الفرص تتولد من رحم الأزمة المالية العالمية .. كيف نصطاد؟

الفرص تتولد من رحم الأزمة المالية العالمية .. كيف نصطاد؟
الفرص تتولد من رحم الأزمة المالية العالمية .. كيف نصطاد؟

اعتبر الدكتور فهد بن صالح السلطان أمين مجلس الغرف السعودية، أن هناك قناعة في الخليج بأن الفرصة الاستثمارية والاقتصادية الثمينة تتوالد من رحم الأزمة العالمية، وأن من شأن القطاعين العام والخاص العمل على استثمارها بدلا من التعود على سماع الأخبار المزعجة عن الاقتصاد العالمي.
ويلفت الدكتور السلطان في مقال متخصص تنشره "الاقتصادية"، إلى إنه على المستوى الوطني هناك عديد من الفرص، في مقدمتها الفرصة المواتية لزيادة تحفيز جهود تنويع القاعدة الاقتصادية، تقليل الاعتماد على قطاع النفط، تسريع عمليات توطين العمالة، وتشجيع السياحة الداخلية، خاصة في ظل ارتفاع كفاءة الاستثمار بسبب انخفاض أسعار السلع وتراجع الضغوط التضخمية التي كانت تتعرض لها المملكة خلال الفترة الماضية.

في مايلي مزيد من التفاصيل:

بعد أن تعود قطاع الأعمال على سماع الأخبار المزعجة عن الاقتصاد العالمي، التي لا تدعو إلى التفاؤل بسبب الأزمة المالية العالمية وتداعياتها خلال الفترة الماضية، أصبح حريا بالقطاع الخاص ومؤسساته أن يطوي صفحة الخوض في تفاصيل ما حدث وكيف حدث، لأن هذا قد فات أوانه، وأصبح واضحاً للجميع كالشمس أن الرأسمالية في معقلها الأول لم تكن رأسمالية خالصة كما فهمها كثير منا، وذلك لأن جانبا كبيرا من أسباب الأزمة يرجع إلى تدخل الدولة من أجل إقراض من ليس لديه جدارة ائتمانية كافية ليتملك عقاراً. كما أن المستهلك لم يكن بالرشد الاقتصادي الذي يوصف به المستهلك في التنظير للرأسمالية وآليات عملها، وذلك لأن المستهلك أنفق أكثر من دخله بكثير، والمقترض أخذ قروضاً بضمانات ضعيفة أو دون تقديم ضمانات, وهو يعلم أنه غير قادر على السداد في المستقبل.
لقد كنت في لقاء مختصر مع أحد زعماء الخليج في الماضي القريب، وتم التطرق إلى الفرص التي تتولد في رحم هذه الأزمة، والتي يجب علينا كمجتمع خليجي أن نسارع إلى استثمارها، وقال لنا إن لدينا في مجتمعنا المحلي ما يسمى "الصيد في العجاج "، ويعني أن الصياد الماهر يمكن أن يحول سلبيات الجو في الأيام المغبرة غير المناسب للصيد إلى فرص يخسرها كثير من الصيادين الآخرين. والأمر كذلك بالنسبة إلى الأزمة المالية العالمية التي يواجهها العالم اليوم بما فيه اقتصادنا المحلي والإقليمي. فرغم أن غبار الأزمة العالمية وتداعياتها ما زال يتصاعد في أجواء الاقتصاد العالمي مسبباً عجاجاً يؤثر في وضوح الرؤية خاصة حول ما هو قادم من سيناريوهات اقتصادية، ومسبباً حالة من الترقب والتردد في اتخاذ القرارات من المستثمرين، إلا أن الواقع والمنطق يؤكد أن القطاع الخاص, ورغم هذا العجاج, أصبح معنيا أكثر من أي وقت مضى بقراءة الواقع الذي أفرزته الأزمة الاقتصادية عالمياً وإقليمياً ومحلياً قراءة متأنية صحيحة، ليتعرف على موضع قدمه حالياً، وعلى ما يتوافر لديه من قدرات وإمكانات، وعلى كيفية الاستفادة من الفرص التي أفرزتها هذه الأزمة، ولن يتأتى ذلك إلا من خلال نظر القطاع الخاص ومنشآته إلى نصف الكوب المملوء، وبث روح التفاؤل بين أوساط قطاع الأعمال، واغتنام فرصة الصيد أثناء هذا العجاج، والذي يمكن أن يحقق للقطاع الخاص الماهر صيداً وفيراً مقارنة بما كان يمكن تحقيقه في الظروف العالمية العادية، وذلك لأن أكبر الفرص الاقتصادية غالباً تولد من رحم الأزمات، ولأن التفاؤل والإقدام والمبادرة لاقتناص الفرص الاقتصادية له دور مؤثر في تحريك قوى السوق، وتنشيط الأداء الاقتصادي بصفة عامة.

ولذلك أعتقد أن ما يهمنا في المملكة، ويجب أن نركز عليه هو إعادة ترتيب أوراقنا وفقاً لما أفرزته الأزمة من فرص وتداعيات ودروس مستفادة، وأن نركز في المقام الأول على استغلال الفرص التي أفرزتها الأزمة. الأزمة العالمية رغم ضراوتها وسلبياتها تحمل في طياتها فرصاً طيبة وتتضمن بعض النقاط الإيجابية على مستوى الاقتصاد السعودي ككل وعلى مستوى الشركات في القطاع الخاص الوطني.

فعلى المستوى الوطني هناك عديد من الفرص في مقدمتها الفرصة المواتية لزيادة تحفيز جهود تنويع القاعدة الاقتصادية وتقليل الاعتماد على قطاع النفط، وتسريع عمليات توطين العمالة، وتشجيع السياحة الداخلية، خاصة في ظل ارتفاع كفاءة الاستثمار بسبب انخفاض أسعار السلع وتراجع الضغوط التضخمية التي كانت تتعرض لها المملكة خلال الفترة الماضية، وهي فرصة عامة تحمل في طياتها عديدا من الفرص الاستثمارية للقطاع الخاص الوطني في القطاعات والأنشطة الاقتصادية المختلفة. ويضاف إلى ما سبق وجود فرصة ذهبية لاستعادة الاستثمارات السعودية الموجودة في الخارج إلى المملكة لدعم عمليات الاستثمار وتمويل المشاريع التنموية العملاقة التي تم التخطيط لها، أو التي تم البدء فيها.
كما أن الفرصة مواتية لإعادة ترتيب الأولويات الوطنية في مجالات كثيرة خاصة ما يتعلق بطبيعة انفتاح اقتصادنا على العالم الخارجي، وطريقة اندماج اقتصادنا في الاقتصاد العالمي، والمعايير والضوابط التي تحكم هذا الانفتاح والاندماج، فالأزمة تخلق فرصة لمراجعة هذه المعايير والضوابط بحيث تحقق هدفين استراتيجيين، الهدف الأول هو تحقيق التوازن بين مزايا الانفتاح على الخارج وبين حماية الإنتاج والمنتج المحلي دون إفراط في الانفتاح أو تفريط في الحماية. والهدف الآخر هو تغيير طريقة اندماج الاقتصاد الوطني في الاقتصاد العالمي ليكون مندمجاً بطريقة تجعل نمو الاقتصاد الوطني ونشاط قطاعاته أقل اعتماداً على نمو ونشاط الاقتصاد العالمي، أي بطريقة تضمن أن يكون القاسم الأعظم من النمو الاقتصادي في المملكة نمواً ذاتياً لا يتأثر بالأزمات والصدمات الاقتصادية العالمية.
أيضاً هناك أهمية لإعادة ترتيب أولوياتنا في علاقاتنا الاقتصادية الخارجية، فدوائر العلاقات الاقتصادية الخارجية للمملكة متعددة ومتداخلة ومتقاطعة، وتحتاج إلى إعادة ترتيب للأولويات خاصة في ظل هذه الأزمة وتداعياتها، فلا شك أن المملكة تعطي الأولوية الأولى للدائرة الخليجية في علاقاتها الاقتصادية الخارجية، وقد تليها في الترتيب الدائرة العربية، ولكن تبقى الدوائر الأخرى تحتاج إلى ترتيب من حيث أولوياتها، وهي الدائرة الأوروبية والدائرة الآسيوية والدائرة الأمريكية وغيرها. وهنا أود التأكيد على ضرورة أن تكون للدائرة الإفريقية في علاقاتنا الاقتصادية الخارجية الأولوية المباشرة بعد الدائرة الخليجية والعربية، وذلك لأن الأسواق الإفريقية تعد أسواقا واعدة للصادرات السعودية، ولأن هناك مجالات متنوعة للشراكة الاقتصادية بين المملكة وهذه الدول، ولأن المملكة ما زالت لم تستغل ما لديها من علاقات وما تقدمه من مساعدات لهذه الدول لتنشيط تجارتها واستثماراتها في أسواقها.
#2#
كما يجب أن نستغل الفرصة التي أتاحتها الأزمة المالية أمام المملكة لطرح نفسها كاقتصاد كبير يمكن الاعتماد عليه في تحقيق توازن النظام الاقتصادي والمالي العالمي، وذلك لأن هذه الأزمة قد أنصفت أساليب التمويل الإسلامي، وطرحتها كبديل آمن للأساليب التقليدية التي أسهمت في حدوث هذه الأزمة. وهذا يمثل فرصة جيدة لطرح التمويل الإسلامي والمصارف الإسلامية بشكل مهني على المستوى العالمي، وللمملكة فرصة كبيرة في هذا المجال لو أحسن استغلالها، حيث يمكن أن تصبح المملكة بوابة للتمويل والمصارف الإسلامية في العالم، كما يمكن للمملكة أن تصبح طرفاً مؤثراً في الجهود الدولية لمواجهة هذه الأزمة من خلال مشاركتها في اجتماعات مجموعة العشرين التي بدأت في تشرين الثاني (نوفمبر) 2008، وسيكون لها جولة أخرى في نيسان (أبريل) المقبل ، وبذلك يمكن أن تنضم المملكة إلى قوى دولية صاعدة في هذا المجال مثل الصين والهند.
أما على مستوى الشركات, فالأزمة وفرت فرصاً للشركات الوطنية للاستحواذ على أصول خارجية بأسعار رخيصة، كما أتاحت لها الفرصة لشراء معدات رأسمالية بأسعار منخفضة يمكن أن تستخدم في توسيع الطاقات الإنتاجية للقطاع الخاص في المستقبل القريب. كما أن تراجع التضخم ليصبح نحو 7.9 في المائة في كانون الثاني (يناير) 2009، وتراجع أسعار كثير من المستلزمات الاستثمارية المحلية والمستوردة، مثل مواد البناء، والمواد الخام التي تستخدمها الصناعة، قد أدى إلى رفع كفاءة الإنفاق الاستثماري للقطاع الخاص، وهو ما سيشجع القطاع الخاص على إنجاز المشاريع التي بدأ فيها، ويشجعه كذلك على البدء في مشاريع جديدة.

وفي ظل هذه الفرص يجب ألا يؤدي عدم وضوح الرؤية بشأن مستقبل الاقتصاد العالمي إلى استمرار تخوف المستثمرين والتجار في المملكة، وذلك لأن الوضع الاقتصادي للمملكة ممتاز، ولأن اقتناص الفرص المتاحة في ظل هذه الأزمة يتطلب التخلي عن هذا الخوف والترقب، ومن هنا يجب على كل طرف من أطراف السوق من المستثمرين والتجار أن يقرأ الواقع قراءة صحيحة ويتعرف على كيفية تحقيق مصلحته، فالمستثمر السعودي في الخارج تقتضي مصلحته أن يعمل على إعادة أمواله المستثمرة في الخارج للمملكة حيث الاستقرار والأمان والربح، ومصلحة أصحاب الاستثمارات والمصانع القائمة تقتضي إجراء عمليات الصيانة في الوقت الراهن استعداداً للمرحلة المقبلة، وعدم الاندفاع في تسريح العمال، لأن تكلفة استعادة العمالة في المستقبل ستكون مرتفعة، ومصلحة أصحاب الاستثمارات الجديدة والمستثمرين الجدد تقتضي الابتعاد عن المضاربات غير المحسوبة بأموال الغير، وعدم الإفراط في استخدام أموال الغير لتمويل المشاريع دون حساب لمخاطر عدم السداد، والبحث عن مسارات جديدة للاستثمار بدلاً من المسارات التقليدية، واغتنام الفرص التي خلقتها الأزمة المالية التي تشجع على البدء في مشاريع جديدة. ومصلحة تجار المملكة من المستوردين في الوقت الراهن ليست في السفر إلى دول مثل الصين لشراء سلع رخيصة، ولكن الفرصة الكبيرة الآن في شراء المصانع وخطوط الإنتاج والسلع الرأسمالية المعروضة من قبل الشركات العالمية بأسعار مغرية وتسهيلات كبيرة.
وبجانب هذه الفرص الاستثمارية المواتية للاقتصاد الوطني ككل وللقطاع الخاص على وجه الخصوص، أود أن أؤكد أن هناك فرصة مهمة لاستفادة جميع أطراف السوق في المملكة من الدروس التي أفرزتها وستفرزها الأزمة العالمية الراهنة، خاصة ما يتعلق بالرهن العقاري، وعملية توريق الديون، كما أؤكد أن قطاع الأعمال الخاص في المملكة أصبح في ظل هذه الأزمة على قناعة بأنه على السفينة نفسها التي تضم القطاع الحكومي ومتخذي القرار وكل فئات المجتمع، وأنه يجب التعاون بين الجميع لمواجهة تداعيات الأزمة والاستفادة من الفرص التي أفرزتها.
وخلاصة القول في ضوء ما سبق أعتقد أن مصلحتنا تقتضي أن نطوي الصفحات الماضية من الأزمة المالية العالمية، وأن يستفيد القطاعان العام والخاص من الدروس والعبر لهذه الأزمة، وأن نركز على بث روح التفاؤل في الاقتصاد الوطني، وعلى استغلال الفرص التي أفرزتها، وأن نهتم أكثر بالمشاريع التنموية المؤثرة في معدل النمو وخلق فرص العمل. وإجمالاً أعتقد أن أمامنا بديلين: إما الانتظار والترقب لما يفعله الآخرون وتحمل تبعاته، وإما المبادرة والأخذ بزمام الأمور وإعادة ترتيب الأوراق واستثمار الفرص المتاحة.

واختتم بالمثل الصيني الشهير الذي يقول "عندما تهب الرياح ينقسم الناس إلى قسمين، قسم ينصب الطواحين، وقسم يختبئ في الأقبية".
والله ولي التوفيق.

الأمين العام لمجلس الغرف السعودية

الأكثر قراءة