2020 .. حج «واقعي» وإعلام «افتراضي»
كانت طاولات المؤتمرات الصحافية طوال مواسم الحج الماضية صاخبة بما تحتويه من أجهزة تسجيل، بدأت بمسجل "سوني ناشونال" الضخم ذي الشريط الكبير، وصولا إلى أجهزة إلكترونية ورقمية صغيرة تحفظ في جيب الثوب العلوي، لكن موسم العام الحالي يشهد غيابا لها، في ظل غرف افتراضية، جراء الجائحة.
وبدا المؤتمر الصحافي الأول عن بعد لمتحدثي الوزارات المعنية بخدمة الحجاج مشهدا غير مألوف للصحافيين السعوديين المعتادين على اللقاءات المباشرة خلال مواسم الحج المنصرمة، لكنها الضرورة كما يعدها الإعلامي خالد الحسيني، الذي اعتاد العمل في مواسم الحج طوال 43 عاما.
وقبل الحديث عن التغطية الإعلامية للحج في ٢٠٢٠، لا بد من العودة مع الإعلامي الحسيني المعتز بصفته الأولى التربوية لسرد حكاية الصحافة السعودية والحج قبل أربعة عقود من الآن، وبالتحديد العام الذي سبق حادثة اقتحام الحرم المعروفة باسم "حادثة جهيمان".
يقول الحسيني عن أول تغطياته الصحافية "تجربتي الأولى في تغطية الحج حدثت خلال عملي في جريدة "البلاد" عام 1978، لكن لا أعدها بدايتي الفعلية، التي جاءت في موسم حج 1979، عندما كلفت بداية من 5 ذو الحجة بتغطية أول جولة فعلية للصحافيين في مواسم الحج مع الأمير الراحل نايف بن عبدالعزيز وزير الداخلية ورئيس لجنة الحج العليا، حيث انطلقت صباحا من مواقف حجز السيارات على طريق مكة - جدة القديم، وتنتهي بمؤتمر صحافي في مقر الأمن العام القديم في مشعر منى في آخر اليوم الطويل".
ويضيف "زيارات الأمير نايف حينها كانت دقيقة وتشمل كل القطاعات الأمنية والخدمية، فيما المؤتمر الصحافي كان يقتصر على الصحف السعودية حتى عام 2000، ثم تطور وتوسع وأصبح يشهد حضور وكالات وصحف أجنبية".
وبمجرد انتهاء الجولة الميدانية للمشاعر ينطلق سباق اللحاق بالطبعة الأولى في مهمة شاقة بسبب عدم توافر الأدوات المتاحة لصحافي 2020 الذي يكتب مادته على جهاز لوحي، ويرسلها إلى الصحيفة، ثم تنشر خلال فترة قد لا تستغرق نصف ساعة، إذ تبدأ الرحلة الشاقة للحسيني بتفريغ جهاز تسجيله الضخم ماركة "ناشونال" من محتواه وكتابة المادة ثم الاتصال بالصحيفة بواسطة أحد هواتف الجهات الحكومية قبل أن توفر الصحيفة لمكتبها في مكة المكرمة هاتفين، وإملائها على جنود المهنة المجهولين "الصفيفة"، أي من يصفُّون المواضيع، من الخامسة عصرا حتى السابعة مساء.
هذا ما يحدث في أحسن الحالات، أما أسوئها المرتبطة بأحداث مهمة كحادثة الحرم "جهيمان" وحادثة سقوط الطائرة، يضطر للسفر إلى المقر الرئيس لجريدة "البلاد" في جدة لتسليم المادة والصور، وذلك قبل ظهور اكتشافين في ذلك الحين، غيّرا المعادلة هما "الفاكس" وجهاز تحميض وإرسال الصور.
وبحجم سعادة الصحافيين بدخول الإنترنت فيما بعد، كانت سعادة جيل الحسيني من الصحافيين بدخول الفاكس إلى مكتب جريدة "الرياض" في مكة المكرمة عام 1982، حين اختصر الوقت والجهد في إرسال المواد الصحافية.
ويوضح الحسيني أنه عندما كان مديرا لمكتب صحيفة "الرياض" في العاصمة المقدسة في عام 1982، كان يرسل صور تغطية جولات الأمير نايف بن عبدالعزيز وتفقده مرافق وإدارة الحج إلى مطار جدة، ليتسلمها أحد الأشخاص، الذي يرسلها بواسطة مسافر على رحلة الرياض لتسليمها إلى الصحيفة.
ويستكمل "كانت التغطية الكاملة للحدث تنشر متأخرة، فمثلا إذا كان الحدث في الخامس من ذي الحجة ينشر في عدد اليوم السادس كخبر فقط، أما التغطية الكاملة بالصور فتنشر في اليوم السابع - بعد يومين من الحدث - نعم بعد يومين، وهناك من يقتني الصحيفة حتى يقرأ.
وتلا الفاكس وصول جهاز تحميض الصور وإرسالها، الذي أهميته لم تكن تقل عن أهمية تطبيقات الصور في عالم اليوم.
وبحسب الحسيني، تستمر رحلة التغطية الإعلامية في يومي السادس والسابع من ذي الحجة لجولات الوزراء على الإدارات المعنية بالحج حتى اليوم الثامن موعد وصول ضيوف الرحمن إلى مشعر منى، الذين كان عددهم حينها نحو مليون حاج.
ولأن "الحج عرفة"، تكون استعدادات الحسيني مبكرة من مساء اليوم السابع، أي قبل وصول الحجاج بـ 48 ساعة، حيث يحرص على زيارة المشعر لتفقد الاستعدادات.
ويشير إلى أهمية العمل الصحافي في يوم عرفة، بالقول "نوظف كل إمكاناتنا لهذا اليوم لأهميته، ونبذل جهدا مضاعفا في الجولات الميدانية للإدارات الحكومية ومخيمات الحجاج، في ظل عدم توافر وسائل تنقل داخل المشعر".
الركض الصحافي للحسيني في الحج وجيله رفاق الحبر والخبر، كان لا يتوقف، وثماره ضربات صحافية من نوع تبقى عالقة في ذاكرة الصحافي حتى آخر العمر. لمَ الغرابة إذا كان السبق قرارا حكوميا جاء نتيجة سؤال صحافي!
ويعتز الحسيني بمساهمته كصحافي في إلغاء تصاريح دخول مكة، التي كانت تطبق في الخامس من ذي الحجة، وكان 1990 آخر عام طبقت فيه، بعد وقوفه في أحد المؤتمرات الصحافية والحديث مع الفريق عبدالله آل الشيخ عن معاناة أهل مكة من تلك التصاريح، واقتراح جعلها فقط للدخول إلى المشاعر، والسماح للأهالي بالخروج والدخول متى شاءوا.
وباعتبار الحج في عرف الصحافيين قصة إنسانية كبيرة، فمن القصص الإنسانية التي يعتز بكتابتها، قصة حاج باكستاني ظل 20 عاما يجمع تكاليف الحج.
غير أن أحداثا شكلت منعطفات مهمة في حياته الصحافية، واختبارا لقدرات الصحافيين الميدانيين في نقل الأحداث إلى العالم، من بينها "حوادث نفق المعيصم، وحريق منى، ومظاهرات الإيرانيين التخريبية التي شاهدتها بأم العين كاملة".
وخلال مسيرة صحافية استمرت حتى عام 2016، وقف الحسيني شاهدا على عصر تطور المشاعر المقدسة، التي حظيت بعناية الحكومات السعودية المتعاقبة، وحوادث كثيرة، وقيادات رائدة، وزملاء مهنة، وثقها في كتاب "حياة في التربية والصحافة".
وبالعودة إلى تسلسل تطور الأدوات في أيدي الصحافيين، شهد منتصف وأواخر التسعينيات الميلادية طفرة الهواتف المحمولة، التي مثلت مرحلة جديدة في أدوات الصحافي لنقل الأخبار أولا بأول إلى مقر صحيفته، خصوصا في المؤتمرات الصحافية.
وبعد 38 عاما وصلت أخيرا "الإنترنت"، في بداية الألفية الثانية، يصف الحسيني وصولها "أحدثت تطورا كبيرا ونقلة نوعية في العمل الصحافي".
وبات الصحافيون ينتقلون إلى المشاعر حاملين أجهزتهم اللوحية وهواتفهم المحمولة، ينقلون الحدث خلال وقت يواكب عصر السرعة.
واليوم في 2020، غاب مراسلو الصحف عن أرض المشاعر المقدسة، بسبب الإجراءات الاحترازية التي اتخذتها الحكومة لضمان استمرارية الشعيرة في جو صحي، وأصبحت متابعتهم عبر مواقع افتراضية لحضور المؤتمرات واستقاء المعلومات والصور والفيديوهات.
وهنا يتحدث الحسيني للجيل الحالي من الصحافيين قائلا "أنتم في بحبوحة من أمركم.. استغلوها".