توقعات بهبوط اضطراري للاقتصادات الواعدة العام الجاري والانتعاش 2010
رسمت وحدة الأبحاث الاقتصادية في "الإيكونوميست" صورة قاتمة للاقتصاد العالمي بما في ذلك اقتصادات دول الخليج ومنطقة الشرق الأوسط التي توقعت تراجع نمو اقتصاداتها مع انخفاض أسعار النفط إلى 35 دولارا للبرميل متوسط لعام 2009.
وأكدت "الإيكونوميست" في عرضها لتوقعاتها لعام 2009 في مؤتمرها السنوي في دبي أمس أن اقتصاد إمارة دبي سيكون الأكثر تضررا بين الاقتصادات الخليجية حيث سيتعين على حكومتها التي تعاني من ارتفاع مديونيتها أن تسدد خلال العام الجاري 16 مليار دولار من مستحقات الدين الذي يقدر بنحو 80 مليار دولار للحكومة وشركاتها.
ووفقا للخبراء الذين شاركوا في النقاش فإن اقتصادات الخليج ستسجل تراجعا في معدلات النمو وستعاني من تراجع أسعار النفط الذي يتوقع أن تصل متوسطاتها إلى 35 دولارا للبرميل في العام الجاري وهو ما سيضغط على الموزانات الخليجية التي يتوقع أن تسجل عجوزات أكبر من المستهدف. وخصصت جلسة كاملة من جلسات المؤتمر لمناقشة تداعيات الأزمة المالية على الاقتصادات الخليجية وتوقعات عام 2009 شارك فيها أحمد الخطيب المدير والرئيس التنفيذي لشركة جدوى للاستثمار السعودية والدكتور ناصر السعيدي رئيس الشؤون الاقتصادية في مركز دبي المالي العالمي وسيمون وليامز كبير الاقتصاديين في بنك إتش إس بي سي الشرق الأوسط. وتشير توقعات "الإيكونوميست" إلى تباطؤ نمو الناتج المحلي الإجمالي في العالم (تعادل القوة الشرائية) إلى نسبة 2 في المائة في العام الجاري. وقال البروفيسور نورييل روبيني أستاذ الاقتصاد في جامعة نيويورك المتحدث الرئيسي أمام المؤتمر إن العالم يشهد حالياً أسوأ أزمة مالية منذ حدوث الانتكاسة الاقتصادية الكبرى، حيث يتوقع أن يمرّ الاقتصاد العالمي بأسوأ مراحل الركود في التاريخ خلال العام الجاري.
وسيشمل الركود الاقتصادات الواعدة في السوق التي ستشهد انخفاضاً حاداً في النمو ما يشبه هبوط الطائرة الاضطراري كما يتوقع استمرار انخفاض أسعار النفط والغاز والسلع عن مستوياتها الحالية، مما سيؤدي إلى تأثر الدول المصدِّرة للنفط حول العالم وفي الشرق الأوسط خصوصا بهذا الانخفاض الحاد.
وتوقّع روبيني أن يشهد الاقتصاد العالمي انتعاشاً ملموساً خلال عام 2010 فقط عبر تحقيق عام مالي ناجح واعتماد سياسة نقدية ومالية موازية في الولايات المتحدة والدول الأخرى.
وأوضح أن آثار الركود الاقتصادي ستبقى مماثلة خلال ذلك العام بالرغم من تخطي هذا الوضع. وبالرغم من التوقّعات بانحسار الوضع الاقتصادي العالمي بنسبة 0.4 في المائة خلال العام الجاري، والذي يعتبر أول انكماش منذ الحرب العالمية الثانية، ستشهد منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تباطؤا حادا في النمو حسبما ذكر تقرير وحدة "الإيكونوميست"، مشيرا إلى تدني النمو الاقتصادي لدولة الإمارات من نسبة 7.7 في المائة خلال عام 2008 إلى 1.5 في المائة خلال العام الجاري.
وتتوقّع وحدة "الإيكونوميست" للأبحاث ضعفا في الأداء الشامل للمنطقة مع نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 2.8 في المائة فقط مقارنة بنحو 6 في المائة في عام 2008 وكما قال روبين بيو، مدير التحرير وكبير المحللين الاقتصاديين في وحدة "الإيكونوميست" لقد أدّى الانهيار المالي العالمي إلى اهتزاز أقوى وأهم المنظمات التي تم إنشاؤها في جميع أنحاء العالم. ولقد طالت تداعيات الأزمة المالية العالمية حتى أكبر وأقوى المؤسسات حول العالم ويتطلع كل فرد وقطاع وحكومة إلى الفترة التي يمكنهم فيها تحقيق الانتعاش بعد تكبد الخسائر الكبيرة.
وقال بيو "حتى لو بادرت الدول الخليجية إلى استخدام موارد الثروة واسعة النطاق لديها للمساعدة على دعم المؤسسات المالية في أوروبا وأمريكا، سيتزايد القلق بشأن تداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية على المنطقة سريعة النمو كما أن انخفاض أسعار النفط ونقص السيولة المحلية قد أدت إلى طرح تساؤلات حول آفاق النمو لعام 2009، والسؤال المطروح الآن يتمحور حول قدرة منطقة الخليج على الخروج من العاصفة الماليّة التي تجتاح سائر أنحاء العالم".
ويتوقّع المحللون في وحدة "الإيكونوميست" ألا تؤدي أية صدمات جديدة إلى تفاقم الأوضاع المالية على النطاق العالمي حيث من المستبعد حدوث تحسن كامل للأوضاع المالية قبل عام 2010 وقال دانيال فرانكلين، رئيس تحرير مجلة "الإيكونوميست" إن من المتوقّع حدوث تغيير في بداية عام 2009، وذلك في أعقاب تسلم لرئيس الأمريكي الجديد منصبه حيث يتوقع حدوث تحول في التوقعات بالنسبة للاقتصاد بالإضافة إلى إعادة تقييم لمنظورات الطاقة وأولويات الاستثمار لمنطقة الخليج العربي.
واتفق أحمد الخطيب المدير والرئيس التنفيذي لشركة جدوى للاستثمار السعودية في كثير مما ورد في تقرير "الإيكونوميست" بشأن توقعات النمو في الخليج بالقول إن الصورة تبدو تشاؤمية على المدى القصير نتيجة للنمو الكبير الذي حققته دول الخليج خلال السنوات الخمس الماضية وهو ما يدعم احتمالية حدوث انخفاض كبير خصوصا في قطاعي العقار وأسواق الأسهم.
وأوضح أن تراجع أسعار النفط سيضغط على الموازنات الخليجية خلال العام الجاري والذي لن يكون عاما إيجابيا بالمرة في ظل التوقعات بوصول أسعار النفط إلى 35 دولارا للبرميل في حين احتسبت غالبية الموازنات الخليجية على أساس 60 دولارا للبرميل وهو ما يعني أن العجز في الموازنات الخليجية سيكون أكبر من التوقعات وإن تراجعت النفقات والمصروفات بسبب انخفاض تكاليف المشاريع.
غير أن الخطيب أكد أن دول الخليج ستكون أول المناطق وأسرعها تعافيا في حال حدث تحسن في الاقتصاد العالمي كما أنها قادرة على الإنفاق لعامين الجاري والمقبل حتى لو سجلت أسعار النفط تراجعات كبيرة بسبب فوائضها المالية التي راكمتها على مدار السنوات الخمس الماضية.
وأكد أن السعودية قادرة على مواجهة أية تأثيرات في اقتصادها تدعمها أضخم موازنة أصدرتها المملكة في تاريخها وامتلاكها فوائض مالية بقيمة 580 مليار ريال، كما أنها رصدت 400 مليار ريال للإنفاق على مشاريعها التنموية، ولأول مرة تشهد المملكة برامج لتنويع الاقتصاد منها بناء المدن الاقتصادية والسكك الحديدية وبناء 15 جامعة وتحفيز القطاع الصناعي وكلها مشاريع من شأنها تنويع أكبر اقتصاد في المنطقة.
ووفقا للخطيب فإن من إيجابيات الأزمة المالية لدول الخليج تراجع معدلات التضخم التي ستؤدي إلى انخفاض تكاليف بناء المشاريع وجعل المساكن في متناول أيدي محدودي الدخل كما أنها خلقت فرصا مغرية أمام الصناديق السيادية لشراء أصول الشركات الأجنبية بأسعار منخفضة للغاية خصوصا خلال العام أو العامين المقبلين.