الترجمة .. سبيل نهوض الأمة
العلم والمعرفة هما اللذان يصنعان الفرق بين الدول المتقدمة والأقل منها! إذ أنهما سواء بمفهومهما الواسع أو المتخصص يقودان المجتمع نحو ارتقاء السلم الحضاري والتقدم الاقتصادي والصناعي والعمراني. وحقيقة الأمر أن النتاج العلمي والمعرفي لأي مجتمع لا يكفي لسد احتياجاته بل يتطلب البحث عما عند الآخرين والاستفادة منه في عملية التطوير والإضافة عليه. وبنظرة فاحصة على مصادر المعرفة وتاريخ تطورها نجد أنها لا تقتصر على أمة بعينها تحتكر إنتاجها، بل إنها في مجموعها حصيلة إسهامات تراكمية لجميع أمم وشعوب الأرض. ومن هنا كانت أهمية الدعوة لتفعيل دور الترجمة في الوطن العربي ونقل ما لدى الآخرين ليس فقط فيما يتعلق بالجانب الصناعي وما يحويه من مخترعات ومنتجات وأساليب جديدة في الإنتاج أو في مجال الطب والفيزياء والكيمياء وغيرها من العلوم الأساسية والتطبيقية، ولكن أيضا في الجانب الثقافي والاجتماعي ونظم وآليات إدارة الاختلاف في المجتمع وتطوير عملية صنع القرار العام والعمل الحكومي. كما أن العولمة فرضت بعدا آخر ومهما للتبادل المعرفي بين الأمم في تفعيل الحوار والتواصل والتقريب بين الشعوب. فهناك تأثير متبادل فيما بينها وبالتالي يحتم السعي الجاد لاستيعاب الاختلاف والعمل على تحويله إلى صيغة تكاملية، وهذا لا يتأتى إلا من خلال جهود الترجمة في تعزيز معرفة الآخر وفهمه في سياق ثقافته المحلية وإطاره الاجتماعي واحترام خصوصيته.
ومع أهمية الترجمة إلا أن الأمة العربية لم تلتفت إليها ولم تعرها أدنى اهتمام وهو في ظني مؤشر خطير وظاهرة لمشكلة كبيرة تتعلق بعدم وجود رؤية مستقبلية ووجهة واضحة للأمة، بل إغراق في استهلاك ما لدى الغير تطفلا دون محاولة للإسهام في المعرفة والتطوير العالمي. أن هناك فجوة كبيرة بين ما يحققه الآخرون كل طالع شمس وما يحققه العرب كل قرن! ولأن هناك غشاوة فكرية ونكوصا عن الثقافة الإسلامية في كثير من جوانب الحياة العامة لا تجعلنا ندرك ما نحن عليه وما ينبغي عمله لتحسين وضعنا فتجدنا نقتات تارة على إنجازات الماضي ونجترها دون أن تدفعنا وتحفزنا لإعادة الكرة والتأسي بسلف الأمة من الحرص على إخراج الناس من الظلمات إلى النور، وتارة نتغنى ونفاخر بامتلاك منتجات هي ليست من صنعنا ولا من جهدنا الفكري والعضلي! وهكذا يغيب المستقبل في الثقافة العربية وتعيش الأمة ليومها فقط وينشغل المجتمع وعلى جميع المستويات القيادية والنخب والعموم في محاولة البقاء والاستمرار تستهلكهم المشكلات اليومية المتتابعة وليس التطوير والانتقال إلى مستويات أعلى وأوضاع أفضل. وعندما لا تكون هناك تطلعات وخطط وأهداف مستقبلية لا تكون الأمور واضحة وتغيب الرغبة في تجسير الهوة بين الوضع الحالي والوضع المرغوب. لأنه كيف يتم ردم الهوة بين الحاضر والمستقبل ولا وجود لمشاريع تنموية تطويرية تنويرية جادة في اولويات المجتمعات العربية. ومما يزيد الطين بلة الاعتقاد أننا بمنأى عما يجري حولنا والتعامل مع الأحداث بردات فعل عاطفية انفعالية غير مدروسة. قطار التقدم العالمي يسير بسرعة متزايدة وإذا ما أردنا اللحاق به فعلينا مضاعفة الجهد وقبل ذلك السير في الاتجاه الصحيح. أولى تلك الخطوات هي الترجمة ونقل ما لدى الآخرين من علوم ومعارف ودراستها وتمحيصها وفهمها والإضافة إليها وتسخيرها في إعمار الأرض. لقد أدرك سلفنا أن ترجمة علوم الشرق والغرب شرط للنهوض بالأمة فراحوا ينهلون من علوم الآخرين ويقتنون كتبهم ومؤلفاتهم وينشغلون بالترجمة منذ أن اتسعت الرقعة الجغرافية وقويت شوكة المسلمين واستتبت الأمور لهم. يسجل التاريخ أن الأمير الأموي خالد بن يزيد بن معاوية أول من اهتم بالترجمة، وفي زمن مروان بن الحكم نقل أول كتاب طبي إلى العربية، وازدهرت الترجمة في العهد العباسي فترجمت الفلسفة اليونانية ومنطق أرسطو وعلوم الطب والهندسة والفلك والنجوم. وأنشأ المأمون في بغداد بيت الحكمة الذي كان بمثابة كلية ضمت قسما للترجمة يتألف من عدة أقسام حسب اللغات الأجنبية السائدة حينذاك. وما يجدر ذكره في هذا السياق، أن ما جمعه العرب من التراث اليوناني الثقافي وغيره في تلك العهود وما أضافوا إليه، لم يصل إلى أوروبا إلا بعد نحو أربعة قرون، بعد انحلال الدولة الإسلامية، وهو ما أسهم في تطور الحضارة الغربية المعاصرة، وهذه حقيقة يعترف بها الأوروبيون أنفسهم. نستشف من تاريخ الحضارة الإسلامية أن الترجمة أمر ضروري ومكون أساسي لبناء حضارة الأمم إلا أنه مع الأسف لم تفق الأمة بعد من سباتها ولم تتبن أي مشروع تنموي يقوم على الترجمة. والإحصاءات تشير إلى أن هناك ضعفا ووهنا بل تراجع في الترجمة مقارنة بما تقوم به الأمم الأخرى التي قطعت شوطا كبير في الترجمة ولربما كانت أقل عددا وعدة وموارد من العرب. هل يعقل أن يصل الحال في الترجمة إلى العربية إلى مستوى من التدني والتراجع بحيث أن مجموع ما ترجم من عهد المأمون إلى الآن يساوي ما تترجمه إسبانيا في سنة! وان ما يترجمه العرب الذين يبلغ تعدادهم ما يقارب ثلاثة مليارات يساوي ما تترجمه دولة صغيرة مثل لتوانيا التي لا يتجاوز عدد سكانها أربعة ملايين!
إن الترجمة تعني الانفتاح على غيرنا من الأمم والبحث عن الحكمة وهو مطلب شرعي، فالحكمة ضالة المؤمن أني وجدها فهو أحق بأخذها. فالانغلاق والانكفاء على الذات يقلل من أهمية الترجمة وعدم فائدتها وهذا أحد أهم أسباب هذا التراجع والانتكاسة. مع أن الترجمة تمكننا من الإسهام في الحضارة الكونية والتعريف بهويتنا. الترجمة والأخذ من الآخرين أمر حتمي وضروري يقول الكندي علينا اقتناء الحقيقة وأن كانت آتية من غيرنا ويؤكد ذلك ابن رشد حينما يذكر انه يمكننا أن نستعين بمعرفة الغير من غير المشاركين لنا بالملة. هكذا إذا بعقلية منفتحة ومتوثبة للأخذ بأسباب الحضارة والعمران مع الحفاظ على الثوابت فالترجمة وفهم ثقافة الآخرين لا تعني تذويب هويتنا وان نكون غيرنا أو إمعات وإنما الأخذ بانتقائية وعن فهم ودراية وإدراك ما يناسب ومالا يناسب وما ينفع وما لا ينفع. من هنا لا بد أن يكون هناك مشروع متكامل للترجمة للدول العربية يتم فيه التنسيق بين الجهات والمؤسسات المعنية في العالم العربي والتأسيس لقاعدة بيانات حتى يتم تجنب الازدواجية وتجنب تشتيت الجهود. وقد تكون مؤسسة الفكر العربي المؤهلة لقيادة مشروع الترجمة التنموي في العالم العربي.