دول الخليج تسجل أطول نافذة إصدار إلى أسواق الدخل الثابت العالمية على امتداد الجائحة

دول الخليج تسجل أطول نافذة إصدار إلى أسواق الدخل الثابت العالمية   على امتداد الجائحة

تطرح حكومة السعودية غدا الأربعاء إصدارها الشهري من الصكوك الادخارية الخاص بشهر يونيو، الذي تبدأ فيه باستقبال طلبات المستثمرين، الذين يبحثون عن الاستثمار الآمن والتوزيعات الدورية المضمونة، بأدوات الدخل الثابت المتوافقة مع الشريعة، فيما سيتم تسوية الإصدار يوم الإثنين من الأسبوع المقبل.
ويأتي الطرح في وقت تشهد فيه أسواق الدين الخليجية أفضل مستوياتها خلال الجائحة، مع تحسن واضح في معنويات المستثمرين الدوليين تجاه إصدارات المنطقة.
ويتوافق توقيت الطرح المحلي مع تسجيل الأسواق الناشئة مكاسب لإصدارات أدوات الدين، وذلك لثمانية أسابيع متتالية، بفضل جهود البنوك المركزية في دعم اقتصاداتها المحلية.
من ناحية أخرى، أفاد متعاملون في أسواق الدخل الثابت لـ"الاقتصادية"، بأن أسواق الدين الخليجية سجلت أطول نافذة إصدار منذ امتداد تأثيرات الجائحة منتصف مارس إلى أسواق الدخل الثابت العالمية.
وتمكنت جهات الإصدار من السعودية وباقي دول الخليج خلال الفترة الماضية من طرح عدة إصدارات دولارية وبعملات أخرى مختلفة خلال الموجة الأولى لجائحة كورونا.
وأحسنت الجهات العاملة في المنطقة الخليجية استغلال نافذة الإصدار الطويلة بعد استقرار أسواق الدين مع العودة التدريجية لفتح الاقتصاديات وتحسن أسعار النفط، الأمر الذي ساهم في تخفيض تكلفة التمويل وانخفاض الهوامش الائتمانية على الجهات، التي استدانت خلال الـ50 يوما الماضية، مقارنة بمستويات التكلفة في مارس. مع العلم أن نافذة الإصدار لا تزال مفتوحة الآن للجهات التي أحبت أن تتريث في استدانتها أواخر الفترة الماضية.
وتميزت نافذة الإصدار الثالثة بحدث فريد من نوعه بصناعة المال الإسلامية عندما أصدرت مؤسسة مالية تنموية متعددة الأطراف، تتخذ من السعودية مقرا رئيسا لها، أول صكوك استدامية، بغرض مساعدة الدول المساهمة بالبنك الإسلامي للتنمية في مكافحة تبعات كوفيد - 19 الاجتماعية والاقتصادية.
وأغلق البنك الإسلامي للتنمية ومقره جدة، صكوكا مقومة بالدولار الأمريكي لأجل خمسة أعوام بقيمة 1.5 مليار دولار أواخر الأسبوع الماضي.
وفي العام الماضي، أصدر البنك أول صكوك خضراء مقومة باليورو من قبل مؤسسة دولية متعددة الأطراف. ويندرج كلا الإصدارين ضمن التمويل المستدام، الذي تدعو مبادئه المعنية بمراعاة البيئة والمسؤولية الاجتماعية والحوكمة، بحسب ما ذكرته وسائل الإعلام العالمية.

سوق الفيروسات التاجية
وبسبب حداثة السوق الجديدة، تتباين القيمة الإجمالية لأدوات الدين القائمة الخاصة بمكافحة التبعات الاقتصادية للفيروسات التاجية، إلا أن الأرقام تراوح بين 65 و151.5 مليار دولار.
وعلى سبيل المثال ترى صحيفة "وول ستريت جورنال" أن إجمالي متحصلات الإصدار العالمية (التي أخذت في الحسبان إصدارات الشركات الصينية والأمريكية) تصل إلى 151.5 مليار دولار بين الفترة من فبراير إلى مايو من هذا العام.
في حين ترى صحيفة "فاينانشيال تايمز" في تقرير نشرته في 14 مايو أن القيمية الإجمالية لإصدارات أدوات الدخل الثابت العالمية والمتخصصة لمكافحة الآثار الاقتصادية للجائحة بلغت 65 مليار دولار.

التصنيف الأدنى
وأظهرت الفترة الماضية أن المستثمرين على استعداد لتمويل الدول، التي تقع في أدنى سلم درجات التصنيف الائتمانية شريطة إظهار ما يثبت استطاعة تلك الدول في الأسواق الناشئة أن تحصل على دعم من مؤسسات التمويل الدولية التنموية أو أن تستفيد من مبادرة خدمة تأجيل سداد الديون، التي تبنتها مجموعة دول العشرين، شريطة عدم إدخال الاستدانة الجديدة ضمن المبادرة تعليق خدمة الدين.
ومع هذا، فإن بعض تلك الدول تخشى فتح باب إجراء محادثات مع مستثمري القطاع الخاص بخصوص تعليق مدفوعات خدمة الدين الخاصة بهم خشية أن يؤثر في نفاذهم المستقبلي لأسواق الدخل الثابت، بحسب ما ذكرته شركة الاستشارات القانونية "وايت آند كايس".
وأجرت مجموعة عمل الهيكل المالي الدولي بقيادة رئاسة السعودية لمجموعة العشرين اجتماعا استثنائيا، وذلك لدراسة جهود تطبيق مبادرة خدمة تأجيل سداد الديون، التي ستمكن الدول المستحِقة من تحرير ما يصل إلى 14 مليار دولار من مستحقات الديون لاستخدامها في مواجهة جائحة فيروس كورونا الجديد، تمهيدا لاجتماع وزراء المالية، ومحافظي البنوك المركزية لدول مجموعة العشرين، الذي سيعقد في شهر يوليو.

الطرح المحلي لهذا الشهر
ويأتي الإصدار المحلي للسعودية في وقت تلجأ فيه دول العالم (من الأسواق المتقدمة ونظيرتها الصاعدة) إلى أسواق الدخل الثابت (بشقيها الدولية والمحلية) من أجل التعامل مع الالتزامات الطارئة على ميزانية تلك الدول للتعامل مع جائحة كورونا، التي تتزامن كذلك مع خطط تحفيز الاقتصاد ودعم الوظائف.
وساهم انخفاض أسعار الفائدة في تخفيف حدة أثر خدمة الدين العام لتلك الدول التي تستدين وتمنح المستثمر في المقابل دفعات دورية ثابتة على مدار أجل الاستحقاق للسندات والصكوك، التي يتم إصدارها، وبخلاف الدول الأخرى، تتعامل السعودية مع الواقع الجديد للأزمة العالمية من مركز القوة.
وبخصوص الطرح المقوم بالريال السعودي، فإنه لا يعرف حتى الآن في إذا ما كانت جهة الإصدار السيادية تنوي إعادة فتح إصدار سابق أو طرح إصدار جديد بالكامل أو مزيج بين المنهجيتين.
وكشف تقويم الإصدارات المحلية لهذا العام عن تغير أيام الطرح والتسوية عما كانت عليه في 2019. حيث أصبح "يوم العرض" (أي عرض شرائح الإصدار أمام المستثمرين) يوم الأربعاء بدلا من يوم الأحد، في حين سيصبح يوم التسوية يوم الإثنين بدلا من يوم الأربعاء.
وذكر "المركز الوطني لإدارة الدين" أنه و"كجزء من مبادرات المركز لتحسين ظروف السوق المحلية بما يتماشى مع أفضل الممارسات، يستمر المركز باستعراض جدول إصداراته المحلية لتتناسب مع أيام عمل السوق الدولية، فيما يتعلق بإعلانات الإصدار ومواعيد التسوية".
وأشار إلى أنه قد تم إعداد جدول الإصدارات لعام 2020، والوضع في الحسبان الإجازات والعطل الرسمية في السعودية ونظام المدفوعات السريع.
ويأتي الطرح المحلي بعد موافقة المقام السامي في مارس على زيادة نسبة الاقتراض للناتج المحلي من 30 في المائة كسقف إلى 50 في المائة، حيث تتوقع وزارة المالية ألا يتم تجاوز تلك النسبة من الآن حتى نهاية 2022.

خيار الاستدانة
وكما تقوم به دول العالم في الاقتصاديات المتقدمة والصاعدة لمواجهة الجائحة، تخطط الحكومة السعودية لتوفير نحو 340 مليار ريال لتمويل عجز الميزانية المتوقع خلال العام الجاري في ظل تداعيات فيروس كورونا المتوقعة على إيرادات الدولة، إذ قال وزير المالية محمد الجدعان "إن الحكومة تتوقع سحب 110 مليارات إلى 120 مليار ريال من الاحتياطيات، كما هو مخطط في الميزانية، إضافة إلى زيادة إصدارات الدين بمائة مليار ريال إضافية ليصبح الإجمالي 220 مليار ريال خلال عام 2020".
ووفقا لتحليل وحدة التقارير في صحيفة "الاقتصادية" استند إلى بيانات وزارة المالية، تتجه الحكومة السعودية إلى تمويل 65 في المائة من عجز الميزانية عبر الاستدانة وإصدار أدوات دين متمثلة في صكوك وسندات محلية ودولية "220 مليار ريال"، فيما ستعتمد على السحب من الاحتياطي بنسبة 35 في المائة "120 مليار ريال كحد أقصى".
وبناء على تصريحات الوزير، كان المخطط سابقا تمويل 50 في المائة من العجز عبر الديون "120 مليار ريال"، فيما 50 في المائة أخرى من خلال السحب من الاحتياطي "120 مليار ريال كحد أقصى".
وكانت الحكومة السعودية قد توقعت أن تسجل عجزا بنحو 187 مليار ريال العام الجاري يمثل 6.4 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، إلا أنه بعد تداعيات فيروس "كورونا" على الاقتصاد المحلي والدولي توقع وزير المالية أن يراوح العجز بين 7 و9 في المائة من الناتج، وستتحمل ميزانية الدولة حزم تحفيز للاقتصاد السعودي خاصة القطاع الخاص وتعويضات ضد تعطل المواطنين، وزيادة مخصصات وزارة الصحة لمواجهة الفيروس.

فترات إصدار متقطعة
وتعد نافذة الإصدار المتاحة، التي ابتدأت من 5 مايو النافذة الثالثة منذ الجائحة ولا تزال مستمرة حتى الآن، وتميزت نافذة الإصدار الثالثة بأنها شهدت دخول دول من الأسواق الناشئة تحظى بدرجات تصنيف دون الدرجة الاستثمارية، وبالتحدد من فئة التصنيف BB منذ اندلاع أزمة كورونا بأسواق الدخل الثابت العالمية، وذلك بقيادة أمريكا الوسطى عبر جواتيمالا وأمريكا اللاتينية عبر باراجواي والخليج عبر البحرين بإصدارها المزدوج من السندات والصكوك، وذلك لأول مرة منذ أكثر من 90 يوما لآخر ظهور من تلك الدول التي تحظى بدرجات تصنيف من هذا القبيل. لتمهد تلك الدول الثلاث لدول أخرى من درجة التصنيف نفسها لطرق باب الاستدانة الدولية.
ومعلوم أن نافذة الإصدار الثانية قد توافرت في أبريل، وشهدت الإصدار الدولاري الثاني من السندات الدولارية لهذا العام من قبل الحكومة السعودية، وقد دامت لتسعة أيام من ثمانية إلى 16 أبريل، وبعدها توقفت إصدارات المنطقة لفترة دامت لأكثر من أسبوعين.
وتأتي تلك التطورات حول سبل توافر خيارات التمويل في الخليج بعد أن نشرت الصحيفة تحليلا في 7 أبريل، أشارت فيه إلى أن أسواق الدين الدولارية الخاصة بالطروحات العامة، أصبحت في الفترة الحالية مفتوحة للمصدرين الخليجيين أصحاب التصنيفات الائتمانية المرتفعة فقط أي الحاصلين على تصنيفات الدرجة الاستثمارية، وذلك في ظل جائحة كورونا، التي أثرت في معنويات المستثمرين تجاه الأصول عالية المخاطر وتخفيضات التصنيفات الائتمانية التي تتم بشكل شبه أسبوعي حول العالم من قبل شركات التصنيف.
وأفاد متعاملون بأسواق الدخل الثابت حينها لـ"الاقتصادية"، بأن أسواق الدين الخليجية ستواجه "فترات إصدار متقطعة" خلال الأشهر المقبلة، التي يتخللها توقف "مؤقت" للمصدرين عن الإصدار بالعملة الدولارية، بسبب عدم مواءمة ظروف السوق ومن ثم اقتناص "نافذة إصدار" موائمة، وذلك في إطار "الواقع الجديد" للتكيف مع جائحة فيروس كورونا.
ومن أجل توضيح أثر تأثر أسواق المنطقة الخليجية في أوج تبعات الجائحة في أسواق المنطقة في مارس، وقبل توافر نافذة الإصدار الثانية، فخلال شهر مارس، تضاءل إجمالي حجم الإصدارات الأولية للسندات والصكوك في دول مجلس التعاون الخليجي إلى نحو 5.4 مليار دولار، الذي يمثل انخفاضا بنسبة 75 في المائة عن مستواها خلال الفترة نفسها من العام الماضي، الذي بلغ 21.5 مليار دولار، وهو أدنى مستوى للإصدارات الأولية للسندات الخليجية خلال الأعوام الأربعة الأخيرة، وفقا لتقرير المركز المالي الكويتي.

التوقف المتقطع
وكانت الاقتصادية قد تطرقت للمرحلة الأولى من التوقف من خلال التحليل، الذي نشرته في 23 فبراير، الذي دام فيه التوقف 14 يوما وبعدها توالت الإصدارات الخليجية، التي تظهر أن السعوديين تفوقوا في اختيار التوقيت المناسب لإصداراتهم الدولارية (الجهة السيادية ومصرفان وشركة عقارية تمكنت جميعا من الإصدار خلال الربع الأول).
وكان التوقف المؤقت خلال المرحلة الأولى من أجل التروي بأفضل وقت لطرق باب أسواق الدين، وتخلل تلك الفترة قلق المصدرين الخليجيين من المستثمرين الآسيويين الذين كانوا في تلك الفترة يتكيفون مع أوضاع العمل من المنزل.
وأظهرت أحجام الطلبات الآسيوية على الأوراق المالية الصادرة من المنطقة حينها بأنها طبيعية، وتم تغطية الإصدارات أكثر من مرة. وازدادت شعبية الأوراق المالية الخليجية بين المستثمرين الآسيويين في الآونة الأخيرة، وأصبحت بمنزلة الفئة، التي لا يمكن النظر بإقصائها، خصوصا أنهم يستحوذون على ما بين 16 في المائة و35 في المائة من إجمالي قيمة إصدارات السندات والصكوك..
واحتاج المصدرون الخليجيون والمستثمرون الآسيويون إلى 14 يوما للتكيف مع الوضع الجديد، حيث توقفت الإصدارات مؤقتا في 23 يناير، الذي تخلله تجربة عمل موظفين شركات الاستثمار الآسيوية من المنازل، التي لم تعقهم من المشاركة في الإصدارات الخليجية.
ونجح العاملون في تلك الشركات الآسيوية ومن خلف الأبواب المغلقة لمنازلهم من اكتشاف آلية عمل مناسبة تحافظ على استمرارية العمل خلال هذا العالم الافتراضي عبر الاستعانة بمحادثات الفيديو والمكالمات الهاتفية لتكون بديلا مثاليا عن اجتماعات المستثمرين، التي كانت ستتم عبر الجولات الترويجية في المدن الآسيوية.

وحدة التقارير الاقتصادية

الأكثر قراءة