"سابك" و"داو كيمكال": ما فيش حد أحسن من حد
وصلت شركة داو إلى اتفاق ملزم لشراء شركة روم وهس. سعر الشراء المتفق عليه هو 78 دولاراً للسهم وبمبلغ يصل إلى 15.3 مليار دولار نقداً. جزء من استراتيجية "داو" كان الاتفاق المبدئي مع الكويت، بحيث تستثمر الكويت في شراكة مع "داو" وبموجب هذا الاتفاق تحصل داو على مبلغ تسعة بلايين دولار.
أرادت "داو" ارتقاء السلم الفني (تقليل الاعتماد على الصناعات البتروكيماوية السلعية) وكذلك على دعم لتمويل الصفقة الملزمة مع "روم وهس". الإشكالية أن الاتفاق الأول ملزم والثاني غير ملزم.
الأزمة الاقتصادية العالمية أعطت الكويت فرصة لتعديل السعر إلى 7.5 مليار دولار، ثم ما لبثت الكويت أن تراجعت عن الشراكة كلياً.
تغير أوضاع السوق تجارياً وتمويلياً جعل "داو" في وضع لا تحسد عليه.
كذلك شركة سابك اعتقدت أن صفقة الاستحواذ فرصة استراتيجية في الارتقاء في السلم الفني وتقليل الاعتماد على تذبذب الصناعات البتروكيماوية الأساسية، وقد تكون رغبة وزارة البترول في تطوير الصناعات الثانوية عاملا. اعتقدت "سابك" أن الاستحواذ على "جي آي بلاستك" سوف يحقق هذه الأهداف، ولكنها قد تكون بلغت أكثر مما تستطيع خاصة في ظل التوسع والاقتراض المصاحب والسعر العالي نسبياً وسوء طالع الوقت في حدة الأزمة العالمية. لدى "سابك" إشكالية مهمة تتلخص في القفز من الأولويات في الصناعة إلى المستوى الثالث أو الرابع دون التمكن من المستوى الثاني، وفي ذلك قدر من التسرع.
يا ترى ما أوجه التشابه والاختلاف بين الحالتين؟ الواضح أنهما يشتركان في سوء طالع التوقيت، وهذا يصعب أن تلام عليه إدارتا الشركتين فالأزمة العالمية حادة وعميقة ويصعب التنبؤ بها أثناء عقد هذه الصفقات.
إذا كان التساؤل حول المنطق الاستراتيجي ومدى الاستعداد لهضم هذا المزيج من سوء الطالع في التوقيت والأخطاء الإدارية الاستراتيجية، فكما يقال غلطة الشاطر بعشر. غلطة "داو" أقرب ما تكون إلى سوء تقدير من الإدارة في درجة الربط القانوني مع الكويت بينما الربط القانوني مع "روم وهس" كان ملزماً وكان واضحاً حيث الاحتكام إلى قانون ولاية ديلوير يعطي أهمية قصوى لحقوق المساهمين. ولكن نظراً للضرر الكبير الذي سوف يلحق بالشركة بعد الاستحواذ فقد ادعت "داو" بالضرر على المجتمع بما في ذلك من تسريح آلاف العاملين، سوف تنظر المحكمة في حالة التظلم الشهر القادم. المنطق التجاري يبدو أنه سليم لو تم الجزء الآخر مع الكويت.
غلطة "سابك" يمكن تأويلها إلى رغبة جامحة في النمو بعد أن حققت نمواً مطرداً، خاصة بعد أن سلمت الجرة في استحواذات أوروبا التي كانت في نفس المحيط الفني والتجاري على الرغم مما قيل عن أن "سابك" دفعت أعلى من القيمة الجوهرية للاستحواذ على شركة داس م، كان الأحرى التدرج في السلم الفني والتجاري، فكلما ابتعدت عن التعويل على الغاز المخفض زاد الضغط على القدرات الفنية والإدارية، وهذا لا يتأتى بالسرعة التي تتناسب مع الرغبة الجامحة في النمو.
لا نعرف ماذا يحمل المستقبل، فهذا يعتمد على درجة وحدة الأزمة الاقتصادية. في حالة "داو" قد يغلب منطق المصلحة ويترجم ذلك إلى خفض السعر بينما سوف تضطر "سابك" لانتظار حالة السوق ومحاولة تقليص الدين تدريجياً. لعل بارقة أمل لكلتا الشركتين تأتي من خلال الضخ النقدي في النظام المالي العالمي الذي قد يتحول إلى حالة تضخمية تخدم المقترض.
التضخم يرفع أسعار السلع ويفيد المقترض بتوفير مبالغ عالية "أقل قيمة" تمكنه من السداد. لعل الدرس الأهم يأتي في حرص الإدارة على الإحاطة والتدرج في البناء لتراكم المعرفة والخبرة.