محاولة تجنب الإحراج ثانية
تحتل الدول العربية مساحات كبيرة في منطقة الشرق الأوسط، إلا أن ميلهم للشجار فيما بينهم يجعل الآخرين يحصلون على الغنائم. فقد راقب العرب عاجزين حين دخلت أمريكا إلى العراق وحين ضربت إسرائيل لبنان وغزة، وحين نشرت منافستهم القديمة إيران نفوذها بمهارة. ولكن ظهور تحديات جديدة، إضافة إلى التوقعات بأن الدبلوماسية الأمريكية على وشك التغير، تحفز بذل جهود جديدة من قبل العرب لتسوية نزاعاتهم.
والتحديات مخيفة. فهي تشمل احتمالية أن تكون الحكومة الإسرائيلية المقبلة، التي تبدو مستعدة لتمكين الأحزاب من اليمين المتطرف، حساسة لعملية صنع السلام؛ واحتمالية امتلاك إيران لأسلحة نووية أو إثارة الاضطرابات بين الأقليات الشيعية في الدول العربية؛ واحتمالية أن يؤخر القتال بين الفلسطينيين، على المدى القصير، وصول المساعدات إلى أهل غزة البائسين وأن تدمر على المدى الطويل فرصة إقامة دولة فلسطينية موحدة. ويخشى أن تؤدي كل هذه التطورات معا إلى دفع المنطقة المضطربة إلى موجة جديدة ومريرة من الفوضى.
وهناك احتمالية مباشرة بالشعور بالإحراج حين يجتمع رؤساء الدول البالغ عددهم 22 في الجامعة العربية في وقت لاحق من هذا الشهر لعقد قمتهم السنوية.
وأخيرا استضاف العاهل السعودي في العاصمة السعودية، الرياض، الرئيس المصري والأمير الكويتي، إضافة إلى الرئيس السوري بشار الأسد. وقد كانت مصر والسعودية وسورية في السابق دعائم القومية العربية، إلا أن سورية انجرفت إلى مدار أكثر تشددا حول إيران، الدولة التي يعتبرها حلفاء أمريكا من العرب دولة أجنبية متطفلة تتدخل في شؤونهم. ويشعر نظراء الأسد أيضا بالغضب بسبب رعايته حزب الله، الحركة الشيعية المسلحة في لبنان، وحماس، الحزب الإسلامي الفلسطيني. ويعتبر السعوديون والمصريون هذه الجهات الفاعلة من دون الدولة وكلاء لإيران الثورية، التي قد تثير جرأتها في إصرارها على قتال إسرائيل هتافات الشعب العربي ولكنها قد تغرق حكوماتهم في نزاع غير مرغوب فيه.
ومثل أمريكا نفسها، لا يريد أصدقائها العرب أكثر من إبعاد سورية تماما عن تحالفها مع إيران. فهذا كان الهدف الفرعي لوابل متزايد من المقترحات الغربية للأسد، بما في ذلك زيارة إلى سورية من قبل أعلى مبعوثين أمريكيين منذ أن سحب جورج بوش سفيره عام 2004. ويعد قرار بريطانيا أخيرا بفتح المحادثات مع حزب الله جزء من النهج نفسه. وتنفي سورية حتى الآن أي نية بإبعاد نفسها عن إيران، معتبرة أن علاقاتها القوية، التي تعود إلى الثمانينيات، أفادتها جدا في تقوية نفسها ضد إسرائيل، التي تحتل جزءا من الأراضي السورية، وهي مرتفعات الجولان، منذ عام 1967.
إلا أن ذوبان الجليد المفاجئ في العلاقات السورية مع المصريين والسعوديين، الذين أصبحت خطاباتهم ضد إيران أخيرا أكثر عنفا، يوحي أنه قد يحدث إعادة ترتيب العلاقات على المدى البعيد. فارتباط سورية بإيران هو تكتيكي وليس استراتيجي، وفقا لأحد الدبلوماسيين المصريين، مشيرا إلى الانفصال الأيديولوجي بين نظام الأسد العلماني ونظام إيران الإسلامي العنيف.
المال عامل مساعد دائما
قد يكون المال وسيلة للضغط، فالأسد يواجه أزمة ميزانية قد تحدث قريبا جدا بسبب انهيار أسعار النفط، بالإضافة إلى الإنتاج السوري للنفط الذي يتراجع بسرعة. وإيران، الغارقة في العجز، ليست في وضع يمكنها من المساعدة، مقارنة بالممالك العربية التي لا تزال غنية بالنفط. إضافة إلى ذلك، فإن إيران نفسها تلمح بترحيبها الحذر بتحسين العلاقات مع أمريكا، لذا فإن سورية الذكية تشعر بالقلق من أن ينتهي بها الأمر بكونها العجلة الوحيدة المتبقية في المنطقة في محور الشر.
ويمكن بالفعل ملاحظة وجود تغييرات طفيفة في السياسة السورية. ومن المرجح أن يكون الرئيس السوري أغضب إيران أخيرا حين أعلن بهدوء دعمه للإمارات العربية المتحدة في نزاعها الإقليمي الذي طال كثيرا مع الجمهورية الإسلامية حول ثلاث جزر في الخليج. وقال أيضا أنه يرحب بإجراء محادثات سلام مباشرة مع إسرائيل شريطة أن توافق أمريكا على رعايتها وأن تفهم إسرائيل أنه يسعى لسلام شامل، وليس لصفقة منفصلة لا تخلص الفلسطينيين من وضعهم البائس.
والمهم بالقدر نفسه هو أنه يبدو أن الأسد يتجه بعيدا عن دعمه الشامل السابق لحماس، التي طالما كان قادتها في دمشق يبدون أكثر تشددا من نظرائهم المحاصرين في غزة. وقد شدد الأسد أخيرا أنه يعتزم الحفاظ على مسافة بعيدة بنفس القدر عن الفصائل الفلسطينية ويشجعها على السعي للمصالحة فيما بينها من أجل تقوية موقفها الدولي.
ومن المفترض أن يبهج هذا مصر، التي قد تؤتي جهودها المرهقة في سبيل تحقيق ذلك ثمارها أخيرا. وأخيرا، اجتمع ممثلون عن حماس، ومنافستها العلمانية فتح، وأحزاب فلسطينية أصغر، في القاهرة فيما وصفه المسؤولون المصريون محادثات حاسمة لتشكيل حكومة انتقالية قبل الانتخابات في كانون الثاني (يناير) المقبل. ويتقاتل الخصمان بمرارة وعنف منذ أن فازت حماس في الانتخابات على فتح عام 2006 وأتبعت ذلك بانقلاب استباقي في غزة عام 2007.
إلا أن المندوبين إلى اجتماعات القاهرة، الذين تم تقسيمهم إلى لجان لمعالجة قضايا محددة، أبلغوا عن إحراز تقدم وشيوع جو من المودة. وإذا شكّل الفلسطينيون مجلس وزراء من التكنوقراطيين بدلا من الأيديولوجيين، الأمر الذي يريده المصريون وفتح ولكن تعارضه حماس حتى الآن، قد يحصل سكان غزة على المساعدات وقد يتم استئناف محادثات السلام مع إسرائيل. وربما تكون ابتسامات الملوك والرؤساء العرب حقيقية حين يجتمعون في قطر في وقت لاحق هذا الشهر.