جلبهم إلى الوطن بصورة مسؤولة

جلبهم إلى الوطن بصورة مسؤولة

الرئيس أوباما على حق في تبني المرونة بشأن وتيرة خروج أمريكا من العراق

في هذا الشهر، سيكون قد مرت ست سنوات منذ أن غزت القوات الأمريكية العراق وأسقطت صدام حسين، إلا أن نصرها تعكر مع انزلاق الدولة إلى جحيم القتل الطائفي. وقد بدأ باراك أوباما، الذي عارض الحرب منذ البداية والذي رشح نفسه للرئاسة بناء على وعد بإنهائها، بالوفاء بوعده. ففي خطاب له أخيرا، قال إن معظم القوات الأمريكية ستنسحب بحلول أيلول (سبتمبر) من العام المقبل. ولكن لأن هذا الموعد يتجاوز قليلا الموعد في وعده الأولي بإخراجهم في غضون 16 شهرا من توليه المنصب، ولأنه يقول إنه قد يبقي 50 ألف جندي في العراق (للتدريب ولكن أيضا "لمكافحة الإرهاب") لفترة أطول، يتم اتهامه من قبل البعض بالتهرب من وعده خلال حملته الانتخابية.

وفي الواقع، تبدو هذه الخطة ذكية ومسؤولة. وبموجب اتفاقية موقعة بين الحكومة العراقية وجورج بوش، من المقرر على أية حال أن تنسحب القوات الأمريكية من العراق بحلول نهاية عام 2011، ومن مدنها بحلول نهاية حزيران (يونيو) هذا العام. وسيسحب أوباما الجزء الأكبر من القوات الأمريكية بصورة أسرع قليلا، ولكن عن طريق إبقاء قوة في العراق فهو يمنح نفسه مساحة مناورة إضافية في حال ساءت الأمور مرة أخرى. وهو محق تماما في فعل هذا.

والعراق اليوم في وضع أفضل كثيرا مما كان عليه قبل عامين، حين كان يلقى نحو 3500 مدني عراقي مصرعهم كل شهر، غالبا على يد عراقيين. وعدد القتلى الشهري الآن أقل بعشرة أضعاف. وقبل شهر، تم بنجاح إجراء انتخابات في المحافظات في جميع أنحاء الدولة، باستثناء المنطقة الكردية ومحافظة كركوك المتنازع عليها. وكانت النتائج من حيث الفائزين والخاسرين فوضوية، إلا أن الاتجاه العام يوحي بالأمل.

وكان أداء التحالف الجديد بقيادة رئيس الوزراء الاستبدادي ولكن الذكي، نوري المالكي، جيدا. وكان أداء السياسيين والأحزاب الذين أيدوا إقامة دولة أكثر مركزية، مثل المالكي، أفضل من أولئك الذين دعوا إلى نقل السلطة إلى المناطق. أما أداء الأحزاب الدينية، والحزب الشيعي الذي يقود الدولة حتى اليوم، المجلس الأعلى الإسلامي في العراق، الذي يعتقد الكثير من العراقيين أنه قريب جدا من إيران، فكان سيئا للغاية، حيث فقدت بعض نجاحها لصالح أحزاب منافسة علمانية وقومية. وكان أداء الأكراد سيئا في المناطق المختلطة التي ازدهروا فيها في السابق. وكانت نسبة إقبال العراقيين السنة أكبر بكثير من السابق واستعادوا نفوذهم في مختلف المحافظات، بما في ذلك نينوى، التي كان الأكراد في السابق يديرون المدينة الرئيسية لها، وهي الموصل. وعاد بعض البعثيين السابقين الفعالين إلى الصدارة في بعض المناطق.

مشكلة مشتركة

ومع ذلك، لا تزال السياسة في العراق مشحونة. فليس هناك أي سياسي يعجب جميع العراقيين. ولهذا السبب كان الجنرال ديفيد بتراوس، العقل المخطط "للزيادة" العكسرية الناجحة لأمريكا تحت رئاسة بوش، يصف المكاسب دائما بأنها هشة. وتزيد كراهية الأكراد لمؤسسة المالكي الجديدة في بغداد، بعد أن تمتعوا بالحكم الذاتي قرابة عقدين من الزمن، ومشاعرهم متبادلة. وهناك منافسات مريرة بين الطوائف الرئيسية الثلاث، أي الشيعة والسنة والأكراد. وليس هناك ما يدل بعد على أنه سيتم إقرار القانون الضروري جدا لاقتسام الثروة النفطية. وستكون نقطة التحول السياسية التالية، أي الانتخابات العامة المقررة بحلول نهاية هذا العام، حدثا مثيرا للأعصاب، وستبرز الحاجة إلى الجنود الأمريكيين للمساعدة على الإشراف عليها.

وبعد أن عارض أوباما الحرب في العراق في الوقت الذي شدد فيه على ضرورة بذل جهد أكبر في أفغانستان، سيميل باستمرار لإنهاء الحرب الأولى وتعزيز الحرب الثانية. وربما يكون هذا ممكنا، وذلك بفضل دعم بوش للزيادة حين كان الكثيرون، بمن فيهم أوباما، يحثون أمريكا على الهرب من العراق. إلا أن المسؤولية الأخلاقية التي تقع على عاتق أمريكا تجاه شعب العراق، ومصالحها الخاصة في الحفاظ على الاستقرار في هذا الركن الاستراتيجي من الشرق الأوسط، لم تختف مع رحيل بوش.

وإحدى الطرق التي يمكن من خلالها لأوباما تخفيف العبء على أمريكا هي استخدام حسن النية التي اكتسبها في جميع أنحاء العالم لحث الهيئات الدولية، خاصة الأمم المتحدة، على لعب دور أكبر في مساعدة العراقيين على ترسيخ ديمقراطيتهم الهشة. ولا شك أنه سيركز في المستقبل القريب على أفغانستان وباكستان، ناهيك عن إسرائيل وفلسطين وسوريا وإيران. ولكن عليه أن يكون مستعدا، تحسبا لأي طارئ، لإبقاء قواته في العراق لفترة أطول من تلك التي وعد بها خلال الانتخابات، وربما حتى أطول من تلك المنصوص عليه في خطته الجديدة، إذا كان حدوث موجة أخرى من سفك الدماء أمرا محتملا. وليس هناك عيب في فعل ذلك، بل إن الخزي سيلحق بأمريكا إذا تخلت عن شعب العراق الذي عانى طويلا لا لشيء إلا للوفاء بالموعد النهائي المقرر.

الأكثر قراءة