سيتطلب مؤهلات أعلى على كافة المستويات المهنية. ومع ذلك فإن المناطق التي تتمتع بوفرة في الأيدي العاملة ومن بينها الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وجنوب الصحراء وجنوب آسيا ليست مستعدة بعد لتلبية هذا الطلب العالمي. وفي هذا الصدد تشير ليلى زلاوي الكاتبة الرئيسية للتقرير إلى أن مثال منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وأوروبا واضحا بشكل خاص. فبحلول 2050 من المتوقع أن تشهد قوة العمل في أوروبا تراجعا بنحو 66 مليون شخص بينما يتجاوز نمو القوة العاملة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا 40 مليونا. وعلى مدار العقدين المقبلين، سيبلغ الطلب على المهارات المتوسطة في أوروبا ذروته. وأضافت زلاوي إن تحسن نواتج التعليم وإسهام المرأة في القوة العاملة يمكن أن يزيد من قدرة العاملين في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا على اقتناص فرص التوظيف التي تتيحها السوق الأوروبية.
ويشير التقرير إلى أن الهجرة ليست العلاج الناجع لمشكلات البطالة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا حيث تحتاج اقتصاديات المنطقة إلى خلق أربعة ملايين فرصة عمل سنويا. ويؤكد التقرير إن الإصلاحات الداخلية التي تهدف لتحفيز النمو وخلق الوظائف هي فقط التي يمكن أن تساعد بلدان المنطقة على التعامل مع الزيادة المطردة في أعداد الشباب. وفي الوقت ذاته يؤكد التقرير أن عديدا من الإصلاحات المطلوبة في السياسات والمؤسسات بالداخل لتشجيع خلق الوظائف في القطاع الخاص وتعزيز نمو إنتاجية العاملين تنسجم مع الإصلاحات المطلوبة لجذب الوظائف إلى المنطقة واقتناص الفرص في أسواق العمالة العالمية.
وبالرغم من أن الهجرة تحتل مكانة بارزة على جدول أعمال السياسات الدولية اليوم إلا أن التركيز لا يزال منصب في المقام الأول على هجرة العمالة التي تتمتع بمهارات عالية وسياسات التكامل والمخاوف الأمنية. وعلاوة على ذلك يتطلب الاستعداد للمستقبل تغييرات واسعة في مجالات التعليم والتدريب والحماية الاجتماعية وأسواق العمل وسياسات الهجرة في البلدان المرسلة والمستقبلة على حد سواء. ويشير التقرير إلى أن السياسات الخاصة بانتقال العمالة سوف تشهد تعديلات مع تزايد الطلب العالمي على العاملين.
ومع ذلك يشير التحليل الوارد في التقرير إلى أن المعروض من المهارات قد يبقى عائقا مع الأخذ في الاعتبار طول الوقت المطلوب لتدريب العمالة الماهرة. وتضيف زلاوي أن: "تنمية المهارات عملية تدريب طويلة الأمد تبدأ بتعليم الطفل فأطفال اليوم هم من سيشكلون قوة العمل عام 2030 وستولد قوة العمل لعام 2050 وتتلقى تدريبها خلال الفترة المقبلة التي تراوح بين عشرة أعوام و20 عاما. فالتدريب من أجل سوق العمل العالمي لعام 2030 وما بعده يجب أن يبدأ الآن".
من جهة أخرى قال الأستاذ محمد دويتو الخبير في هيئة تنظيم سوق العمل في البحرين أن موقع دول مجلس التعاون الخليجي في الخريطة الدولية للهجرة يتسم بمجموعة من السمات الخاصة الفريدة من نوعها. فالهجرة في هذه المنطقة الحيوية من العالم، ناجمة عن وضع معين لأسواق العمل فيها، تطور ضمن سياق تاريخي واقتصادي محدد ، وعلى الرغم من سعي هذه الدول خلال العقود الماضية لتخفيض أعداد العمالة المهاجرة لديها ، إلا أن جهودها لم تحقق النتائج المتوقعة .
ويدعو ذلك إلى مراجعة نقدية بناءة لمفهوم هجرة العمالة "المؤقتة " السائد لوصف العمالة المهاجرة في دول المجلس، ومدى ملاءمته لطبيعة الاعتماد على العمالة ، وخصوصا أن جميع أنواع أنظمة الاستقدام مبنية على كون الحاجة " مؤقتة". وهي أنظمة بحاجة إلى التحديث ضمن سياسة واستراتيجية واضحة تجاه موضوع الهجرة وفق منظور تنموي يهدف إلى استقطاب الكفاءات والمهارات المكملة للموارد البشرية الوطنية المتوافرة، خاصة في أوساط الشباب والنساء من الداخلين لأول مرة إلى سوق العمل .
وقال إن دول مجلس التعاون الخليجي تقف أمام خيار المبادرة لاعتماد مبدأ الوقاية من المخاطر بدلا من انتظارها، ويمكن الاتفاق على أطر العمل الممكنة بين البلدان المصدرة للعمالة وتلك المستوردة للعمالة ، بناء على مجموعة من القيم والمبادئ المتفق عليها بين المجموعتين، ويمكن للأطر المقترحة للعلاقة بين مجموعة البلدان المصدرة للعمالة والمستوردة للعمالة أن تشمل مستويات متعددة ، أفقية وعمودية، وألا تقتصر فقط على مستوى الأجهزة الرسمية بل تشترك فيها قطاعات المجتمع المدني. من الضروري اعتماد مبدأ التركيز على الأولويات في وضع أهداف ومهام التنسيق بين بلدان المجموعتين: التركيز على مكافحة استغلال وإساءة استعمال العمالة المهاجرة باعتبارها مهمة ذات فوائد قصيرة وبعيدة الأمد لكلا المجموعتين .
وحول أنماط هجرة العمالة إلى دول مجلس التعاون الخليجي، قال خير أسواق العمل إن عدد المهاجرين في العالم بلغ ??? مليون نسمة عام 2007. ويعيش ? من آل ?? مهاجرين في بلدان متقدمة. وتشكل النساء ما يقرب من نصف عدد جميع المهاجرين الدوليين، وتفوق المهاجرات المهاجرين عددا في البلدان المتقدمة.
وهناك عملية استقطاب وتركز لحركة الهجرة على المستوى العالمي، إذ يتركز ثلاثة أرباع جميع المهاجرين الدوليين في ?? بلدا فقط، وأغلب المهاجرين الدوليين في العالم يستضيفهم عدد صغير نسبيا من البلدان. ولا يشكل المهاجرون غالبية من سكانه دائما، إذ إن في ثلثي جميع البلدان، يمثل المهاجرون الدوليون أقل من ?? في المائة من السكان. وتبقى الدول المتقدمة في قائمة الدول التي يتجه نحوها المهاجرون وذلك رغم تنوع الدوافع لذلك.
وعلى الرغم من أن حصة دول مجلس التعاون الخليجي من المهاجرين على المستوى العالمي متواضعة، إذ تبلغ ما يقارب ??? في المائة من إجمالي المخزون العالمي. الا أن خصوصية الوضع الخليجي تكمن في أن معدل النمو السنوي لأعداد المهاجرين إلى إجمالي سكان دول المجلس تفوق المستويات العالمية بصورة كبيرة للغاية . ولعل ذلك يفسر الى حد ما تصاعد الاهتمام العالمي بالظاهرة الخليجية في الهجرة.
وتؤثر حركة العمالة المهاجرة بصور مختلفة في كل من الدول المرسلة وتلك المستقبلة للعمالة والتغيرات الطارئة على طرف ستؤدي إلى تبعات على الطرف الآخر، وبالتالي لا يمكن فهم انتقال العمالة بصورة صحيحة ، إلا بأخذ التغيرات في مجموعتي الدول بعين الاعتبار .
على صعيد البعد الكمي للعمالة المهاجرة، فإننا نجد منذ السبعينيات والدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي تمثل وجهات رئيسية للعمال المهاجرين. حيث زاد عدد المهاجرين الى تلك الدول خلال الفترة من ???? وحتى 2008 بصورة كبيرة وملحوظة ، إذ ارتفع من ?،??? مليون إلى 14 مليونا.
وتبين المعطيات أن بلدانا مثل اليابان وماليزيا وسنغافورة وجمهورية كوريا أصبحت مراكز جذب مهمة للعمالة المهاجرة ، وتلك مسألة يجب عدم الاستهانة بها . فالاعتماد شبه المطلق على تدفقات العمالة الآسيوية لا يمكن أن يكون بمنأى عن التغيرات التي قد تطرأ على الدوافع للعمالة الآسيوية للقدوم إلى الخليج. ويمكننا الافتراض بأن هناك ثلاثة عناصر مهمة ستؤثر في حجم ونوعية العمالة الآسيوية القادمة إلى الخليج في المستقبل: الأول هو اتجاهات ومعدلات نمو اقتصاديات بلدان جنوب شرق آسيا بوصفها مراكز جذب " منافسة " للعمالة الآسيوية ، بالمقارنة بأسواق العمل الخليجية. والثاني اتجاهات تطور اقتصادات دول المجلس، خاصة القطاع الخاص ، على صعيد نوعية النشاط الاقتصادي ، وحجم النقص في المهارات اللازمة والمسارات التي يمكن أن يتخذها "توطين " الوظائف . والعنصر الثالث يكمن في الانعكاسات المحتملة للأشكال الجديدة من انتقال العمالة (البند الرابع من الجات المتعلق بحرية انتقال الأشخاص)، إضافة إلى تطور دور نشاط التوريد وما يعنيه من "هجرة " الوظائف إلى ما يعرف " بتلزيم الأعمال للخارج.
وفي الواقع فإن العناصر الثلاثة مترابطة ومتكاملة ونتائجها تؤثر بشكل كبير في نوعية العمالة خاصة الماهرة منها . سيضع ذلك أسواق العمل في دول المنطقة أمام تحدي جذب العمالة الماهرة أكثر من العمالة غير الماهرة. ويتطلب ذلك الإسراع في تكييف وتطوير مخرجات التعليم والتدريب لتواكب احتياجات سوق العمل من المهارات اللازمة. كما يضع القطاع الخاص أمام تحدي التكييف وإعادة الهيكلة اللازمة للأنشطة كثيفة العمالة .
لذلك، بات من المهم ضرورة إصلاح أسواق العمل الخليجية. إن تفاعل العوامل الداخلية والخارجية يحمل في طياته عديدا من المخاطر ، ولكن كذلك كثير من الفرص النادرة لإعادة توجيه مسار التنمية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في دول المجلس، بما يتفق مع مصلحة شعوبها ، وتعايشها مع شعوب العالم الأخرى .
ويمكننا إبراز أهمية عنصر مرونة وكفاءة سوق العمل، وخاصة أنظمة وسياسات الهجرة في علاقتها الوطيدة بالتوجه الحالي نحو تعزيز دور القطاع الخاص القيادي في خلق الوظائف. إن تنمية بيئة جاذبة للاستثمارات، مسألة يصعب تحقيقها في ظل أنظمة مقيدة لحركة العمالة. لذلك فإن التحديات الثلاثة الأساسية فيما يتعلق بإصلاح سياسات وأنظمة هجرة العمالة تكمن أولا انسجام السياسات وتكاملها في المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية ، وذلك على المستوى المحلي لكل دولة، وعلى مستوى التعاون الإقليمي، ويجب أن يهدف ذلك إلى تقليص الفجوة بين محدودية وجمود نظم الاستقدام المعمول بها واحتياجات القطاع الخاص، عبر اعتماد معيار اقتصادي لأنظمة الاستقدام . كما يتضمن ذلك تكامل وانسجام السياسات في مجالات الهجرة والعمالة والجنسية والاقتصاد التي برهنت التجارب على أن التعامل معها وفق سياسات جزئية أو منعزلة لا يمكن أن يكون ناجحا. وثانيا وجود إطار مؤسسي يوفر بيئة مناسبة لتكامل أدوار المؤسسات المعنية بموضوع الهجرة. وثالثا وجود شراكة ثلاثية على مستوى اتخاذ القرارات المتعلقة بهجرة العمالة ( الحكومات – أصحاب الأعمال – العمال ) .