العاطفة الدينية .. الاستغلال
في خبر نقلته جريدة "عكاظ" بتاريخ 14/2/1430هـ أصدرت وزارة الداخلية قرارا بمنع جميع البنوك والمصارف من استغلال أسماء وصور المشاعر المقدسة في الترويج للمنتجات التسويقية كمحاولة لإضفاء صفة الشرعية الدينية عليها بهدف التلاعب والمتاجرة. كما ورد في الخبر أن الوزارة أبلغت القرار للقطاعات المختصة بما فيها وزارة المالية ومؤسسة النقد لمتابعة تنفيذه. وأشارت الجريدة إلى أن بنكا خليجيا كان قد أطلق في الآونة الأخيرة بطاقة ائتمانية تحت اسم "بطاقة مكة", مدعيا أنها البطاقة الإسلامية الأولى التي يجني مستخدموها نقاطا تمكنهم من زيارة بيت الله الحرام!
لقد أحسنت وزارة الداخلية صنعا بإصدار ذلك القرار حماية للمجتمع من تلك السلوكيات غير السوية وما تنطوي عليه من تضليل متعمد, إذ يبدو أن استغلال عواطف الناس والتلاعب بمعيشتهم تحت ستار الدين, أصبح أمرا لا حرج فيه لدى شريحة متزايدة من قطاع الأعمال سواء كان ذلك في مجال المصارف, والعقار, أو التجارة في مجملها. وما يدعو المرء للعجب المجاهرة بتلك السلوكيات على مرأى ومسمع الجهات الرسمية دون وجل أو حياء. بل الأدهى من ذلك أن بعضا من ذلك الاستغلال للعواطف الدينية يستند إلى تراخيص من سلطات الرقابة المالية المعنية, كالصناديق الاستثمارية التي تديرها بعض المصارف السعودية بأسماء تصفها بأنها مباركة, طيبة, ونقية, وغيرها من الأسماء والصفات التي تحمل دلالات قد يساء استخدامها في التغرير بالمتعاملين في السوق.
ومما يؤسف له أن بعضهم قد تمادى في ذلك النهج ودأب على ابتكار مداخل جديدة والترويج لها على شكل واسع دون مبالاة بالمحتوى الحقيقي لتلك المنتجات والنوايا الخفية لمروجيها. ولم يقتصر سلوك ذلك النهج على الشركات والمصارف المحلية فحسب, بل انخرطت فيه أيضا بنوك وشركات استثمار أجنبية بأساليب ماكرة وإن بدت ساذجة للمراقب المحترف, إذ تغلفت التعاملات الربوية التقليدية بغطاء خارجي خفيف كاف لأن يوحي للمتلقي سلامة الإجراء من منظور إسلامي ما يمنحه راحة نفسية كاذبة. تلك التجاوزات زادت وتيرتها في السنوات الأخيرة بشكل ملحوظ, وباتت تحاصرنا على مستوى الأفراد والمؤسسات على الرغم من النصائح والتنبيهات التي أطلقها بعض علمائنا الأفاضل وتحذيراتهم من خطورة السير في تلك الطريق على المجتمع برمته.
ثم هناك بعض المشاريع العقارية في مكة المكرمة والمدينة المنورة التي يتم الترويج لها باستخدام صور فوتوغرافية جميلة للمسجد الحرام ومسجد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهما عامران بالمصلين, مع الاستشهاد في الحملات الإعلانية بآية من القرآن الكريم أو حديث نبوي شريف عن فضل الصلاة في المسجدين أو فضل الجوار, وما إلى ذلك من قيم ومقاصد دينية سامية. ذلك النمط من التوظيف للدين ينبغي أيضا أن يوضع حد له لئلا تخدش قداسة تلك الأماكن وروحانيتها, ولا سيما أن كثيرا من المسلمين حول العالم قد تلتبس عليهم الأمور في خضم مثل ذلك الخلط والتشويش.
وكذلك الحال بالنسبة إلى السلع الاستهلاكية التي تستخدم اسم المدينتين المقدستين أو عبارات ذات دلالات دينية كما يشاهد في بعض المياه المعبأة, المأكولات, والملبوسات, وغيرها من المنتجات المتداولة في الأسواق.
إن العالم الإسلامي ينظر إلى السعودية وشعبها نظرة إعجاب وإكبار, بل هي قدوة للسواد الأعظم من المسلمين, ذلك ما يعطي بعداً واسعاً لقرار وزارة الداخلية بمنع المصارف من المتاجرة والتلاعب بالأسماء والقيم الدينية. وإذ نشيد بذلك القرار, فإننا نتطلع إلى متابعة تنفيذه وتوسعة نطاقه كي يشمل، إلى جانب المصارف, النشاط العقاري وجميع السلع والخدمات الأخرى في المملكة.