قمة مجموعة العشرين بين أولوية الضوابط المالية أو إنعاش الاقتصاد

قمة مجموعة العشرين بين أولوية الضوابط المالية أو إنعاش الاقتصاد

يستكمل مسئولو المالية في مجموعة العشرين اليوم في لندن اجتماعاتهم تمهيدا لقمة تعقد في الثاني من نيسان (أبريل) المقبل، بعدما لاحت خلافات هذا الأسبوع بين دول المجموعة حول سبل مواجهة الأزمة الاقتصادية إذ يطالب الأمريكيون - مدعومين من اليابان - بخطط إنعاش اقتصادي جديدة فيما يدعو الأوروبيون إلى تشديد الضوابط على القطاع المالي. ويلتقي وزراء المالية وحكام المصارف المركزية في الدول الصناعية والناشئة الكبرى في فندق في جنوب لندن للتحضير لقمة رؤساء الدول التي سيشارك فيها الرئيس الأمريكي باراك أوباما في أول زيارة رسمية له إلى أوروبا.
وتعقد قمة لندن في وقت يتوقع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي تسجيل انكماش في النمو العالمي في عام 2009 سيكون الأول منذ ستين عاما وقد يصل إلى 1 أو 2 في المائة من إجمالي الناتج الداخلي بحسب رئيس البنك الدولي روبرت زوليك.
والدول كلها تدرك أن "الجميع على السفينة ذاتها" كما قال أوباما الأربعاء، وإنه يجدر ببلدان مجموعة العشرين التي تمثل 80 في المائة من الاقتصاد العالمي أن "تعمل معا" لتعزيز الثقة في الاقتصاد، وهو ما يحضها عليه رئيس الوزراء البريطاني جوردن براون.
غير إن الإدارة الأمريكية قامت بحملة مكثفة عبر مستشار البيت الأبيض للشؤون الاقتصادية لورنس سامرز ووزير الخزانة تيم غايتنر لحض الدول الأخرى على الالتزام بخطط إنعاش اقتصادي واسعة النطاق طالما أن الأزمة قائمة. وتعتبر الولايات المتحدة أنها أعطت المثل بإقرارها خطة إنعاش بقيمة 787 مليار دولار، وتنسجم دعوتها لاعتماد خطط مماثلة مع ما يدعو إليه صندوق النقد الدولي. واتخذت اليابان موقفا مماثلا إذ دعا وزير ماليتها كاورو يوسانو مجموعة العشرين إلى اعتماد خطط إنعاش اقتصادي عوضا عن مراجعة قوانين مراقبة القطاع المالي.
وقال يوسانو في تصريحات لصحيفة "فايننشيال تايمز" أن "جميعنا متفقون" على ضرورة ضبط القطاع المالي بطريقة أفضل "لكنني أتساءل شخصيا هل هذه الإجراءات ضرورية في ظل أزمة؟ ما نريده في المرحلة الراهنة هو إنقاذ حياة الاقتصاد العالمي وليس مناقشة مؤشراته الخارجية".
وأضاف "إن المشكلتين الآنيتين هما تثبيت استقرار النظام المالي وتفادي مخاطر هبوط الأسعار التي يواجهها الاقتصاد العالمي. إنهما أهم مسألتين".
غير أن الأوروبيين القلقين من العجز في ميزانياتهم ردوا الكرة إلى الملعب الأمريكي فصرح رئيس المفوضية الأوروبية جوزيه مانويل باروزو الخميس "ثمة مواضيع أود أن أرى الآخرين يبدون حيالها القدر ذاته من الطموح الذي يبديه الأوروبيون" مثل وضع "قواعد جديدة لمراقبة القطاع المالي وضبطه". وترى فرنسا وألمانيا أنهما بذلتا ما يكفي من الجهود لإنعاش الاقتصاد وأفادتا أنهما ستعلنان موقفا موحدا قبل انعقاد القمة وسترسلان "إشارة مشتركة". ويقود البلدان الحملة ضد الجنات الضريبية بتصميم أرغم حتى الآن بلجيكا وليشتنشتاين واندورا على الإعلان علنا الخميس عن تليين قوانينهما الخاصة بالسرية المصرفية على أمل عدم التعرض لانتقادات الدول العشرين خلال قمتها.
وأعلنت لوكسمبورج وسويسرا أمس استعدادهما لتليين إجراءات السرية المصرفية بينما أكدت النمسا أنها مستعدة للتعاون في حال وجود "شكوك مبررة وواضحة".
ويبدو أن النقطة الوحيدة التي تتفق عليها الدول العشرون في الوقت الحاضر هي وجوب زيادة موارد صندوق النقد الدولي لمساعدة الدول التي تواجه صعوبات، ولا يعرف بهذا الصدد ما إذا كانت الصين ستنصت للدعوات الموجهة إليها للمشاركة في هذا المجهود.
غير أن المتحدث باسم البيت الأبيض أعلن الخميس أن الولايات المتحدة "لن تتفاوض (مع الدول الأخرى) في نسبة معينة أو التزام اقتصادي محدد" بل "ستواصل التشديد على أهمية (..) اتخاذ إجراءات معا حتى لا تتكرر هذه الأزمة".أما بريطانيا التي ترأس مجموعة العشرين هذه السنة، فهي حائرة بصورة عامة بين ولائها التاريخي للولايات المتحدة وانتمائها إلى الاتحاد الأوروبي، ولو أنها أبدت ميلا هذا الأسبوع إلى الجانب الأوروبي إذ دعت إلى تشديد الضوابط الوطنية والدولية على القطاع المالي.
ورأى وزير المالية اليستير دارلينغ ان "لا علاج فوريا للأزمة" معتبرا أنه سيحكم على الرئاسة البريطانية لمجموعة العشرين استنادا إلى "قدرتنا على حمل الدول على العمل معا والتحرك معا"، مستبعدا ضمنا بذلك التوصل الى اتفاق واضح منذ نيسان (ابريل).
وأيدت اليابان والصين أمس الدعوة لمزيد من الإنفاق الحكومي لمكافحة الأزمة المالية العالمية قبيل قمة مجموعة العشرين التي تختلف فيها الولايات المتحدة مع أوروبا بشأن الحاجة مزيد من الإجراءات لتحفيز الاقتصاد. وحث وزير المالية الياباني كاورو يوسانو زعماء العالم على التركيز على إعطاء دفعة فورية للاقتصاد العالمي ووعد بالكشف عن إجراءات جديدة لتحفيز الاقتصاد في نيسان (أبريل). وقالت الصين إنها مستعدة لبذل مزيد من لدعم النمو.
ونقل عن يوسانو قوله في طبعة أمس من صحيفة "فاينانشيال تايمز": "القضايا الملحة هي تحقيق استقرار القطاع المالي والتعامل مع تحدي انكماش الأسعار الذي يواجه الاقتصاد العالمي". لكن في إطار التحضير لهذا الاجتماع ظهرت خلافات بشأن أولويات القمة وحجم الإنفاق التحفيزي الذي يتعين أن تعرضه الدول. وتحث واشنطن الدول الصناعية الكبرى على إنفاق نسبة 2 في المائة من ناتجها المحلي الإجمالي لتعزيز الطلب وإخراج الاقتصاد العالمي من عثرته لكن فرنسا وألمانيا رفضتا دعوات الولايات المتحدة وبريطانيا لضخ مزيد من الإنفاق.
وكتب وزير المالية البريطاني اليستير دارلينج أمس في "وول ستريت جورنال" يقول "يتعين على المجتمع الدولي التوحد لمعالجة التباطؤ وتحديد مسار نحو مستقبل مضمون". وأضاف "يتعين علينا القيام بثلاثة أشياء هي دعم الطلب, إصلاح نظام الرقابة المالية العالمي, وزيادة موارد صندوق النقد الدولي". وتمثل مجموعة العشرين أكثر من 80 في المائة من الاقتصاد العالمي إذ تضم مجموعة الدول الصناعية الكبرى السبع وجميعها دخلت في حالة كساد أو توشك على الدخول فيها إضافة إلى أسواق ناشئة رئيسية مثل روسيا والصين والهند والبرازيل.
وفي أوائل الأزمة قامت البنوك المركزية بخفض منسق لأسعار الفائدة لدعم الطلب لكن الإجراءات المتعلقة بالسياسة النقدية ظلت دون تنسيق حتى الآن. وأعلن عديد من الحكومات خطط تحفيز وخططا ضخمة لإنقاذ البنوك لكن اقتصاداتها ظلت تغرق بدرجة أكبر في الكساد ومالياتها ترزح تحت وطأة مزيد من الديون.
وانكمش الاقتصاد العالمي لأول مرة منذ عام 1945 في الربع الأخير من عام 2008 مما أخرج الملايين من وظائفهم وتوقع صندوق النقد الدولي أن يكون النمو العالمي سالبا في 2009 في أول انكماش سنوي منذ أكثر من 60 عاما. وقال الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي في مؤتمر صحافي في برلين أمس الأول مع المستشارة الألمانية إنجيلا ميركل رافضا الدعوات الأمريكية لمزيد من الإنفاق "نحن في أوروبا نرى إننا استثمرنا الكثير بالفعل من أجل الانتعاش وإن المشكلة لا تتعلق بإنفاق المزيد بل بوضع نظام رقابي حتى لا تتكرر الكارثة الاقتصادية والمالية التي يشهدها العالم". وقال مصدر من الوفد الروسي للصحافيين أمس الأول إن روسيا ستعارض كذلك مقترحات بريطانيا لدول مجموعة العشرين بوضع حد أدنى إلزامي يمثل 2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للتحفيز المالي وخفض أسعار الفائدة. ويبلغ حجم خطة التحفيز الاقتصادي الروسية 4.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي لكنها ترفع أسعار الفائدة لدعم الروبل ووقف تدفقات رؤوس الأموال للخارج مع فرار المستثمرين من الأسواق الناشئة.
إلى ذلك أعلنت اليابان أمس الجمعة أنها أعدت حزمة حوافز اقتصادية جديدة بقيمة 100 تريليون ين (1.03 تريليون دولار)، وقال وزير المالية كاورو يوسانو إن تفاصيل الحزمة سوف يتم الكشف عنها علنا مطلع نيسان( أبريل).وأضاف أن رئيس الوزراء تارو آسو سوف يقدم الخطة في اجتماع قادة دول مجموعة العشرين المقرر في 2 نيسان (أبريل) في لندن.
تأتي الخطة عقب طلب وزير الخزانة الأمريكي تيموثي جيثنر من الدول
الأعضاء في مجموعة العشرين بتنفيذ حزم من الحوافز الاقتصادية بقيمة تبلغ2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي المجمع كل سنة خلال عامي 2009 و2010 .
كانت اليابان قد قدمت بالفعل سلسلة من حزم التحفيز الاقتصادي بقيمة 75 تريليون ين وشكلت ميزانيتين إضافيتين للعام المالي الجاري وموازنة أساسية للعام المالي 2009 مع إنفاق مالي بقيمة 12 تريليون ين.
وذكرت وكالة أنباء "كيودو" اليابانية أن الحكومة اليابانية سوف تقدم موازنة تكميلية للعام المالي 2009 فور بلورة تلك الإجراءات التحفيزية الإضافية.

الأكثر قراءة