مطاردة تجار المخدرات

مطاردة تجار المخدرات
مطاردة تجار المخدرات

اعتاد المكسيكيون في الأشهر الأخيرة على مشاهد مرعبة تم التخطيط لها بعناية. فقبل عيد الميلاد بقليل، تم العثور على رؤوس تم قطعها لثمانية جنود، التي كانت ملقاة في أكياس بلاستيكية بالقرب من أحد مراكز التسوق في Chilpancingo، عاصمة ولاية Guerrero الجنوبية. وفي الشهر الماضي، تم العثور على ثلاثة آخرين في صندوق ثلج بالقرب من ولاية Ciudad Ju?rez الحدودية. وعلى الحدود بالقرب من Tijuana، اعتقلت الشرطة Santiago Meza، الملقب El Pozolero (أي "صانع الحساء")، والذي اعترف بإذابة جثث أكثر من 300 شخص باستخدام الحمض خلال السنوات التسع الماضية بناء على طلب أحد بارونات المخدرات المحليين. وأضاف Meza الذي يعتز برجولته وشهامته أنه رفض قبول جثث النساء أو الأطفال.

وحين تولى فيليب كالديرون منصبه كرئيس للمكسيك في كانون الأول (ديسمبر) 2006، أعلن قائلا: "إن الجريمة المنظمة خارجة عن نطاق السيطرة". وقد نشر 45 ألفا من جنود الجيش لمحاربة عصابات الاتجار بالمخدرات. ومنذ ذلك الحين، توفي عشرة آلاف شخص في أعمال عنف مرتبطة بالمخدرات، منهم 6.268 العام الماضي. وقد خاض جنود الجيش ورجال الشرطة معارك مريرة ضد رجال العصابات المسلحين بقاذفات الصواريخ والقنابل اليدوية والرشاشات وبنادق القنص المخترقة للدروع، مثل Barrett 50. ولكن لعل أكثر الأسلحة فاعلية التي تمتلكها مثل تلك العصابات هي الفساد: ففي تشرين الثاني (نوفمبر)، تم اتهام Noe Ram?rez، المدعي العام المسؤول عن وحدة الجريمة المنظمة في مكتب النائب العام الفيدرالي، بتلقي رشا بقيمة 450 ألف دولار شهريا لتمرير معلومات إلى عصابة Sinaloa التي تتاجر بالمخدرات. ويواجه ستة مسؤولين آخرين من الوحدة تهما مماثلة.
ويصر المسؤولون على القول إن العنف وحالات الاعتقال هي دلائل على أنهم منتصرون. إلا أن كثيرين يختلفون معهم في هذا الرأي. فقد استنتج تقييم لقيادة القوات المشتركة للولايات المتحدة تم نشره الشهر الماضي أن الدولتين الأكثر تعرضا لخطر التحول إلى دول فاشلة هما الباكستان والمكسيك.
ولكن هل هذا معقول؟ فاقتصاد المكسيك يحتل المكانة الثانية عشرة من حيث الحجم في العالم، والمكسيك هي ثاني أكبر شريك للولايات المتحدة وإحدى الدول المهمة المزودة للنفط. وقد تطورت المكسيك في الجيل الماضي لتصبح ديمقراطية مستقرة كما يبدو. وبالطبع، رفضت الحكومة المكسيكية هذه التوقعات بغضب. إلا أن هذه التوقعات جاءت في أعقاب دراسة نشرها Barry McCaffrey، وهو جنرال متقاعد كان يدير سياسات مكافحة المخدرات تحت رئاسة بيل كلينتون. وقد رسم McCaffrey صورة قاتمة للوضع، حيث قال إن "مشكلات المكسيك الخطيرة التي تزداد سوءا.. تهدد الأمن القومي للولايات المتحدة". وأعلن أن المخاطر في المكسيك هائلة "ولا يمكن أن نحتمل أن تكون لنا دولة مخدرات مجاورة لنا".
وإذا كان المقصود بهذا التصريح هو بث الذعر في نفوس الناس، فيبدو أنه نجح في ذلك. ففي الثاني عشر من كانون الثاني (يناير)، تناول باراك أوباما طعام الغداء لمدة تزيد على ساعتين مع كالديرون في أول لقاء له مع رئيس حكومة أجنبي منذ انتخابه رئيسا للولايات المتحدة. ووفقا لمسؤول مكسيكي حضر الاجتماع، اقترح كالديرون "شراكة استراتيجية" ودعا إلى تشكيل مجموعة خبراء من الدولتين لبحث توثيق التعاون الأمني. وسيتجاوز هذا برنامج المساعدة الأمنية للمكسيك وأمريكا الوسطى البالغ 1.4 مليار دولار على مدى ثلاث سنوات، الذي يعرف باسم مبادرة Merida، التي وافق عليها الكونجرس الأمريكي (على مضض) العام الماضي. وسواء شئنا أم أبينا، فإنه في قضية الحرب على المخدرات، من المرجح أن تستدرج إدارة أوباما إلى التزام أمني تجاه دولة مجاورة مثل ذلك الذي أطلقه كلينتون في كولومبيا.

#2#

وفي كل من المكسيك وكولومبيا، استغلت تجارة المخدرات، وإن بطرق مختلفة، نقاط الضعف في قدرة الدولة على فرض سيادة القانون. ففي كولومبيا، التي فشلت فيها الدولة الضعيفة على مر التاريخ في فرض سلطتها على المنطقة الشاسعة التي تتميز بصعوبة خصائصها الجغرافية، بث الدخل المتأتي من المخدرات حياة جديدة في حركات العصابات اليسارية وأنتج الميليشيات اليمينية شبه العسكرية. وحين زاد خطر تغلب تلك العصابات على الجيش واجتياحها للمدن، أطلق كلينتون خطة كولومبيا، التي دربت الولايات المتحدة بموجبها وساعدت على تجهيز القوات الأمنية، بتكلفة تجاوزت 6 مليارا دولار منذ عام 2000.
وقد حققت خطة كولومبيا نجاحا هائلا في إحدى النواحي، وهو مكافحة التمرد. وساعدت الولايات المتحدة جهود كولومبيا الكبيرة عن طريق تزويدها بالمعدات والتدريب، الأمر الذي عزز الدولة وجعلها أكثر أمنا. إلا أن الخطة كانت أقل نجاحا بكثير في مجال مكافحة المخدرات. وبفضل الجهود الحثيثة التي بذلها الرئيس الكولومبي، ألفارو يوريب، التي تضمنت رش مئات الآلاف من الهكتارات بمبيدات الأعشاب، انخفضت المساحة المسجلة المزروعة بأوراق الكوكا بنسبة تزيد على النصف بين الأعوام 1999 و2006، وذلك وفقا لتقديرات الأمم المتحدة. ولكنها زادت ثانية منذ ذلك الحين. ولا يزال إجمالي إنتاج الكوكايين في الأنديز ثابتا بفضل زيادات الإنتاجية.
حين بدأ استهلاك الكوكايين في الولايات المتحدة في السبعينيات والثمانينيات، كانت طريق التهريب الرئيسية تشمل التنقل داخل المنطقة عبر الكاريبي من كولومبيا في طائرات خفيفة. وكان نجاح محاربي المخدرات في أمريكا في إغلاق تلك الطريق هو ما أدى إلى نشوء الجريمة المنظمة في المكسيك، حيث بدأ الكولومبيون بنقل المخدرات عن طريقها. وفي المكسيك، كانت هناك عصابات صغيرة نسبيا تقوم بتهريب الهيروين والماريجوانا عبر الحدود. إلا أن البدء بالاتجار بالكوكايين جعل تلك العصابات أكثر قوة. وساعدها عاملان على النمو، الأول هو قرب المكسيك من الولايات المتحدة، حيث اكتسبت السيطرة على قطاع التجزئة في الكثير من المدن الأمريكية، ما سمح لها بإملاء الشروط على الكولومبيين. واستمرت تلك العصابات بتسليح نفسها بسهولة من متاجر الأسلحة الأمريكية وغسل أرباحها في البنوك الأمريكية.
أما العامل الثاني فهو عيوب المكسيك. فقد أنتجت ثورة الأعوام 1910-17 دولة قوية، ديمقراطية ظاهريا ولكن استبدادية بطبيعتها، يحتكر فيها الحزب الثوري الدستوري السلطة. وأحد إنجازات هذا النظام هو إبعاد الجيش عن السياسة. ولم يكن مطلوبا من الشرطة سوى فرض النظام السياسي، ولم يكن عليها حل الجرائم. وكان حكام الولايات يتسامحون مع –أو ينتفعون من- تجار المخدرات في مناطقهم شريطة الاختفاء عن الأنظار. وبدأت العصابات المكسيكية ببيع الكوكايين في المكسيك، وأحد أسباب ذلك هو أن الكولومبيين في البداية كانوا يمنحون الكوكايين لشركائهم ثمنا لجهودهم. واكتسبت تلك العصابات السلطة الفعلية في بعض المناطق، خاصة في شمال المكسيك. ولم يبذل السياسيون جهود كافية لمنعهم- إلى أن قرر كالديرون أن يجعل الأمن أولوية لحكومته، وقضية تنطوي على التزام شخصي.

استعادة الشارع

ويقول Eduardo Medina Mora، المدعي العام لكالديرون، إن الهدف ليس القضاء على تجارة المخدرات "لأنه لا يمكن تحقيق ذلك"، بل استعادة القوة الاقتصادية والقدرة على التسلح من جماعات الجريمة المنظمة التي اكتسبتها خلال الـ 20 عاما الماضية، للقضاء على قدرتها على تقويض المؤسسات ومنافسة احتكار الدولة للقوة".
وهو يشير إلى أنه تم تحقيق بعض التقدم. فخلال العامين الماضيين، استولت الحكومة على كميات هائلة من المخدرات (نحو 70 طنا من الكوكايين، بما في ذلك 26 طنا في سفينة صيد، وهو رقم عالمي قياسي لعملية واحدة)، ومن الأموال (نحو 260 مليون دولار)، ومن الأسلحة (31 ألف سلاح، بما في ذلك 17 ألفا من الأسلحة المتطورة). وقامت كذلك بأكثر من 58 ألف عملية اعتقال؛ ومع أن 95 في المائة من هؤلاء الأشخاص هم من صغار تجار المخدرات، إلا أن بينهم بعض الشخصيات المهمة وآلاف المسلحين المأجورين.
وزاد كالديرون، متجاهلا الشكوك الوطنية، حالات تسليم تجار المخدرات إلى الولايات المتحدة، حيث أرسل أكثر من 170 إلى الشمال حتى الآن. فهم لا يستطيعون الاستمرار في إدارة أعمالهم من السجون الأمريكية، كما يفعلون من معظم السجون المكسيكية. وحتى أخيرا، كان لوردات المخدرات يعيشون علنا في المدن المكسيكية الرئيسية، أما الآن فلا يستطيعون الظهور إلا في مناطق نائية في Sierra Madre، كما يقولGenaro Garc?a Luna، وزير الأمن العام.
ويقول المسؤولون إن العنف دليل على أن عصابات المخدرات بدأت تنقلب بعضها ضد بعض في المعركة للتمسك بحصة من الأعمال المتقلصة. ويؤكدون أن نحو 60 في المائة من عمليات القتل تتركز في ثلاث فقط من ولايات المكسيك البالغ عددها 32، وتتركز معظم تلك العمليات في هذه الولايات الثلاث في ثلاث مدن، هي Ciudad Ju?rez في Chihuahua، وTijuana في Baja California، وكلتاهما على الطرف المقابل للحدود الأمريكية، وفي Culiac?n في Sinaloa. ونحو أربعة أخماس القتلى هم أعضاء في عصابات إجرامية تم قتلهم على يد مجرمين آخرين. ولكن لقي أيضا أكثر من 800 من أفراد الشرطة والجيش مصرعهم منذ كانون الأول (ديسمبر) (ربما كان بعضهم يعمل لحساب تجار المخدرات). ويهدف قطع الرؤوس (الذي يتم غالبا بعد وفاة الضحية) والتعذيب إلى فرض الانضباط داخل العصابات وبث الخوف في نفوس المنافسين، كما يقول Garc?a. وعلى الرغم من عناوين الصحف، إلا أن معدل القتل في المكسيك منخفض نسبيا، حيث يبلغ 11 لكل 100 ألف شخص.
إلا أن العنف يثير "حيرة ودهشة" المكسيكيين، كما يقول المؤرخ Enrique Krauze. فبعد الثورة أصبحت المكسيك "جزيرة السلام التي يأتي إليها اللاجئون من جميع أنحاء العالم هربا من العنف". وقد قتل العديد من كبار ضباط الشرطة، بمن فيهم قائد الشرطة الفيدرالية العام الماضي، على يد تجار المخدرات. وفي 15 أيلول (سبتمبر) توفي ثمانية أشخاص عندما تم إلقاء قنبلة يدوية على الحشود التي تحتفل بيوم الاستقلال في Morelia في Michoac?n. وفي Tijuana يشعر المواطنون بالخوف من العنف المنتشر. وقد بدأ الناس يقللون من خروجهم في الليل ويتجنبون أفضل المطاعم في المدينة بعد عدة حوادث فتح فيها مسلحون النار لقتل منافس لهم، كما يقول José Mar?a Ramos، وهو عالم سياسي في جامعة Frontera Norte. ويظن الكثيرون أن العنف عبر الحدود يحد من الاستثمار ويمنع السياح من الولايات المتحدة من الزيارة.
وقد أوقعت الحملة الصارمة التي شنها كالديرون فوضى كبيرة في عصابات الاتجار بالمخدرات الرئيسية في المكسيك. ومع مقتل الكثير من رؤساء العصابات أو اعتقالهم أو ترحيلهم، انقسم احتكار القلة إلى فصائل متحاربة. وهذا الانقسام ليس إيجابيا بالكامل، كما يعترف Medina Mora.
ومصدر القلق الأكبر هو حقيقة أن بعض عصابات المخدرات بدأت تنوع أنشطتها لتشمل أعمالا إجرامية أخرى. فقد أصبح الابتزاز وفرض أتاوات على بعض الأشخاص مقابل حمايتهم أمرا شائعا فجأة. وفي Ciudad Ju?rez تم إحراق المتاجر والحانات. وعلى مدى الأشهر الستة الماضية، أصبحت الشركات الكبيرة، بما فيها شركات متعددة الجنسيات، أهدافا، وهناك تهديدات موجهة للمستودعات والمصانع إن لم تدفع المال، وذلك وفقا للمستشار الأمني في مكسيكو سيتي. ولا تزال مثل تلك الأنشطة محلية ومتفرقة، ولكن هناك شركة أمريكية واحدة على الأقل دفعت المال، كما يقول.
أما مجال الأعمال الثاني الذي أصبح في تزايد فهو الاختطاف. وهذا ليس جديدا في المكسيك، فهو يميل للحدوث في دورات. وهناك الكثير من الحالات التي لا يتم الإبلاغ عنها رسميا. إلا أن العدد الذي سجلته مجموعةMexico Unido Contra la Delincuencia ، ارتفع بصورة حادة خلال العامين الماضيين قبل أن ينخفض في الأشهر الأخيرة، وفقا لمديرة المجموعة، Mar?a Elena Morera. وقد أصبحت عمليات الاختطاف أكثر عنفا. وهي تشكل 1 في المائة فقط من الجرائم، ولكن في أحد استطلاعات الرأي، يقول 46 في المائة من المستجيبين أنهم يخافون منهم، كما تقول Morera. والحديث الدائر في أوساط المكسيكيين الأغنياء هو فيما إذا كان عليهم محاولة مغادرة الدولة بدلا من المخاطرة بتعرض أطفالهم للاختطاف.
إن المشكلة الكامنة في المكسيك ليست في تجارة المخدرات نفسها، بل في كون الشرطة والمحاكم لا تقوم بعملها على النحو الصحيح. ولم تكتف الشرطة أن تكون أحيانا مصدر الجريمة، بل إنها غير مسؤولة أيضا أمام السياسيين أو الشعب. فقد وجد مسح تم إجراؤه عام 2007 أنه لا يتم الإبلاغ عن سبع من بين كل عشر جرائم. ويقول Ernesto L?pez Portillo من مركز الأمن والديمقراطية: "لا يعمل المجتمع والشرطة معا". ويعترف Garc?a Luna أنه في بعض مناطق الدولة أسس تجار المخدرات "قاعدة اجتماعية". وقد حاول الرئيسان السابقان للمكسيك إصلاح الشرطة وفشلا في ذلك. ويصر المسؤولون في إدارة كالديرون أنهم سينجحون هذه المرة.
وفي مقر وزارة الأمن العام الواقع على تلة مقابلة لغابة Chapultepec في نيو مكسيكو، ترتفع الرافعات فوق مساحة فارغة لبناء مركز الاستخبارات الوطني الجديد. ويجلس العشرات من ضباط الشرطة الذين يرتدون ملابس داكنة على أجهزة الحاسوب مقابل شاشة عملاقة مجزأة تحتل كامل مساحة الجدار أمامهم، ويقومون بطباعة معلومات في قاعدة بيانات Platform Mexico المتكاملة التي يسهل البحث فيها والتي ستضم السجلات الإجرامية وتقارير عمليات الشرطة، ومن المقرر أن يتم تشغيلها في حزيران (يونيو). وتعرض الشاشات أيضا صورا من أجهزة تلفزيونية مغلقة الدائرة في جميع أنحاء الدولة. ويمكن للمشغلين التواصل مع كل مركز شرطة وسيارة دورية في المكسيك. وفي جميع أنحاء مدينة Ixtapalapa، تم تجهيز قاعدة العمليات الرئيسية للشرطة في العاصمة بطائرات مروحية وفرق للاستجابة السريعة. وسيتم تأسيس مراكز مماثلة في النهاية في كل ولاية.

لعنة الفيدرالية

ربما لا يوجد في المكسيك رجال عصابات مثل أولئك الموجودين في كولومبيا، ولكنها تفتقر كذلك إلى قوة شرطة محلية فعالة بصورة معقولة مثل تلك في كولومبيا. ويعود ذلك جزئيا إلى كونها دولة فيدرالية: كل ولاية من ولاياتها البالغ عددها 32 لديها شرطة ووزارة عدل خاصة بها، وهناك أكثر من 1.600 قوة شرطة محلية. وبموجب الحزب الثوري الدستوري، كانت الفيدرالية مجازا قانونيا والرئاسة هي التي تمتلك السلطة العليا. أما الآن، فلا يشعر أي حاكم ولاية أنه ملزم بتنفيذ سياسات كالديرون. والقانون الجنائي خليط فوضوي: فالاتجار بالمخدرات جريمة فيدرالية، أما الاختطاف فهو من شؤون الدولة. وما يزيد الطين بلة هو أن الحكومة الفيدرالية بدأت بتشكيل قوة شرطة خاصة بها من مجموعة متباينة من المؤسسات الأمنية في التسعينيات فقط. وكان لمحاولة تحويل الشرطة القضائية، التابعة لمكتب المدعي العام، إلى مكتب تحقيقات فيدرالي مكسيكي، نتائج مختلطة: كانت المنظمة فاسدة حين استخدمت الشرطة التي تم تنظيفها إجراءات قانونية لإعادة تنصيبهم.

إلا أن حكومة كالديرون تبذل جهودا جدية أكثر. ففي حزيران (يونيو) الماضي، تم إعادة تنظيم المحاكم والشرطة بموجب إصلاح دستوري؛ وبموجب قانون وقعه الرئيس في الأول من كانون الثاني (يناير)، سيتم إنشاء نظام جديد للأمن العام القومي. ويلزم هذا النظام جميع قوات الشرطة على المستوى الوطني ومستوى الولايات والبلديات بتبني إجراءات موحدة للتعيين والتدقيق والتدريب والترقية والعمليات. ويفترض الآن أنه يتم التدقيق بكل رجل شرطة في الدولة بصورة فردية. وفي الوقت نفسه، توسعت قوة الشرطة الفيدرالية من تسعة آلاف ضابط عام 2006 إلى 26 ألفا. ونصفهم من الجنود على سبيل الإعارة. إلا أن Garc?a Luna يحاول الآن تجنيد ثمانية آلاف خريج ليكونوا نواة قسم تحقيق مدني. وقد قدمت الحكومة أموالا إضافية لبعض قوات الشرطة المحلية. ويمكنها للمرة الأولى أن تجبرها على تبني الإصلاح. ويهدف تغيير دستوري آخر إلى تحسين النظام القضائي المتزمت، وإدخال الأدلة اللفظية، والتحرك نحو المحاكمات بطريقة المخاصمة. وهو يعتمد على التجارب الأخيرة في بعض الولايات المكسيكية.
وقد اجتذبت هذه الجهود المساعدات الأمريكية، خاصة على شكل تقديم معلومات استخبارية ساعدت في الاستيلاء على المخدرات واعتقال كبار تجار المخدرات. وبموجب مبادرة Merida، ستقدم الولايات المتحدة معدات إضافية (مثل معدات الرؤية الليلية وأجهزة الكشف عن المعادن) والتدريب. ويشير المسؤولون المكسيكيون إلى أن الأموال المعنية ضئيلة (400 مليون دولار سنويا لمدة ثلاث سنوات) مقارنة بالمبلغ الذي ينفقونه سنويا البالغ تسعة مليارات دولار. ويقول Medina Mora أنه يرحب بتغير المواقف أكثر من الأموال، حيث يقول: "لقد انتقلنا من مرحلة تبادل الاتهامات إلى موقف المسؤولية المشتركة لحل مشكلة ثنائية بطبيعتها". ولكنه يضيف أن التنظيم الأفضل لبيع الأسلحة في الولايات المتحدة سيكون له تأثير أكبر. ويشير إلى أنه من بين 107 آلاف متجر للأسلحة في الولايات المتحدة، هناك 12 ألفا منها قريب من الحدود المكسيكية, وأن نسبة المبيعات في هذه المتاجر أعلى بكثير من المتوسط. ويتم شراء آلاف البنادق الآلية لتصديرها إلى المكسيك، وهو أمر غير قانوني. وقد وعد المسؤولون الأمريكيون ببذل جهود أكبر لمنع هذا.
ويقول Garc?a Luna إن المكسيكيين سيبدأون بالإحساس بالفرق في الأشهر المقبلة، حين يتم وضع جميع الأعمال التي تم القيام بها خلال العامين الماضيين موضع التنفيذ. إلا أن هناك عديدا من الشكوك الكبيرة. الأول هو فيما إذا كانت الحكومة تتحرك بسرعة كافية. فالخطة الأصلية كانت تقضي بأن يتم استخدام الجيش كقوة صدمة مؤقتة فقط. ولكن قد يتم نشر القوات لعامين آخرين أو أكثر، كما يؤكد Medina Mora. وفي أواخر شباط (فبراير)، أرسلت الحكومة خمسة آلاف جندي إضافي إلى Ciudad Ju?rez، التي استقال فيها قائد الشرطة بسبب تهديدات بالقتل. وتنطوي عملية عسكرة الأمن العام- وإن كان لا مفر منها على المدى القصير- على خطر ألا تحصل المكسيك على قوة شرطة مجتمعية مدنية ضرورية لمنع والتحقيق في الجرائم.
وتعتبر الحروب للحصول على الموارد مشكلة أخرى. فهناك ما لا يقل عن ست وزارات معنية بطرق مختلفة في الأمن العام، ناهيك عن حكام الولايات ورؤساء البلديات. وغالبا ما يختلف Medina Mora، رجل الأعمال السابق، وGarc?a Luna، مع رجل الشرطة، في الرأي، والجيش فوق النقد من الناحية السياسية. والمطلوب هو تحويل الجيش إلى قوة مهنية صغيرة للدفاع الخارجي, وجعل مسؤولية الأمن الداخلية في وزارة الأمن العام مركزية، كما يقول Ra?l Ben?tez، المتخصص في الدفاع في جامعة National Autonomous في مكسيكو سيتي.
ومصدر الشك الأكبر هو فيما إذا كانت الحكومة قادرة على منع التسلل إلى قواتها وإفسادهم. فأحد أعنف عصابات المخدرات، وهي Zetas، مكونة من جنود القوات الخاصة الذين غيروا ولاءهم قبل عقد من الزمن. ولا تستطيع الحكومة حتى الآن تقديم ما يكفي من المال والحماية لقوات الشرطة التابعة لها لجعل مقاومة تهديدات وإغراءات تجار المخدرات أمرا جديرا بالفعل. فهل تغير ذلك؟
وفي النهاية، لا يمكن للحكومة في دولة متقدمة مثل المكسيك أن تخسر هذه المعركة. ويقول عالم الاجتماع Hector Aguilar Cam?n: "إن المكسيك ليست دولة فاشلة، فهي دولة عادية". إلا أن هناك بالفعل دلائل تشير إلى أن تجارة المخدرات ستتكيف مع ذلك. فقد أسست العصابات المكسيكية عمليات لها في أمريكا الجنوبية، وبدأت بالتصدير إلى أوروبا من هناك، وذلك وفقا لشركة Stratfor الاستشارية في تكساس. وقد تحركت بقوة إلى أمريكا الوسطى. وتماما مثل كولومبيا، اكتشفت المكسيك أن العنف الناتج عن المخدرات يتطلب منها تحديث قواتها الأمنية. ولهذه العملية تكلفة بشرية كبيرة. والمشكلة أن تجارة المخدرات، المرنة أكثر من أي وقت مضى، ستتكيف وتستمر.

الأكثر قراءة