الطيران الأعمى
يزداد مدار الأرض ازدحاما. فقد شهدت السنوات القليلة الماضية نموا هائلا في عدد الأقمار الصناعية. ولكن للأسف، حيثما تدخل الحضارة تترك وراءها قمامة. ومن بين الأجسام البالغ عددها 18 ألفا التي تم تتبعها وهي تدور حول الأرض وذات الحجم الأكبر من عشرة سنتيمترات (أربع بوصات)، هناك 900 منها فقط أقمار صناعية شغالة. أما الباقي فهو مجرد حطام - كل شيء من فتات الطلاء إلى أقمار صناعية منتهية وأجزاء من صواريخ قديمة. وتدور القطع المحطمة من المعدات الفضائية مع المواد التي يلقيها رواد الفضاء، بما في ذلك الأدوات والقفازات.
وهذا كم هائل وكاف من القمامة دون إيجاد المزيد منها دون داع عن طريق تحطيم الأقمار الصناعية. إلا أن تدمير القمر الصناعي الصيني Fengyun-1C خلال تجربة لصاروخ مضاد للأقمار الصناعية عام 2007 أسهم بأكثر من ربع الأجسام المصنفة في المدار الأرضي المنخفض. كما أن تصادم قمر صناعي تجاري أمريكي مع قمر صناعي عسكري روسي ميت أضاف آلاف قطع الحطام الأخرى. وينبغي على صناعة الفضاء تحسين أدائها من أجل الكوكب بأكمله.
لا يسمعك أحد في الفضاء وأنت تنظف
إن القمامة في الفضاء خطيرة. فأي شيء أكبر حجما من نقطة صغيرة يشكل خطرا على الأقمار الصناعية المفيدة التي تحيط بالأرض، التي يعتمد عليها العالم بصورة متزايدة للاتصالات والبث والمراقبة. ونفايات الفضاء لا تتحلل، كما لا يمكن تكنيسها، بل تبقى في المدار لعقود عديدة، أو حتى قرون، قبل أن تسقط في النهاية إلى الأرض وتحترق.
ومع تزايد حجم أكوام القمامة، تزيد كذلك احتمالات التصادم. وفي السبعينيات، أشار أحد علماء (ناسا) إلى أن الحطام الناتج عن تصادم في الفضاء قد يؤدي إلى تصادم آخر، مما من شأنه أن يوجد المزيد من الحطام ويؤدي إلى المزيد من التصادم، وهكذا دواليك. وفي النهاية، سيصبح المدار بكامله عديم الفائدة لأجيال عديدة.
إن المدارات حول الأرض قيمة للغاية بحيث لا يمكن السماح بحدوث ذلك. ويعد الفضاء مساحة مشتركة ويجب على البشر تقييمها. لذا حان الوقت لوقف الطيران الأعمى لهذا العدد الكبير من الأقمار الصناعية. ومع أن بعض المنظمات تجمع وتحلل البيانات المتعلقة بالاصطدامات المحتملة، إلا أنها لا تكون دائما دقيقة وقد يكون هناك فجوات معرفية- كما أظهر التصادم الأخير. وقالت وكالة الفضاء الأوروبية أنها ستشجع وكالات الفضاء على تبادل المزيد من المعلومات. وستعمل أيضا على وضع معايير للعمل بصورة وثيقة مع أمريكا.
إلا أن تلك إجراءات متواضعة للغاية. فما نحتاج إليه هو نظام توعية دولي للأقمار الصناعية المدنية، الذي سيزود الجميع من الحكومات الصغيرة إلى الشركات بالمعلومات التي تحتاج إليها للعمل بصورة آمنة. إلا أن إنشاء مثل هذا النظام بتكلفة بسيطة يتطلب أن تجمع الدول المعلومات من أجهزة الاستشعار الأرضية الخاصة بها. ويجب أن يحدد النظام قواعد الطريق، مثل من الذي يجب عليه إفساح الطريق. ويجب على جميع الدول التي ترتاد الفضاء الالتزام بالتوجيهات الدولية لتقليل كميات الحطام الناتجة عن عمليات الإطلاق إلى أقل حد. وهناك مبررات قوية لصالح إيقاف الاختبارات المضادة للأقمار الصناعية التي تنتج الحطام. ويجب أن يتم إلزام محطات إطلاق الأقمار الصناعية بشراء تأمين لتغطية مخاطر التكاليف الإضافية قبل أن تقوم بالمغامرة في الفضاء، تماما مثلما يفعل سائقو السيارات قبل الانطلاق بسياراتهم في الشوارع. وتنشأ مثل هذه التكاليف حين يضطر أحد الأقمار الصناعية إلى القيام بمناورة وبالتالي استهلاك الوقود، مما يقصر فترة حياته في المدار.
وليس بالضرورة أن تكون هذه الخطة مكلفة، ولكنها ستواجه صعوبة كبيرة. فبسبب كون الفضاء مفتوحا لأي دولة لديها قدرة على إطلاق الصواريخ، قد تحاول بعض الدول تحميل دول أخرى تكاليف التحوّط في حين تجني هي الفوائد. ويمكن لسلطات الفضاء أن تستخدم مختلف الوسائل لإعادة مثل تلك الدول المتمردة إلى وعيها، من إمكانية الحصول على التكنولوجيا إلى الضغوط المعنوية. ولكن في النهاية إذا رفضت ذلك، من المهم ألا يؤدي ذلك إلى منع التوصل إلى الاتفاق. فلا يجب ترك الفوضى على الأرض تزيد تفاقم الفوضى في الفضاء.